الأصل في العقود اللزوم -جعفر السبحاني

776

الأصل في العقود اللزوم

الخيار لغةً واصطلاحاً

الخيار اسم مصدر من الاختيار ، نصّ به لفيف من علماء اللغة.

قال ابن منظور : الخيار خلاف الاشرار. والخيار الاسم من الاختيار. (1)

وتبعه الزبيدي في شرح القاموس. (2)

ولكن الظاهر من الفيّومي في مصباحه انّه مصدر حيث قال : الخيار هو الاختيار. (3)

ونقل الطريحي كلا القولين من غير ترجيح وقال : الخيار هو الاختيار ، ويقال : اسم من تخيرت الشيء مثل الطيرة اسم من تطيّر. (4)

وعلى كلّ تقدير إذ كان الخيار من الاختيار وهو بمعنى الاصطفاء ، قال سبحانه : (وَاختارَ مُوسى قَومَهُ سَبعينَ رَجُلاً ) (5) ، وقال سبحانه : ( وَأَنا اخْتَرتُكَ لِما يُوحى ) (6) ، فيكون الخيار أيضاً بمعنى الاصطفاء والانتخاب.

 

وأمّا في الاصطلاح فقد عُرِّف بتعاريف عديدة ، نقتصر منها على تعريفين : فالأوّل منهما للمحقّقين من القدماء ، والثاني للشيخ الأنصاري :

  1. الخيار ملك إقرار العقد وإزالته.
  2. الخيار هو ملك فسخ العقد (7) ، وهو المنقول أيضاً عن فخر المحقّقين ، ولعلّ الأوّل هو الأوفق لما في الروايات ، كما في قوله 7 : « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا » (8) ، أي له السلطنة على انتخاب أحد الطرفين إلى أن يفترقا ، وفي رواية الحلبي : « فإذا افترقا وجب البيع ». (9)

وعلى هذا فالخيار لغة غيره اصطلاحاً ، لأنّه في اللغة بمعنى الاصطفاء والترجيح فيلازم صدور الترجيح من ذي الخيار ، بخلافه في الاصطلاح فهوعبارة عن حقّ الاصطفاء وحقّ الترجيح وإن لم يُعْمِل حقّه ، ولم يُرجح شيئاً.

الأصل في العقود اللزوم

وقبل الخوض في بيان أقسام الخيار وأحكامها نشير إلى ضابطة في العقود ، وهي :

ذهب الأعلام (10) إلى أنّ الأصل في العقود هو اللزوم ، يقول الشهيد : الأصل في البيع اللزوم ، وكذا في سائر العقود ويُخرج عن الأصل في مواضع لعلل خارجة. (11)

ويظهر من « مفتاح الكرامة » في كتاب المزارعة انّه إجماعي حيث قال بعد قول العلاّمة « وهو عقد لازم من الطرفين » ما هذا نصّه : « إجماعاً كما في جامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان … وكأنّه إجماع ، لأنّ الأصل في العقد اللزوم إلا ما أخرجه الدليل ». (12)

فلو ثبتت الضابطة المذكورة فتكون هي المرجع فيما شكّ في لزوم العقد وجوازه ، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

أمّا الأُولى فكما إذا شكّ في لزوم الجعالة أو المضاربة ، فالأصل هو اللزوم. اللّهمّ إلا أن يدلّ دليل على الجواز.

أمّا الثانية فكما إذا اختلف المتداعيان في عقد ، فادّعى أحدهما انّه كان صلحاً والآخر انّه كان وديعة أو عارية ، فالأصل هو اللزوم ، فعلى من يدّعي خلافه ، البيّنة.

إذا عرفت ذلك فالكلام يقع في توضيح الأصل ، وما هو المراد منه؟ فنقول : هنا وجوه :

الأوّل : المراد من الأصل هو الغلبة وانّ الغالب على العقود هو اللزوم.

لكنّه ممنوع صغرى ، إذ ليست قلّة العقود الجائزة على حدّ يوجب انصراف الدليل عنها ، كما أنّه ممنوع كبرى ، إذ لا دليل على حجّية الغلبة لأنّها لا تفيد إلا ظنّاً ، والأصل في الظنون عدم الحجّية إلا إذا قام الدليل على حجّيتها.

الثاني : الاستصحاب بمعنى انّه إذا قام أحد المتعاقدين بفسخ العقد وشككنا في تأثيره وعدمه ، فالأصل هو بقاء أصل العقد أو أثره بعد الفسخ.

وذلك لأنّ العقد أو الإيقاع إذا تحقّق يوجب ترتّب أثر شرعي عليه ، من

 

حصول ملك ـ كما في البيع ـ ، أو منفعة ـ كما في الإجارة والعارية ـ أو انتفاع ـ كما في التحليل ـ ، فإذا شكّ في اللزوم والجواز فمرجعه إلى الشكّ في أنّه لو فسخ هذا السبب ، هل يبطل ذلك المسبب ، الثابت أو لا بل هو باق على حاله؟ ولا شكّ انّ قضية الاستصحاب عدم زوال الأثر من ملك أو نحوه إلا بمزيل شرعي وهو معنى اللزوم ، فالأصل يقتضي بقاء الأثر إلا أن يثبت دليل قطعي على رفعه. (13)

الثالث : انّ حكم الفقهاء بانّ الأصل في العقود اللزوم مأخوذ من مفهوم العقد ومعناه اللغوي ، فانّ العقد هو العهد أو العهد المشدّد ، وهو كناية عن لزوم الوفاء وعدم قبوله للانثلام كالبيعة فهي عهد مشدد بين المبايع والمبايع له على وجه يثق الإنسان بعدم نقضها والوفاء بمضمونها.

وعلى ضوء ذلك ، فعقد البيع والنكاح والضمان والوقف من مقولة العقد المشدّد الّذي طبعها اللزوم والاستحكام.

ويؤيد ذلك انّ الغاية المنشودة من العقود غالباً لا تحصل إلا بلزومها ، مثلاً : انّ الغاية من البيع تمكّن كلّ من المتعاقدين من التصرّف فيما صار إليه ، وإنّما يتمّ ذلك باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه. (14)

واستعمالها في العقود الجائزة من باب الاستعارة.

وعلى ذلك تجب دراسة حال كلّ عقد بخصوصه وانّ الغاية المطلوبة منه هل تحصل مطلقاً أو تحصل في صورة اللزوم فقط؟! فيحكم عليه باللزوم ، ولا يمكن الحكم على عامّة العقود مرّة واحدة بل لابدّ من ملاحظة كلّ برأسه.

ولعلّ ذلك أوضح الطرق ، مثلاً نقول : إنّ لكلّ عقد في نظر العقلاء طبعاً

خاصاً. فطبيعة العارية خصوصاً فيما إذا لم تحدد بوقت ، هي الجواز ، لأنّ المعير لم يقطع علاقته بماله وإنّما دفعه إلى المستعير ليقضي به حاجته ثمّ يردّها إلى صاحبها.

بخلاف طبيعة الوقف ، فإنّها عبارة عن قطع المالك علقتَه عن الموقوف وإدخاله في سلطة الموقوف عليهم.

ومثله البيع ، فإنّ غرض كلّ من المتعاقدين هو التصرّف فيما صار إليه تصرّفاً مأموناً من نقض صاحبه عليه.

وبعبارة أُخرى : انّ كلاً من البائع والمشتري إنّما يقدم على البيع لأن يقضي به حاجته التي لا تقضى إلا أن يكون كلّ مالكاً للثمن أو المثمن على وجه تنقطع به سلطنة البائع أو المشتري ، فالمشتري يريد أن يشتري بيتاً ويسكن فيه وتحصل له الطمأنينة من أزمة المسكن بحيث لا يكون للبائع سلطة الفسخ أو يريد أن يجعله صداقاً لزوجته أو غير ذلك من الأُمور التي تقتضي بطبعها كون البيع عقداً لازماً.

ومنه تظهر الحال في النكاح والضمان ، فإنّ الأغراض الداعية إلى إنشائهما لا تحصل إلا باللزوم.

نعم ، الأصل بهذا المعنى ( الثالث ) لا يفيد إلا في الشبهات الحكمية كالشكّ في لزوم الجعالة وعدمه ، لا في الشبهات الموضوعية التي ربّما يتردّد العقد بين عقدين : أحدها لازم كالصلح والآخر جائز كالوديعة ، فلا يجري فيها ذلك الأصل ، بل لابدّ فيها من الرجوع إلى قواعد أُخرى.

وبالجملة دراسة طبائع العقود وخصائصها ونتائجها عند العرف كاف في الحكم عليه باللزوم مطلقاً أو الجواز كذلك.

الرابع : مقتضى الأدلّة الاجتهادية من العمومات والإطلاقات ، وهذا هو

الظاهر من الشيخ الأنصاري في كتابي البيع والخيارات (15) حيث استدلّ على القاعدة بالآيات والروايات وأثبت بها أنّ الأصل في العقود والبيع خصوصاً هو اللزوم ، نقتصر ممّا ذكره من الأدلة الاجتهادية بدليلين : أحدهما يثبت كون الأصل في مطلق العقود اللزوم ، والآخر يثبت كونه في خصوص البيع اللزوم.

الدليل الأوّل : آية الوفاء بالعقود

قال سبحانه : ( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَوفُوا بالعُقُودِ أُحلّت لَكُمْ بَهيمَةُ الأَنعام ). (16)

وجه الدلالة : انّ المراد بوجوب الوفاء ، العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب الدلالة اللفظية ، مثلاً دلّت الآية المباركة على أنّ كلّ عقد يجب الوفاء به ، والمراد بالوفاء به ، العمل بمقتضاه ، ومقتضى العقد إمّا تمليك أو نحوه ، ومقتضى لزوم الوفاء ، البقاء على هذا الأثر ، وإبقاؤه وجوباً فلا رخصة في إبطاله ، وهذا هو المقصود من اللزوم. (17)

فإن قلت : تدلّ الآية على أنّه يجب العمل على وفق العقد ، فلو كان العقد لازماً يجب العمل على وفقه ، وإن كان جائزاً فكذلك ، وهذا مثل ما يقال : يجب العمل بالأحكام الشرعية التي تشمل الواجب والمستحب والمباح ، وبالجملة : المراد لزوم العمل بمقتضاه إن جائزاً فجائز وإن لازماً فلازم ، وعندئذ لا تدلّ الآية على ما هو المطلوب من أنّ الأصل في العقود اللزوم.

قلت : قد أجاب الشيخ الأعظم عن الإشكال ما هذا خلاصته : اللزوم

والجواز من الأحكام الشرعية للعقد وليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع ، فالذي يجب الوفاء به ، ما هو مقتضاه حسب الدلالة اللفظية ، وما يدلّ عليه العقد بهذه الدلالة ـ من البيع مثلاً ـ هو مالكية المشتري للمثمن فيجب الوفاء بها والاحترام لها ، وأمّا الوجوب والجواز ، فخارجان عن مفاد العقد ، فيخرج عن إطار وجوب الوفاء طبعاً. (18)

الدليل الثاني : آية حلية البيع

قال سبحانه : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّكَما يَقُوم الَّذى يتخبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسّ ذلك بأَنّهمْ قالُوا إِنّما البيعُ مِثْل الرِّبا وَأحلّ اللّهُ البيعَ وحَرّمَ الرّبا ). (18)

استدلّ الشيخ الأعظم بالآية المباركة بأنّ الأصل في البيع اللزوم قائلاً بأنّ حلّية البيع ـ التي لا يرادب ها إلا حلّية جميع التصرّفات المترتبة عليه التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر ـ مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ وكونه لغواً غير مؤثر. (20)

انقسام الخيار إلى قسمين

ثمّ إنّ الخيار على قسمين :

  1. ما لايختصّ بالبيع ويعمّ سائر العقود.

.

 

  1. ما يختصّ به ولا يعمّ غيره كخيار المجلس.

فلنقدّم الأوّل على الثاني كما هو مقتضى طبع البحث.

التحقيق

بيّن كيفية دلالة الأدلّة التالية على انّ الأصل في العقود ، اللزوم.

قوله سبحانه : ( وَلا تَأكُلُوا أَمْوالكُمْ بَيْنكُمْ بِالبَاطِل ).

قوله ع : « الناس مسلّطون على أموالهم ».

قوله ع : « المؤمنون عند شروطهم ».

لاحظ : كتاب الخيارات من متاجر الشيخ ، ص 215 ـ طبعة تبريز وتعليقة السيد الطباطبائي على خيارات المتاجر ، ص 4.

ـــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

  1. لسان العرب : 4 ، مادة « خير » فيه وسائر المصادر.
  2. تاج العروس : 11.
  3. المصباح المنير : 1.
  4. مجمع البحرين : 3.
  5. الأعراف : 155.
  6. طه : 13.
  7. والفرق بين التعريفين ، انّ الأوّل يركز على مالكية ذي الخيار للاقرار والفسخ ، والثاني يركز على مالكية ذي الخيار لخصوص الازالة.
  8. الوسائل : 12 ، الباب 1 من أبواب الخيار ، الحديث 3 و4.
  9. الوسائل : 12 ، الباب 1 من أبواب الخيار ، الحديث 3 و4.
  10. التذكرة : 10/5 ؛ ايضاح الفوائد في شرح القواعد : 1/480.
  11. القواعد والفوائد : 2/242.
  12. مفتاح الكرامة : 7/300.
  13. العناوين : الجزء 2 ، العنوان 29.
  14. التذكرة : 10/5.
  15. المتاجر ، قسم البيع; ص 85 ، والخيارات ، ص 214 ـ 215.
  16. المائدة : 1.
  17. العناوين : الجزء 2 ، العنوان 39.
  18. المتاجر ، قسم الخيارات ، ص 215.
  19. البقرة : 275.
  20. المتاجر ، كتاب الخيارات ، ص 215

 

 

 

888    آراء فقهية