الحكم الشرعي في التطبيع مع الكيان الصهيوني / د. نور الدين عبد الكريم

56

يبحث هذا المقال الحكم الشرعي لإبرام اتفاقيات سلام أو صلح مع الكيان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين، وعلى الرغم من أن الفهم السليم والمنطقي يقود إلى رفض هذا الأمر،

إلا أن ظهور آراءٍ لمشايخ ورجال دين يبررونه ويقولون بجوازه، يجعل من اللازم تفنيد هذه الآراء، وبيان مصداقيتها، والرد عليها، وتوضيح هذا الحكم لمن قد يلتبس عليه الأمر، ولا بد من توضيح ما قاله عموم علماء المسلمين المعاصرين بهذا الشأن.

الاتفاقية الأولى

ومن الضروري كذلك التذكير والتأكيد على حقيقة تاريخية، وهي أن إسرائيل دولة مغتصِبة، تم إنشاؤها بعد احتلال أرض فلسطين وتشريد أهلها، واحتلال مدنهم وقراهم وأراضيهم، وجاء هذا الفعل بعد أن بدأ التخطيط له من قِبل المنظمة الصهيونية العالمية التي كان يرأسها ثيودور هرتزل، والتي تم انعقاد مؤتمرها الأول في بال بسويسرا في 27-29 أغسطس عام 1897م، وهو المؤتمر الذي تم الإقرار فيه على إنشاء هذه الدولة، ووضع الخطة لتحقيق ذلك. أي أن هذه الدولة لم تكن قائمة، وإنما تم غرسها في الوطن العربي عنوة وبقوة السلاح وبالظلم واغتصاب الحقوق.

فقد كان البدء بتنفيذ هذا المخطط من خلال تنظيم رحلات هجرة لليهود من مختلف دول العالم إلى أرض فلسطين مستغلة ضعف الدولة العثمانية، فكان هناك موجة أولى من المهاجرين فيما بين عامي (1882-1903)، والتي يتراوح عدد من هاجر فيها ما بين 25 و 30 ألف مهاجر، ثم جاءت الموجة الثانية (1904-1914)، وتراوح عدد من هاجر فيها حوالي 35 إلى40 ألف مهاجر،

وفي عام 1914 بلغ عدد المستوطنات على أرض فلسطين حوالي 95 مستوطنة، يسكنها حوالي 12 ألف نسمة، بالإضافة إلى حوالي 70 يهوديا يسكنون في المدن المختلفة من أرض فلسطين، وعندما بدأ الاستعمار البريطاني لأرض فلسطين في عام 1917؛ صدر وعد بلفور، الذي كشف عن حقيقة التّحالف بين كل من الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية لخدمة مصالحها وأهدافها المشتركة، وهو الأمر الذي كان يبيت النية لإقامة دولة اسرائيل على أرض فلسطين.

ثم لا بد كذلك من التأكيد على أن الفلسطينيين لم يقبلوا بهذا المخطط، ولم يستسلموا له بعد أن تكشّف لهم وأدركوا حقيقة ازدياد عدد المهاجرين اليهود إلى أرضهم، وأن ما يقال من أن الفلسطيني قد باع أرضه وتنازل عنها وأكل ثمنها برضاه ما هو إلا محض افراء وتزييف وتزوير للحقائق.

بل إن التاريخ يثبت أنه ما كان من الفلسطينيين إلا أن قاوموا الاحتلال البريطاني لأرضهم، ومن ثم حاربوا ضد قيام دولة اسرائيل، فكانت انتفاضة النبي موسى في القدس عام 1920، ثم انتفاضة يافا عام 1921، ثم ثورة البراق عام 1929، ثم ثورة الكف الأخضر عام 1929-1930، ثم انتفاضة أكتوبر 1933، ومن ثم جاءت الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939).

وعندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 181 في عام 1947، هو القرار الذي يقر تقسيم أرض فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية؛ قوبل هذا القرار بالرفض والاستهجان من قبل الفلسطينيين المقيمين على أرضهم، وكذلك من بقية الشعوب العربية والإسلامية، الأمر الذي دفع الدول العربية لبدء مرحلة الحرب مع اليهود، فكانت حرب 1948، ثم حرب 1956، ثم حرب عام 1967، وأخيرا حرب 1973.

إلا أنه بعد هذه الحرب الأخيرة، ظهر تغيّر ملحوظ في سياسة حكومات بعض الدول العربية تجاه دولة إسرائيل، حيث قام الرئيس المصري محمد أنور السادات بإعلان الاستعداد عن إجراء اتفاقية سلام معها، وهو ما عرف باتفاقية كامب ديفيد في عام 1978، ولم يتوقف الحال عند هذه الاتفاقية، بل انجرّت وراءه بعض الدول العربية، فتم إبرام اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني عام 1993، وكذلك اتفاقية وادي عربة 1994 مع الأردن، وتبع ذلك أيضاً قيام اتفاقيات مشابهة مع دول عربية أخرى مثل تونس والمغرب وموريتانيا، ثم ها نحن ذا نتابع اليوم إعلان الإمارات نيتها الأكيدة بإبرام اتفاقية سلام مشابهة أيضاً، مع التأكيد بأن دول عربية أخرى ستحذوا حذوها قريباً.

الرأي الفقهي في السلام مع إسرائيل / الدكتور عبد الهادي الفضلي (ره)

 

اتفاقية محرمة

أما فيما يخص الحكم الشرعي لهذه الاتفاقيات، فإن سلّمنا بوجود آراء لعلماء معاصرين معتبرين ومن أهل الفتوى، يقولون بجواز ذلك، فإنا سنجدها في مجملها تعتمد على فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، في حين أن جمهور العلماء يقولون بالتحريم، ولذلك سنسلم بأن هناك رأيين في المسألة، رأي للممانعين، ورأي للمجيزين.

وفيما يخص الرأي الأول، فقد صدر المئات من الفتاوى القائلة بعدم جواز إجراء معاهدات سلام مع الكيان الصهيوني، ولا بأي شكل من أشكال التسوية السّلمية، أو التنازل لهم عن أي قطعة أو جزء من أرض فلسطين، أو أي أرض أخرى من أراضي المسلمين، وصدرت هذه الفتاوى منذ إعلان قرار الأمم المتحدة إنشاء الكيان الصهيوني، وترجع هذه الفتاوى إلى عدد كبير من علماء الأمة الإسلامية وفقهائها ومفكريها، وكانت في أغلبها تصدر في مؤتمرات دولية إسلامية، وبعضها يصدر بشكل فردي.

فمن هذه الفتاوى فتوى علماء فلسطين الصادرة عن مؤتمر علماء فلسطين الأول المنعقد في يناير 1935، وأبرز العلماء الموقعين على هذه الفتوى: مفتي القدس الشيخ محمد أمين الحسيني، ومفتي مدينة جنين الشيخ حسن أبو السعود، ومفتي بئر السبع الشيخ محمد سليم بسيسو، وقاضي الخليل الشيخ أحمد النحوي.

وكذلك فتوى الجامع الأزهر في اجتماع لجنته المنعقد في عام 1956، ومن الموقعين على هذه الفتوى كل من الشيخ عيسى منون، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد الطنيخي، والشيخ محمد عبد اللطيف السبكي.

ومن ثم انعقد مؤتمر إسلامي دولي في عام 1989، حضره علماء الأمة الإسلامية من أكثر من 19 دولة إسلامية، من أهم هؤلاء المؤتمرين، الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ محمد الغزالي، والدكتور عمر سليمان الأشقر، والدكتور وهبة الزحيلي، والدكتور محمد نعيم ياسين، والدكتور محمد عثمان شبير، والدكتور همام سعيد، والدكتور عبد الله عزام، والدكتور فتحي يكن، والشيخ جاسم مهلهل، والشيخ أحمد محمد الخليلي، والدكتور عبد الله إبراهيم، والشيخ راشد الغنوشي، وغيرهم كثير.

وبهذا يمكن القول إنه قد انعقد الإجماع من قبل جمهور العلماء المعاصرين على حرمة إبرام اتفاقيات سلام مع الكيان الصهيوني، وعلى حرمة بيع أي قطعة أرض فلسطينية لليهود، وتحريم السمسرة على هذا البيع والتوسط فيه وتسهيل أمره، بأي شكل من الأشكال، واعتبروا أن الاعتراف بدولة اسرائيل خيانة لله والرسول والأمانة ولكل المسلمين. وعلى ذلك فإن أرض فلسطين أرضٌ إسلامية وستبقى إسلامية.

وقد استدلوا بأدلة نقلية وعقلية، فمن القرآن الكريم عموم الآيات المحرّمة للتعامل مع من يعادي الله ورسوله ويحارب المسلمين ويقتلهم ويسلبهم أرضهم ومالهم، ومن ذلك قوله تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)، الحشر:22، وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ)، الممتحنة: 1.

واستدلوا كذلك من السنة النبوية بالأحاديث والآثار الدالة على وجوب الدفاع عن دين الله وعن أرضه، وعن فضل الذود عن المال والدين والعرض.

أما الأدلّة العقلية، فقالوا أن حكم أرض فلسطين ينطبق على حكم الأرض المفتوحة عنوةً أو صلحاً من أراضي المسلمين، وقد اتفق السلف من علماء الأمة الاسلامية على أنها تعتبر داخلة في دار الإسلام، وبالتالي لا يجب التنازل عنها، بل يجب الدفاع عنها والقتال دونها،

يقول الدكتور عثمان شبير: “وبناء على هذا الحكم الذي قرره الفقهاء فإن أرض فلسطين التي فتح بعضها عنوة وبعضها صلحاً قد دخلت في دار الإسلام منذ ذلك الفتح، وطبقت عليها أحكام الإسلام، وأمّر عليها عمر بن الخطّاب يزيد بن أبي سفيان، وحافظ المسلمون على إسلاميتها، وبقوا يجبون من أهلها الخراج”.

مواقف فقهاء الشيعة من قضية فلسطين في القرن العشرين / حسام عبد الكريم

القائلون بالجواز

كما ذكرت آنفاً، اعتمد أغلب من يفتي بجواز هذه الاتفاقيات على رأي للشيخ ابن باز رحمه الله، ثم استدلوا بقياس المسألة على صلح الحديبية ومهادنة الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود في المدينة المنورة.

أما فيما يخص ما قاله ابن باز، فهو يرى في فتوى منسوبة إليه، ومنشورة على موقعه الرسمي؛ جواز الهدنة مع الأعداء، سواء كانت مطلقة أو مؤقتة إذا رأى ولي الأمر المصلحة في ذلك.

فيقول: “على كل من تولى أمر المسلمين، سواء كان ملكاً أو أميراً أو رئيس جمهورية أن ينظر في مصالح شعبه، فيسمح بما ينفعهم ويكون في مصلحتهم من الأمور التي لا يمنع منها شرع الله المطهّر، ويمنع ما سوى ذلك مع أي دولة من دول الكفر”.

ويقول موضحاً ومستأنفاً: “الصلح مع اليهود أو غيرهم من الكفرة لا يلزم منه مودتهم ولا موالاتهم، بل ذلك يقتضي الأمن بين الطرفين، وكف بعضهم عن إيذاء البعض الآخر وغير ذلك، كالبيع والشراء، وتبادل السفراء وغير ذلك من المعاملات التي لا تقتضي مودة الكفرة ولا موالاتهم”.

وورد في فتوى أخرى له أنه اشترط لهذا الصلح العجز عن محاربة المشركين (أي العدو) أو عدم القدرة على إجبارهم على الدخول في الإسلام أو دفعهم الجزية،

فيقول: “وهذا كله عند العجز عن قتال المشركين، والعجز عن إلزامهم بالجزية إذا كانوا من أهل الكتاب أو المجوس، أما مع القدرة على جهادهم وإلزامهم بالدخول في الإسلام أو القتل أو دفع الجزية – إن كانوا من أهلها – فلا تجوز المصالحة معهم، وترك القتال وترك الجزية، وإنما تجوز المصالحة عند الحاجة أو الضرورة مع العجز عن قتالهم أو إلزامهم بالجزية إن كانوا من أهلها”.

وقد استدل على رأيه بعموم الآيات القرآنية والأحاديث التي تأمر أولياء المسلمين بتطبيق كل ما فيه مصلحة الأمة والدولة، مثل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، النساء:58، وكذلك قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)، الأنفال: 61، كما استدل أيضاً بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أجرى اتفاقية سلام مع اليهود المقيمين في المدينة حال قدومه إليها، وترتب على ذلك أن عاش المسلمون معهم، وتوفي عليه الصلاة وسلام ودرعه مرهونة عند يهودي.

يقول: “وهكذا صالح النبي صلى الله عليه وسلم يهود المدينة لما قدم المدينة مهاجراً صلحاً مطلقاً، ولم يوجب ذلك مودتهم ولا محبتهم، لكنه عليه الصلاة والسلام كان يعاملهم في الشراء منهم والتحدث إليهم، ودعوتهم إلى الله، وترغيبهم في الإسلام، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام اشتراه لأهله”.

وبالإضافة إلى فتوى ابن باز، أصدر رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشيخ عبد الله بن بيه، حكما بالجواز متحججاً بأن “العلاقات والمعاهدات الدولية تعد من الصلاحيات الحصرية والسيادية لولي الأمر، شرعًا ونظامًا”.

الترجيح

بعد هذا العرض المختصر لأدلة المجيزين والمحرمين لهذه المسألة، يمكن الرد على قول المجيزين بما يلي:

الاستدلال بصلح يهود المدينة

هذا قياسٌ مع الفارق، وباطل لا يستقيم في هذه المسألة، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قدم المدينة وأسّس فيها الدولة الإسلامية حال قيام اليهود وإقامتهم فيها، فاليهود لم يسكنوا المدينة المنورة عنوة، ولم يغتصبوها من أهلها بالقوة، بل كانوا جزءاً من مجتمعها منذ عقود، والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أسّس دعائم الدولة الإسلامية على أساس إعطاء كل ذي حق حقه، وعدم اغتصاب الناس حقوقهم في المجتمع الواحد، فكان لزاماً أن يعطيهم الأمان والاستقرار والإبقاء على ما هم عليه، ولم يتم إجلاؤهم أو طردهم إلا بسبب معاداتهم للرسول عليه الصلاة والسلام وخرقهم ما كان بينهم من اتفاقيات.

أما فيما يخص فلسطين، فالحال يختلف عن ذلك كثيراً، فكما ذكر المقال في مقدمته؛ كان الفلسطينيون يسكنون على أرضهم، وكانت هناك أطماع صهيونية بتحويل هذه الأرض إلى أرض إسرائيلية، تحت حجج أنها كانت لأجدادهم قبل آلاف السنين، وأن الله قد وعدهم إياها في كتبهم، فنجم عن هذا المخطط أخذ الأرض عُنوة، وطرد سكانها، وتهويد دور العبادة، واغتصاب الأراضي وتقطيع أوصال المدن والقرى، واحتلالها، ولا يزال التقتيل والسجن في حق الفلسطينيين قائماً ومتجدداً حتى الآن، فهذا السلام المزعوم هو بمثابة إقرار ومباركة لإسرائيل على جرائمها بحق الفلسطينيين، وتسليم بواقع الحال وقبول به.

القياس على صلح الحديبية

وكذلك فإن صلح الحديبية مثال لا ينطبق، ولا يصح أن يكون حجة لإبرام هذه الاتفاقات، فصلح الحديبية كان بين دولتين شرعيتين متجاورتين ومتحاربتين، لم تغتصب إحداهما أرض الأخرى، ولم تخرج إحدهما سكان الأرض الأخرى من وطنهم، ولم يستوطنها عنوة، فالرسول الكريم لما هاجر إلى المدينة ومعه المسلمون قاموا بتأسيس دولة إسلامية برضا أهلها وتسليمهم، فأصبحت هذه الدولة مجاورة لدولة أخرى قائمة، فاعتراف الرسول عليه الصلاة والسلام بدولة قريش (مكة المكرمة) لم يؤدّ إلى التنازل عن أرض المدينة الإسلامية.

ثم إن هذا الصلح كان ذا بعد استراتيجي وسياسي أدّى إلى انتشار الإسلام وتوسعه في جزيرة العرب، والزيادة في نفوذ الدولة الإسلامية الناشئة وتمكنها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، حيث كان ينص في بنوده على عدم التعرض لأي قبيلة تختار الدخول في الإسلام والدخول في حلف المدينة المنورة، ثم إنه لم يكن دائماً، بل مؤقتاً ومدته عشر سنوات فقط.

أما اتفاقيات السلام اليوم فهي على العكس من ذلك، فهي في مجملها تصب في صالح الإسرائيليين على حساب مصالح الدول العربية الموقّعة، وهي في مجملها اتفاقيات غير محددة بفترة زمنية، وتقضي في مجملها بالتسليم والخضوع لإرادة المحتل وتحقيق رغباته، فقد عجزت جميع هذه الاتفاقيات منذ أربعين سنة، وحتى اليوم، عجزت عن إيقاف الحكومات الإسرائيلية المتتالية من المضي قدماً في إنشاء المستوطنات غير الشرعية حسب القانون الدولي، بل إنها لا تملك القوة والصلاحية على فك برغي واحد وُضع في جدار مستوطنة بنيت في زمن هذا السلام المزعوم.

كما أنه لا يوجد في بنود هذه الاتفاقيات ما يحافظ على أرواح الفلسطينيين ويحفظ لهم أمنهم وحريتهم، وهي لا تعطي الصلاحية لأي من هذه الدول أحقية المطالبة بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، والذين يصل عددهم قرابة الـ 8 آلاف أسير رجالاً ونساءً من مختلف الأعمار.

قراءة جذرية في فتاوى الصلح والتطبيع مع إسرائيل

الاستدلال بالمصلحة ومعرفة ولي الأمر

أما الاستدلال بالمصلحة والصالح العام للدولة، فهو دليل يضاف إلى أدلة المانعين لا المجيزين، وذلك أن المصلحة العامة للدولة والأمة يتم تحديدها عن طريق استشارة أهل الاختصاص السياسي والاقتصادي والديني.

وواقع الحال أن أغلب الحكومات العربية تتخذ قراراتها الدولية بناءً على آراءٍ فرديةٍ، ومن ثم يتم إجبار الشعوب على اتباعها والخضوع لها، فأنور السادات لما قرر توقيع هذا السلام فاجأ شعبه، وحكومته والأمة العربية والإسلامية.

وكذلك عندما انجرّت خلفة بقية الدول العربية فاجأ الرؤساء شعوبهم، واتخذوا هذه القرارات دون الاحتكام إلى الشورى أو مجالس الشعب التي تعتبر أمراً أساسياً في اتخاذ قرارات مصيرية لعلاقات الدول الخارجية، هذا إن اعتبرنا أن مجالس الشعب شرعية وتمثل فعلا رأي شعوبها.

وهنا يجب الإشارة إلى أن الفقيه يجب أن يكون محيطاً بجميع حيثيات المسألة قبل إصدار الحكم حولها، وكذلك لا بد أن يكون مدركاً لفقه الواقع وحيثياته، فالمطلع على التسلسل التاريخي لقيام دولة الكيان الصهيوني يدرك إدراك المتيقن أن إبرام أي اتفاق سلام مع الكيان الصهيوني يترتب عليه الضرر بالدول العربية التي أبرمتها، في حين أن المصالح تصب في خانة الكيان الصهيوني وحدها، فبدلاً من العمل على تقوية أركان هذه الدول العربية، وتسريع تجييشها والنهوض بها اقتصادياً وعلمياً وفكرياً وسياسياً، وذلك باستغلال حال توقف القتال مع الكيان الصهيوني، كان الواقع عكس ذلك تماماً؛ فكان الاتجاه العام هو التعايش مع وضع سياسي جديد، يؤدي إلى نسيان أرض فلسطين، وترسيخ فكر أن اليهود هم السكان الأصليون لهذه الأرض،

وفوق كل ذلك، يتم تغيير المناهج الدراسية في أغلب الدول العربية بما يتوافق مع هوى ومصالح هذا الكيان، وكذلك تعطيل الخدمة العسكرية للمواطنين العرب.

وما يؤكد هذا الكلام هو أنه وبعد مرور ما يقارب 40 سنة على أول اتفاقية سلام مع إسرئيل، لم تقم أي دولة عربية بمراجعة هذه الاتفاقية، وإعادة تقييمها، ودراسة مدى نفعها، وجدواها في خدمة الصالح العالم في الدولة.

أما الاحتجاج بأن ولي الأمر مخول بشؤون المسلمين وهو أدرى بصالحهم، وأن رفض بعض قراراته يعتبر عصياناً لله بالخروج على ولي الأمر، فهذا كلام سياسي لا أصل له في الشرع، بل هي اسطوانة مشروخة يكررها موظفو دولة برتبة “رجل دين”، فأي شرع وأي دين هذا الذي يجعل رئيس الدولة معصوماً عن الخطأ الديني والدنيوي ويضعه في مرتبة أعلى من مرتبة الأنبياء؟!

الاحتجاج بالعجز عن القتال

أي الاحتجاج بعدم القدرة على محاربة المعتدي قد يجيز إتفاقية سلام لحين التمكن من القتال، وهذا أمر مخالف لواقع هذه الاتفاقيات، فهي قد أُبرمت في حال قوة لا ضعف، فمثلا، في حرب أكتوبر عام 1973، تحقق للمصرين نصرٌ عظيمٌ كان كفيلاً بهد أركان دولة الصهاينة، لولا تصرّف السادات الفردي بشأن الحرب، الذي أسفر عنه خسارة في الجيش المصري، ومن ثم تحوله إلى فريسة سهلة للطيران الإسرائيلي.

وحول هذه المسألة يقول الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المصرية ومخطط عبور قناة السويس في هذه الحرب، يقول متسائلاً: (قرار السادات بتطوير القتال، هل سببه: الجهل، أم المقامرة، أم الخيانة؟)، ثم ظهرت بعض التقارير التي تتهم السادات بتبييت النية مسبقاً لتوطيد العلاقات مع أمريكا الكيان الصهيوني مقدماً، وقبل نشوب هذه الحرب، وهذا بالاعتماد على بعض الوثائق التي أظهرت وجود قناة تواصل مسبقة بين السادات والوزير الامريكي كسينغر.

فالتحجج بأن الأمة ضعيفة، وأن هذا هو سبب إبرام هذه الاتفاقيات؛ أمر غير صحيح، بل خنوع وخضوع غير مبرر، فالوقائع التاريخية المعاصرة والقريبة جداً، قد أثبتت أن خيار المقاومة الحقيقية والفعالة والصادقة هو من يستطيع المحافظة على حقوق الفلسطينيين واستعادة أرضهم وحريتهم وأمنهم، وهو من يحفظ كرامة الأمة العربية والإسلامية.

وختاماً، يتبين أنه لا يمكن التسليم بأي رأي يجيز شرعاً إبرام أي اتفاقية سلام أو صلح مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يمكن بأي حال الموافقة على تسليم شبر واحد من أرض فلسطين لمغتصبيها تحت أي مسمى كان، بل إن الأمة قد أجمعت على حرمة هذا الأمر دون خلاف.

وجميل هنا أن أختم بما قاله مفتي عام سلطنة عمان، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، حينما طالب بعدم المساومة والمتاجرة بالمسجد الأقصى لتحقيق مكاسب سياسية، فقال: “إن تحرير المسجد الأقصى، وتحرير جميع الأرض من حوله من أي احتلال؛ واجب مقدّس على جميع الأمة، ودَين في رقابها جميعا يلزمهم وفاؤه، وإن لم تواتهم الظروف وتسعفهم الأقدار، فليس لهم المساومة عليه بحال، وإنما عليهم أن يدعوا الأمر للقدر الإلهي، ليأتي الله بمن يشرفه بالقيام بهذا الواجب”، وهو لا محالة حاصل.

 

د. نور الدين عبد الكريم
كاتب وأكاديمي أردني، حاصل على الدكتوراه في الفقه وأصول الفقه