مفردة التغيير في فكر القادة والمصلحين – السيد الشهيد الصدر الثاني إنموذجا 

239

مفردة التغيير في فكر القادة والمصلحين 

السيد الشهيد الصدر الثاني إنموذجا 

   الحلقة الأولى :

بسمه تعالى 

(إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) الرعد: 11  

  مفردة (التغيير) مفردة أساسية ومهمة في حياة الامة وقد أكّدها القرآن الكريم ، وأشار إليها الأئمة المعصومون (عليهم السلام) في طيات أحاديثهم المباركة ، بل مارسوها على الأرض كما مارسها الأنبياء والرسل من قبلهم ، بل نستطيع القول أنها -أي مفردة التغيير- من أولويات أعمال القادة الصالحين ، وهي الهدف المنشود الذي يترجم بآليات ، ووسائل متعددة ، ومتغيرة تبعاً للظروف الزمانية ، والمكانية ، والذاتية ، والموضوعية للأمة.

  لهذا ، حرّك القادة المعصومون عجلة التغيير في حياة الأمة ابتداءً من التغيير الأخلاقي الذي موطنه النفس بالتخلّق بالأخلاق الفاضلة ، وتزكية النفس ، وتخليتها من الرذائل ، وتحليتها بالفضائل ، والابتعاد عن كل ما هو سيء حتى عُدَّ هذا النوع من التغيير جهادٌ أكبر يتقدّم على جهاد الأعداء والمتربصين للإسلام ، كما في الرواية الشريفة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ومروراً بالتغيير الاجتماعي العام إلى أن يصل التغيير إلى درجة إحداث مجتمع معصومي على درجة عالية من التكامل كما وصفه السيد الشهيد الصدر الثاني (قده) في موسوعته المباركة موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام)

   ثم سار نواب المعصومين ؛ الفقهاء الجامعون للشرائط بنفس المسار ونفس الحراك من التغيير والإصلاح ، وقد لا يختلف اثنان منصفان في أنّ المصداق المبرّز في العقود الأخيرة من الزمن لهذه النيابة الحقة هو السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس).

  حيث مثلت مرجعيته المباركة انعطافةً كبيرةً في مسير المرجعيات الدينية ، والحوزات العلمية بشكل عام ابتداءً بالمضمون الديني الذي طرحه (قدس) ، ومروراً بالآليات الميدانية التي تبناها في تحريك عجلة التغيير والإصلاح في حياة الأمة .

 

  فقد جسّد (قدس) مثالاً متكاملاً لتنوع الأدوار التغييرية التي يمارسها نائب المعصوم في حياة الأمة مضافاً إلى الإفتاء ، وكتابة الرسالة العملية ، ورعاية شؤون الحوزات العلمية ، والتصدي لمنبر الجمعة ، والانفتاح على المجتمع بصورة واسعة ، وغير ذلك ….

  وأقصد بهذه الأدوار التغييرية تهيئة الأمة وإعدادها لتحمّل القضية المصيرية ؛ أعني التمهيد لدولة الحق المباركة دولة الإمام المهدي (عليه السلام)، ونشر الوعي الإسلامي المناسب لها ، والمعارف القرآنية ، وتهذيب الأخلاق ، وتغيير الواقع الفاسد ، ومواجهة السلطات الظالمة ، وتحقيق التكامل للأمة ، وتفجير طاقاتها، وقضاء حوائج الناس، واحتضان شرائحهم كافة، ومخاطبتهم بما يناسبهم .

   وتشهد له (قده)  بذلك أعماله المباركة التي عايشناها وعاشها معنا المخلصون . 

   ومن المعلوم أن السيد الشهيد (قده) لم يكن مجتهداً فحسب يكتفي بالمقام العلمي ، وبيان الحكم الشرعي ، وطبع رسالة عملية، لأنه (قده) كان يدرك بحق أن المرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليست مقاماً علمياً فحسب يكتفى منه بما ذكرنا ، وإنما هي قيادة ووراثة ونيابة حقة عن المعصومين (عليهم السلام) ، لذا كان جامعاً لكل ما تحتويه كلمة (النيابة) بمعناها الشرعي الصحيح.

   فقد كان (قده) عارفاً بالطرق الموصلة إلى الله تبارك وتعالى ، وطبيباً لأمراض النفس ، ومعالجاً لقساوة القلب، فقد سحق الأنانية والهوى وأعرض عن الدنيا بكل زخارفها ومظاهرها.

   وكان (قده) مفكراً مجاهداً بقلمه ، وبيانه يدافع عن العقيدة ، والشريعة ، ويرد الشبهات التي تصدر من المضللين ، ويقوي قلب المؤمنين من أيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله) كما وصفهم الحديث الشريف .

   وكان (قده) ثائراً مصلحاً رافضاً للظلم والفساد ، ساعياً إلى تغييرهما ، جاداً في إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل ما توفرت لديه من وسائل لا تأخذه في الله لومة لائم.