الطلاقُ تَشويهٌ لِبراءةِ الأبناءِ

163

الطلاقُ تَشويهٌ لِبراءةِ الأبناءِ

للشيخ رائد الزبيدي

لَمْ يَغبْ عَنْ أذهاننا بأنَّ الطلاقَ تشريعُ السماءِ وحكمةُ الربِ الخبيرِ، وأنه يأتي فيصلاً لحلحلةِ مُدلهماتِ الحياةِ الزوجيةِ.. يَوْمَ تتحطمُ جسورُ الأُلفةِ والمحبةِ بينَ الزوجين، وَلمْ يكُنْ حينها أَملٌ يُرجى بأنْ تَعودَ المياهُ إلى مجاريها، بإعتبارِها أخذتْ مساراً آخراً !

ولكن: يَوْمَ يتحولُ الطلاقُ إلى اهتزاز اجتماعي وظاهرةٍ لا إنسانية تعصفُ بأمنِ المجتمعِ.. حينها سيكونُ للأقلامِ وجهٌ آخرٌ مِنْ الذمِ والمُناهضةِ لهكذا خرابٍ، ولا سيما والضحيةُ فيه هو غيرُ الطرفينِ المُتخاصمينِ.

فالأُسرةُ التيْ هي انطلاقة الأفرادِ والمؤسسةُ الداعمةُ بالحيويةِ والنشاطِ لِلأبناءِ، ماذا سيرثُ مُنها بَنينُها وبناتُها ساعةَ يعصفُ بِهم انفصال قُطبي العائلةِ الأب والأُم؟ وإلى أينَ سيؤولُ مُستقبلُهم؟ ألا سيكونون هُم الخاسرُ الأولُ بَعدَ حلولِ الطلاقِ ضيفاً لا مُرَحباً به بينهم؟

فَكثيرٌ مِنْ الأطفالِ والمُراهقين وحتى بعضِ الشبابِ تعوقوا نفسياً واجتماعيا نتيجةَ فُقدانِهم دِفئ الأُسرةِ الحانيةِ، وأُصيبوا بالقلقِ وعدمِ السيطرةِ على مشاعرِهم، واختلَ نمو شخصياتهم بَعدَ أنْ ضعُفتْ الثقةُ بأنفسِهم، وأخذهم الاضطراب يميناً وشِمالاً، بل ومنهم مَنْ فَسدتْ أخلاقُه وضاعَ مُستقبلُه، ناهيك عَنْ الذينَ أخفقوا في دراستهم وتأخروا عَنْ أقرانِهم علمياً وثقافياً.

على الأبوينِ أنْ يَعيا بأنَّ حاجةَ أبناءِهم إليهما معاً – بروحٍ واحدةٍ- حاجةٌ فطريةٌ وطبيعيةٌ، وأنَّ شراكتَهما مُجتمعينِ متوافقين في تَنشئةِ أبناءِهما أمانةٌ إلهيةٌ، ولا بُد أنْ يفهمَا بِأنَّ الراحةَ والدعةَ التيْ يطلبانِها بالطلاقِ ثَمنُها شقاءُ الأبناءِ وعذابُهم الأبديْ، فَينبغيْ عليهما سحقُ الأنا والتفكيرُ بِسعةِ أُفُقٍ بالأبناء وبما سيؤول إليه مصيرهم بعد الفراق، لأَنَّ حمايةَ مشاعرِهم والمُحافظةَ عليهم وتأمينَ مُستقبلِهم مسؤوليةٌ حرامٌ التفريطُ بها !

وليكُنْ شعارُهم بَعدَ الإنجابِ (الأبناءُ أولاً) وإنَّهُ مِنْ المُستحيلِ أنْ يُديرَ أحدُهما دفةَ الأُسرة ويُحافظَ على كيانِها بِمعزلٍ عَنْ شريكِه الطبيعي، والذي اختارَه بِمحضِ إرادتِه .

فالطلاقُ – بوجهِه السلبي- ليس أكثر مِنْ هدمٍ لصرحِ الأُسر الآمنةِ والمُستقرةِ، وإجهاضٍ لمستقبل أبناءٍ كانَ مِنْ المُفترضِ أنْ يكونوا قادةً للمجتمعِ وإذا بِهم يتنمروا عليه ويتحولوا فيه الى مُجرمين، لأنَّهم حُرموا الإشباعَ العاطفي ونشبتْ في دواخلِهم عُقدةُ الحقدِ والكراهيةِ لِمَنْ حولَهم، فالطلاقُ هو العنفُ النفسي -غير المباشر- والرصاصاتُ القاتلةُ لقلوبِ أولئكَ المُتأرجحين أخلاقياً وتربوياً لحظةَ صارَ أبواهما كلُ واحدٍ منهما تحتَ نجمة، وإنه مشروعٌ يرسمُ طريقاً مجهولاً للأبناء، لِذلكَ صارَ مَصنعاً للأطفالِ المُشردين الضائعين!!

وَقَدْ سمِعنا وَشهِدنا قَصصاً مأساويةً ومروعةً عَنْ مصيرِ أُولئك الذينَ فَقَدَوا تواجدَ أولياءِ أُمورهم في حياتِهم ، فكمْ مِنْ النُشأ الذين تعرضوا للإنتهاكِ واستغلالِ الغير لهم لحظةَ لَمْ يجدوا حُضناً يأويهمْ؟ وكَمْ هُمْ الأطفالُ الذينَ اتخذوا مِنْ الشارعِ بيتاً لهم يَوْمَ أدركوا بِأنهم فريسةُ صراعٍ بينَ أبويهم؟ وكَمْ هُمْ المساكينَ الذين كانَ الانتحارُ خاتمةَ عُمرِهم!؟

والجاني هو أبوانِ لَمْ يُحسنا إجراءَ العمليةِ التجميليةِ، بَعدَ أنْ استسهلا الطلاق واستهجنا ما وراءه مِنْ آثارٍ، فكانتْ النتيجةُ قتلاً لعفويةِ الصغارِ وتشويهاً لبراءةِ الأطفالِ وإعداماً لحياتِهم.