في حوار مع آية الله الشيخ محمد السند

266

في حوار مع آية الله الشيخ محمد السند: يقول فيه ان مدرسة النجفتركّز أكثر على الصناعة الأصولية والفقهية بينما في قم يركزون علىالتتبع الفقهي.

 

منقول عن موقع الاجتهاد: تحدث سماحة الأستاذ الشيخ محمد السندالبحراني في هذا الحوار الذي حاورنا سماحته قبل أشهر في النجفالأشرف عن سيرته بصورة موجزة. كما تطرق سماحته إلى المحاورالتالية: مدرستي قم والنجف وميزاته، تعاملهما مع الفلسفةواهتمامهما بعلم الحديث وطابعهما السياسي بين الشدة والضعف،وضرورة توفير تسهيلات آلية بين الحوزتين وأخيراً التحذير بخطرانقطاع الطلبة عن التراث الحوزوي.

مواكبة الحوزة مستجدات العصر أمرٌ يتطلّب ركنين أساسين: قوةالدراسة الحوزوية،والاطلاع والانفتاح العلمي والثقافي للحوزات علىالبيئات الحديثة.

مع الأسف الشديد توجد الآن ظاهرة خطيرة جداً كعدوى، وهي عدمالقوة في دراسة المقدمات في الحوزات العلمية في النجف وقم.

إنّ السيد اليزديصاحب العروة ذو باع عجيب في الفلسفةوالعقليات، وله هوامش على الأسفار.

أقول بصراحة: لا أقرأ آية اليأس، توجد والحمد لله نقاط إيجابية قويةفي الحوزة، لكن إن هذا التضعضع في بُنَى الحوزة مؤشر خطيرٌجداً.

وجدت أحد المجتهدين وكان نابغة، يقول: الجواهر صعب عليّ! وهذامنعني أن أغوص في علم الاجتهاد، مع أنه كان متخصصا في علممن العلوم الحوزوية الكبيرة. إذا كان كتاب الجواهر يصعب عليه وهومن جيل خمسين سنة ماضية، فالإخوة الذين يدرسون الفقه التسهيليوالفقه السندويشي اليوم! بالتأكيد لا يمكنهم فهمالجواهر ولامجمع الفائدة للمقدس الأردبيلي، ولاالمبسوط و.. بل يصعبعليهم، وكأنما جدار حاجزٌ أمامهم يحول دون فهمه، لذا الانقطاع عنتراث عشرة قرون في علوم دينية عديدة آفة خطير جداً!

بسم الله الرحمن الرحيم

تميز سماحة الشيخ السند (دام ظله)الذي ولد في شهر رجب من سنة1382هـ الموافق1961م في البحرين، بنبوغه من اوائل نشأته حتى كانيعتمد عليه ابيه في تجارته.

وبعد انتهاء مرحلة الثانوية في بلده ونيل شهادة الدبلوم في سن مبكرةتوجه عن طريق بعثة دراسية إلى لندن في كلية (ديويد گيم) للدراساتالعليا قسم الهندسة، وبنبوغه حصل على شهادة فوق الدبلوم من الكليةالمذكورة في مدة سنة واحدة, وفي السنة الثانية أخذ مواد إضافيةوالتحق بالكلية التخصصية المسماة بـ(الامبريال).

إلا أن الهاجس الروحي الذي ترعرع عليه في حب أهل البيت (عليهمالسلام) حال دون إكمال مسيرته الاكاديمية ويمم وجهه نحو عش المحمد عليهم السلام مدينة قم ليكرس كل جهده في سبيل الله (جلَجلاله) وينتقل للدراسة الحوزوية, للدفاع عن مذهب أهل البيت, وغربةالإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) …وقد رست سفينةالرحلة أخيراً الى جوار مرقد إمام الهدى والنجاة في النجف الأشرف. ( منقول من موقع سماحته على النت)

وإليكم تفاصيل الحوار: 

شيخنا الكريم لو تتفضلون في البداية بتقديم نبذة مختصرة عنسيرتكم ودراستكم وحضوركم في قم والنجف الأشرف.

جئت إلى مدينة قم سنة 1399هـ.ق، وبقيت في هذه المدينة المباركةحتى سنة 1430هـ.ق. درست المقدمات في قم، ومكثت فيها ما يقاربالثلاثين عاما؛ حتى كتابة الرسائل العملية.

بعد ذلك انتقلت في شهر صفر سنة 1430هـ.ش إلى النجف الأشرف،وأقيم فيها إلى يومنا هذا (1440هـ)، وغالباً ما أزور قم المقدسة فيالصيف لمدة شهر أو شهرين بغرض التدريس.

إذن استمر تواصلكم مع مدينة قم؟

نعم، وأحيانا أقيم في مدينة مشهد جلسة نقاش وبحث أو أسئلةوأجوبة.

على يد من تلمّذتم في مدينة قم؟

درستُ على يد الميرزا هاشم الآمُلي (كتاب الصلاة من العروة)، وفيالفقه والأصول والدروس الصيفية تلمذت على يد السيد محمدالروحاني(1) رحمه الله، والقضاء والشهادات وشيء من الحدود علىيد السيد الكلبايكاني(2)، وأيضاً درستُ عند السيد العلامة عليالفاني(3) رحمة الله عليه، وشاركت أيضاً تسع سنين في دروسالأصول القديمة عند المرجع الديني الشيخ وحيد الخراسانيحفظهالله، ودرستُ السنين الثلاث الأخيرة من حضوري في بحث الخارجعلى يد الشيخ جواد التبريزيره في الفقه والأصول، وكتابة المنهاج،فقد كنتُ أشارك في الجلسة التي كان يقيمها.

أثناء تواجدكم في قم هل كان هناك رواج لمسألةمدرستي النجفوقم؟ وهل كنتم تحضرون عند أستاذ تعتبرونه من مدرسة النجف؟وماذا عن أهم ميزات المدرستين؟

في علوم المعقول (الإشارات والشفاء والأسفار والفصوص والمنظومةو) درست على يد الشيخ يحيى الأنصاري (4) “رحمه الله والشيخحسن زاده الآملي والشيخ جواد الآملي، ودرست أيضاً عند جملة منالمشايخ في مدارس كلامية تنتقد الفلسفة.

نعم كان هناك ما يمكن أن نسميه طابع مدرسة النجف، وطابع مدرسةقم، أي أنّ كلتا المدرستين كانتا في قم.

النجفيون النازحون من النجف إلى قم أمثال الميرزا هاشم الآملي(5)؛الجامع بين المدرستين؛ إذ أنّه درس على يد الشيخ عبد الكريم الحائري(الصلاة وشيئاً من الأصول)، وعند النائيني (الصلاة والأصول وكتبأخرى)، وعند الآقا ضياء الدين العراقي (درس عدة كتب فقهيه ودوراتالأصول) وعند الكمباني، فقد كان تلميذا لأربع مدارس، ولكن أستطيعأن أقول إنّ الطابع النجفي عند الميرزا هاشم الآملي يغلب على طابعهالقمي.

أيضاً الشيخ عبد الكريم الحائريرحمة الله عليه يحمل طابع مدرسةسامراء؛ فهو درس عند الميرزا محمد حسن الشيرازي (المجدد) فيغلبعلى أصوله طابع مدرسة الميرزا الشيرازي صاحب فتوى التنباك.

كذلك السيد محمد روحاني أيضاً تلميذ الكمباني لأربع سنوات،وتلميذ السيد الخوئي والشيخ محمد رضا آل ياسين وأمثال هؤلاءالكبار النجفيون.

بينما السيد الكلبايكاني طابعه طابع قمي. والسيد الفاني طابعهنجفي، يعني أغلب أساتذتي طابعهم طابع نجفي، مع أنّ السيدالكلبايكاني أيضاً درس أربع سنين عند الآقا ضياء الدين العراقي، إلاأنّ عمدة دراسته كانت عند الشيخ الحائري؛ وقلما حضر في الفتراتالأخيرة عند السيد البروجردي.

باختصار أستطيع أن أقول أنّ مدرسة النجف تركّز أكثر على الصناعةالأصولية والصناعة الفقهية أكثر. بينما نلاحظ أنّ مدرسة قم مثلالسيد الكلبايكاني والعلماء الكبار أمثاله، يركزون أكثر على التدبّرالفقهي والتتبع الفقهي، وعلى الذوق العرفي، وعلى التتبّع في الأبواب،والالتفات إلى النظائر، وأبعاد مقدمات الاستنباط، ويتوسّعون فيالبحوث اللغوية بشكل أكبر. فلكل مدرسة طابعها فمثلاً نجد إتقان علومالحديث في طابع المدرسة القمّية.

يعني كان هناك اهتمام كبير بمسائل علم الحديث؟

نعم، بسبب السيد البروجرديرحمة الله عليه، لأنه كان تلميذ شيخالشريعة لعشر سنين، فتأثّر السيد البروجردي بشيخ الشريعة كثيراً.

وقد اهتم شيخ الشريعة إلى جانب التتبع وجانب المقدمات المؤثرة فيالاستنباط من علم الحديث، وتميز السيد البروجردي في هذا الجانبكثيراً، فلكل مدرسة خصائص ونقاط إيجابية نستطيع أن نلمسها.

لا أقول أنّه في المدرسة النجفية لا يوجد مثل هذه النماذج، فمثلاًنموذج السيد محسن الحكيم يختلف في طابعه عن السيد الخوئي. والسيد اليزدي يختلف في طابعه عن مرحوم الآخوند. فالسيد اليزديضَمَّ إلى الصناعتين الأصولية والفقهية التتبع في علوم الحديث و

ولكن تبقى فوارق بين المدرستين؛ منها التحقيق في متن الحديث فيناحية الدلالة والقرائن والعلل، وهذا البعد ساهم فيه السيد البروجرديكثيرا، وله تأثير في الاستنباط. والغالب هو هذا الطابع، وهذا هوالفارق الأساسي الذي نستطيع أن نشخّصه.

هل يمكننا القول أن هذا الطابع، هو الطابع التحقيقي؟

نعم، أستطيع أن أضيف فارقاً آخر وهو أنّ المدرسة القمية ولاسيمابعد الثورة الإسلامية حريصة على مواكبة ومطالعة الأبواب الحديثة؛مثل الفقه السياسي أو الفقه المجتمعي والحياتي و وإن كان لدىالنجفيين مثل الشيخ حسين الحلي، والمرحوم الشهيد محمد باقرالصدر، والشيخ محمد رضا المظفر، والشيخ محسن كاشف الغطاءرحمهم الله هذا المنحى أيضاً.

والعلامة الطباطبائي أيضاً هو خريّج المدرسة النجفيّة، ولكنه أخذطابعاً متميزاً من أساتذته.

هل العلامة خريج المدرسة النجفيّة في الفقه والأصول؟

نعم، حتى في الفلسفة والعرفان هو خريج المدرسة النجفيّة، وهو خريجمحض لها.

تقصد أنه يمكن اعتبار الفلسفة والعرفان للمدرسة النجفيّة؟

نعم، ربما الكثير لا يعلم ولكن لا بأس أن أذكر أنّ السيد اليزديصاحب العروة ذو باع عجيب في الفلسفة والعقليات، وله هوامشعلى الأسفار، وتشهد حاشيته على المكاسب بتضلّعه في العقلياتبشكل واسع. وهو صاحب مدرسة معنوية، ومن ضمن تأليفاته ديوانفي العرفان باللغة الفارسية،

حتى الشيخ بهجترحمة الله عليه قال: التقيت مع تلميذ الجانبالمعنوي للسيد اليزدي.. وكان مليئا بالمقامات وكذا، والجانب الآخر مثلاالميرزا النائيني. فهورحمه الله معروف بالبعد الأصولي، ولكن نفسالميرزا النائيني أيضاً هو صاحب مدرسة معنوية خاصة، وتلميذه الآغاجمال الدين صاحب مدرسة معنوية أيضاً، فجانب المدرسة المعنويةكثيرٌ في النجف.

فلماذا عندما يعدد البعض ميزات حوزة النجف يعتبرونها ممحضة فيالفقه والأصول، ولا اعتناء لها في الجوانب الأخرى كالتاريخ والفلسفةوالتفسير؟

لا، هذا في الحقيقة غبنٌ لمدرسة النجف. ففي البُعد التاريخي: تخرجمن مدرسة النجف كل من السيد محسن شرف الدين، والشيخالأميني، والأردوبادي، والشيخ جعفر النقدي، والآغا بزرك الطهراني،والسيد محسن الأمين (صاحب كتاب أعيان الشيعة)، والسيد حسنالصدر (صاحب كتاب تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام)، ومدرسة سامرامدمجة مع مدرسة النجف.

وفي الأبعاد الأخرى الشيخ عبدالله المامقاني (صاحب تنقيح المقال)،والسيد الخوئي صاحب معجم الرجال، والميرزا حسين النوري،فمدرسة النجف فيها مدارس رجالية ودورات حديثية.

مدرسة النجف مدرسة متنوعة، غاية الأمر هو أن هناك طابعاَ فيمدرسة النجف لا يجعل من الفلسفة والعرفان وحي مُنزل، بل تتعاملمعهما كإنتاج بشري، ولا يميلون الى تهويل الفلسفة، وكأنّ كل حرففيها هو كتاب مسطور وورق منشور.

نعم في الآونة الأخيرة (فترة حكم النظام البعثي) بسبب شراسَة هجومالبعثيين على حوزة النجف، وتسفير كثير من طاقات وأعمدة النجفالأشرف، قَلّ جانب البحوث العقائدية والكلامية والتفسيرية، لكن الحمدلله عادت الآن بعد سقوط نظام الطاغية إلى البحوث العقلية والعقائديةوالتفسيرية.

وإن كانت ضعيفة، لأنها ليست مشهودة في أجواء الحوزة. لكنها آخذةفي الانتشار، ولكن كما أشرت، كانت الضربات البعثية لحوزة النجفشديدة، ولو تلقّتها أية حوزة اٌخرى لأُبيدت، ولكن بَقيت الحوزة النجفيّةصامدة بكيانها وجزورها لقوتها، وهي تتعافى من هذه الضربات شيئاًفشيئاً.

آية الله الشيخ محمد السند

تفضلتم أن التتبع والانتباه إلى العرف ميزة المدرسة القُميّة أكثر منالمدرسة النجفية، وأنّ المدرسة النجفية ممتازة في الصناعة الفقهيةوالأصولية، فهل هناك أثر لهذا الجانب على أعلام المدرستين فيالسلوك الاجتماعي أم لا؟

في الحقيقة الثورة الدستورية (المشروطة) في إيران أيضا فيهامشاركة من حوزة النجف، وبمشاركة الأخوند والنائيني و وهذا لايمكن أن نغفله، ولكن مشاركة حوزه قم في الحالات السياسية أكثرطابعاً من حوزة النجف، وهذا بسبب ظروف وعوامل مرت بها، ولكنهذا لا يعني عدم المشاركة،

من الأمثلة على ذلك:

ثورة العشرين التي أقامتها الحوزة العلمية في النجف وحوزة سامراء،والتَّصدّي للاحتلال حتى في البلدان الإسلامية عملا بفتوى السيداليزدي والآخوند الخراساني، كذلك مشاركة الشيخ محمد حسينكاشف الغطاء، والشيخ عبد الكريم الزنجاني.

ويقال أنّ للسيد عبد الحسين شرف الدينوهو خريج حوزة النجفسهماً وافراً في فتوى الشيخ شلتوت إذ تواصل مع الأزهر وأثّرَ فيموافقهم، كما كان للسيد البروجردي والسيد محسن الحكيم.

فدور حوزة النجف في هذا الجانب لا يمكن أن نغفل عنه في العالمالإسلامي أو في الجانب السياسي.

لكن خوض حوزة قم العلمية في مجال التبليغ والتوعية والتثقيفالاجتماعي ذا طابع متميّز يمكن أن نلمسهُ.

بعبارة أخرى، الظروف التي قاسَتها حوزه النجف ليست ظروف سهلة،بل هي شرسة وقاهرة، وبرغم من ذلك قامت بأدوار لا يستهان بها،مثلاً رحلة الشيخ عبد الكريم الزنجاني أخذت صداها في الشام وفيفلسطين وسوريا ومصر، ومن قبله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء،كذلك السيد حسين شرف الدين صَلّى في المسجد الحرام إمامجماعة؛ حيث أوكلت إليه عدة أيام.

فأستطيع أن أقول أنَّ وَقْعُ حوزة النجف في الطَّرف الآخر في العالمالإسلامي أكثر هيبة وقوة من حوزة قم الشريفة، وإن كان لحوزة قمجهود لا يستهان بها، لكن هذا واقع مملوس.

كما أستطيع أن أقول أنّ حوزة النجف بما لها من طابع ومميزات،وحوزة قم بما لها من طابع ومميزات، تتكاملان في الأدوار، وهذا هوالمطلوب أيضاً من حوزة كربلاء وحوزة مشهد، أو حوزة الكاظمية أوأصفهان، وحوزة جبل لبنان أو البحرين أو القطيف أو الأحساء وهَلُمّجرّا.

الحوزات الشيعية كلّما كثُرَت أصبحت مراكز نور تَشعّ أكثر وأكثر،مثلاً في القرن السادس أصبحتحلب عاصمة الحوزات الشيعية،بني زهرة وابن شهر آشوب الذي كان المرجع الأعلى وبني زهرة كانوايقطنون حلب، ومازالت قبورهم هناك.

فهذا يدلّ على أن الحوزات الشيعية كلما كثرت وتعددت تأخذ طابعامن الأدوار والمسؤوليات، وتكمّل بعضها البعض.

قبل صدام وفي الظروف العادية نرى نوعاً من العلاقة الثابتة والمستمرةبين الحوزات، ولكن حاول صدام بعد تسلمه الحكم حصر حوزة النجفوللأسف استطاع وحال دون توسعها إلى درجة كبيرة، برأيكم كيفنستطيع اليوم وبعد سقوط صدام والانفتاح الموجود، أن نصل إلىالمستوى المطلوب من العلاقات بين الحوزات؟

من الضروري توفير تسهيلات آلية بين الحوزتين. مثلاً ألححت علىبعض مؤسسات النشر في قم لافتتاح مركز في العراق للنشروالتواصل الثقافي، وإلى الآن لم يتم ذلك، ولا أدري سبب البطء

لو تسهل أيضا أمور أخذ التأشيرة، وبشكل خاص لطلبة النجف وطلبةقم من أجل الزيارة وغير ذلك من الإجراءات، فمثلا بدل أن تكون شهرلتكن ثلاثة أشهر أو سته أشهر وهذه الأمور تعبّد الطريق للتواصل.

واقترحت أيضا أن يكون هناك مبني مؤلف من شقق سكنية خاصةبطلبة قم أو طلبة مشهد في النجف الأشرف وفي كربلاء، وبالخصوصللعلماء الفضلاء الذين يريدون أن يقضوا موسماً علمياً معيناً، أويريدون متابعة تحقيقات علمية معينة مدة شهر أو أكثر. و كذلك لوتبني العتبة الحسينية أو العبّاسية أو العتبة العلوية في قم شققسكنية لاستضافة بعض الطلاب أو الشخصيات الدينية النجفية الذينيمكثون فيها شهرا أو شهرين.

أو مثلاً إحداث طريق بين قم أو تهران والنجف وكربلاء و.. لتنفيذ هذهالاقتراحات تأثير ثقافي وحوزوي وحضاري وعلمي و

هذه الآليات التسهيلية، وهذا التزاور والذهاب والإياب يسهّل عمليةالتلاقح والتفاعل بين المحققين والكتّاب والباحثين والمؤسسات، وهو الآنجاري نسبياً، لكن يمكن تعزيزه بشكل أكبر.

كثيراً ما قلت للإخوة المسؤولين في حوزة قم وغيرها: النجف باب لكم،لها موقع خاص في العالم الإسلامي وفي الأزهر، وحتى عند الوهابية،وجامع الزيتونة والقيروان وحتى في الغرب، وهذا بحكم وجود أميرالمؤمنينسلام الله عليهوبالمقابل حوزة قم بابها مفتوح لدول كثيرةكباكستان والهند وأفريقيا و، لو تمّ هذا التلاقح الفكري، سيخدمكلا الحوزتين وسيخدم المشروع الشيعي العالمي إن شاء الله بشكلكبير جداً.

بشكل خاص في أي مجال يجب أن تكون هذه العلاقات بين الحوزتين؟

التفاعل العلمي يجب أن يأخذ مساره الطبيعي، هناك ترشيد للأهدافوالمسارات. هذا صحيح، ولكن يجب أن يكون برحابة أفق حتى يُثمِرويُنمي ويولّد آفاق غير متصورة في الحسبان، هذا ليس بمعنى أنه لايكون هناك دراسة ودقّة في هذا الأمر والهدف، دائما يقولون أنّالطاقات الطبيعية بأفقها الواسع تنمو أكثر مما قد يورده عليها نظامضيق، هذا يشبه خصخصة مؤسسات الدولة، لماذا تذهب الدولة إلىالخصخصة، لأن النظام المحدد والضيّق يميت الطاقات.

وبعبارة أخرى؛ مسؤولية نشر نور أهل البيت في العالم كبيرة، ومنالعجيب أن بعض الجهات أو المؤسّسات في قم أو في النجف،تستعين بطرف ثالث ورابع و..، بينما التعاون بين الحوزتين يمهّدالطريق أسرع من الاستعانة بأطراف بعيدة أو أجنبية.

من باب المثال: حسب ما سمعت أنّ الوهابية منذ سقوط صدام أنشؤوابأنفسهم أو بالوكالة وبدون ترخيص رسمي مدينة صغيرة في بغدادتحتوي على مطبعة وحوزة ومستوصف وقاعة اجتماعات للفكرالوهابي، وسمعت أيضاً أنهم بنوا مكان آخر، والآن سمعت أنّهمأنشؤوا في شمال بغداد جامعة ضخمة جداً؛ فهم مشتغلون في كلّمكان بدل أن تشتغل النجف وقم.

أنا أتصور أن أفق التعاون والتفاعل كبير جداً، وهو آخذ في النشوءالحمد لله، ولكن ببطء شديد.

كما أن التنسيق بين الحوزات أمر ضروري لأننا اليوم وصلنا إلىمرحلة لا تستطيع الحدود الجغرافية أن تحول دون وصول المحسناتوالمشاكل، أقصد أن دور الحكومات تضاءل في إدارة المجتمع، فمثلاًمسألة الفرق المنحرفة الموجودة مثل أحمد حسن اليماني وأمثاله.. هميبدؤون عملهم من النجف لكنه لا يتوقف عليها بل يمتدّ إلى إيرانوغيرها. فدور الحوزتين بل الحوزات في مثل هذه المساءل مهم ولايمكنأن تقف في وجوه هذه المشاكل من دون التعاون فيما بينها.

وكما ذكرت لا توجد آلية مشتركة للنشر للأسف، لماذا لا تتواجد دورالنشر الموجودة في قم هنا في النجف؟ والعكس كذلك.

الحمد لله بدأت العتبة العباسية والحسينية الآن بالتواجد في قم ولديهامركز، التقاء العتبات الشريفة خطوة جيدة، وهو جسر للتواصل بينالعتبات لوجود الزوار والقوافل، ولكن يراد لهذا الأمر تسريع وتفعيلبشكل أكثر وأفضل، وكما ذكرت في مستهل حديثي، الآليات رغم أنالأنسان ينظر لها بصغر لكنها كبيرة التأثير، هي آليات ليست فكريةولكنها تؤثر في الفكر كثيرا.

كلّ ما تفضلتم به خارج نطاق الحوزة، أو أكثره خارج نطاق الحوزة. ما حصل للعتبات وغير ذلك، هذا لا تدير رحاه الحوزة، وإن كانللحوزة أثر، مثلاً محاولات السيد المصباح الذي أقام مُجمّع سكنيلغير العراقيين، لكن ماذا فعلت الحوزة؟ وبصراحة، هل ترى طرفين فيالحوزة؟ يعني هناك لحوزة قم مديرية لكن بمن يتمثل الطرف المقابلفي النجف؟

إدارة الحوزة في النجف موجودة، ولو أنها كانت عَبر بيوت المراجعوالجهات الأخرى كالمؤسسات والمدارس وغير ذلك، والتفاعل أيضاموجود ولكنّه بطيء، ولعل البطء لكي تكون الجسور مبنية على ركائزوطيدة، لذلك ليس حثّي على التعجيل في الخطوات بقدر ما هو تعجيلوحث على الآليات. لأنّ الآليات تُوجِدُ البيئة اللوجستية لتفاعل الفكربدراسة.

لو أردنا الحديث عن التطور والتقدم الحضاري المنتشر في العالم، ومايأتي به من جديد المسائل والمشاكل والمستجدات للعالم الاسلامي،وبشكل خاص للعالم الشيعي، كيف ترى مواجهة الحوزة لهذه المسألة؟هل استطعنا أن نواكب العصر في هذه المشاكل، وإذا نريد أن نواكببشكل أكثر وأفضل كيف يجب أن تكون الدراسات الحوزوية؟

هذا أمرٌ يتطلّب ركنين أساسين:

الركن الأوّل: قوة الدراسة الحوزوية، يجب أن تكون الدراسة الحوزويةالتقليدية (إذا استطعنا أن نفترضها تقليدية) قوية. والضعف أوالتزعزع في جانب من جوانبها أمرٌ خطيرٌ.

الركن الثاني: هو الاطلاع والانفتاح العلمي والثقافي للحوزات علىالبيئات الحديثة. لأن الإنسان يتأثر بقدر ما يطّلع سواء في جانبالفقه السياسي، أو الاجتماعي، أو الدولي وكذلك الاطلاع علىالمؤسسات الدولية الموجودة، ولغة القانون الموجودة، والتيارات الفكريةالبشرية.

لابدّ من الاطلاع ومن دراسة هذه الجوانب وتقييمها، فهذا الأمور فيجوانب عديدة تكون مواكبة للعلوم العصرية، لا أقول نتخصص فيها،لأن تخصصنا العلوم الدينية، لكن الاطلاع الثقافي أمر ضروري.

أنا أشبّه دائماً العلوم الحوزوية الأصيلة بالمواد الخام الطبيعية،والآليات الحديثة بتصنيع المصانع، فالمصانع بدون مواد خام لا تنتجشيئاً يذكر، والمواد الخام من دون تصنيع، لا تسَوَّق ولا تنتشر، فلابُدّمن تقوية البعدين وبنائهما بشكلٍ قوي، وأما إذا طغى أحدهما علىالآخر فسوف لن نحصل على النتيجة المطلوبة المرجوّة، يعني مثلاًأكدَمة الحوزة هذا جانب خطير، لكن أن يكون في الحوزة جانبأكاديمي فهذا أمر ضروري.

لعلماء النجف تجربة جيدة من سبعين سنة أو أكثر في هذا المجال،فهم جعلوا الكوفة أكاديمية محضة، وجعلوا الحوزة التقليدية فيالنجف القريبة إلى المرقد المقدسة لأمير المؤمنين(ع)، وجعلوا ما بينالكوفة والنجف على مراتب بين الحوزوية والأكاديمية، وأنا أرى هذاالتقسيم للأدوار ناجحاً في النجف.

هل تذكرون إنتاجات لهذه العلاقة الكوفية النجفية؟

نعم. مثلاً في الكوفة، الذين أسسوا الجامعة الأكاديمية الحكومية، همعلماء النجف، وهذه سياسة السيد محسن الحكيم وغيره من أعلامالنجف، يجب أن يتربّى من سيقود الدولة في أحضان يملأها الطابعالحوزوي، ومن هنا بادروا لتأسيس جامعات أكاديمية تتأثر من البيئة.

ما بين الكوفة والنجف منتدى النشر وأمثالها؛ كجامعة كلانتر، وكثيرمن الكليات الدينية التي هي بين الأكاديمية والحوزوية، بينما بقتالحوزة على تقليديتها في النجف.

على أيّة حال المقصود أن يكون اطّلاع طالب العلم على ثقافة العصر،ولا أقول تخصص كما أنّ مراجعة المادة اللغوية لازمة له، وما أرسلنامن رسول إلى بلسان قومه، اللسان ليس هو القومية بل هو الثقافةوحامل للثقافة.

هناك من يقول نحن لا نرفض المنهج التقليدي للحوزة، لكنّنا نحتاج إلىتحديث، فبهذا الأسلوب الاحتياطي أو البراءي الموجود في الحوزة لانستطيع مواكبة العصر، فنحن اليوم دخلنا ساحة إدارة الحكومة فيإيران، أو هناك حضور واسع للحوزة في الحكم في العراق أو البلدانالأخرى، وكذلك العلاقات الدولية، فهل يمكن للأسلوب التقليدي الموجودأن يواكب هذه الاجتماعيات من دون أي تحديث؟

ومن قال بالانحصار في الأسلوب التقليدي؟! لنضم الأسلوبالأكاديمي إلى التقليدي بدون أن تغلب الأسلوب الأكاديمي علىالتقليدي والتقليدي على الأكاديمي مما يؤدي إلى عدم محافظةالتقليدي على تقليديته وعدم قدرة الأكاديمي على أن يؤدي دوره.

أنا أقول أنّ تجربة النجف رائدة في هذا الأمر، إذ جعلوا الأسلوبالأكاديمي في الكوفة والتقليدي في النجف، وما بين الكوفة والنجفأنشؤوا عدة كليات مزجة بين الأسلوبين. فالخيارات الثلاثة موجودة، منيريد التقليدي يجده، ومن يريد الأكاديمي يجده أيضاً، وليس التقليديغير مطّلع وغير منفتح على القسمين، كما أن الأكاديمي المحض ليسغير مطلع على القسمين، وكذلك الوسطي جغرافياً أو مزجياً مطلع علىكلا الطرفين.

فهذا مثل الفيزياء والكيمياء والطب والهندسة. يمكن المزج بينهما مثلاًونقول هندسة الطب أو طب الهندسة، ولكن تبقى التخصصات علىحالها.

مع الأسف الشديد توجد الآن ظاهرة خطيرة جداً كعدوى، وهي عدمالقوة في دراسة المقدمات في الحوزات العلمية في النجف وقم، أتذكرأن كتابالمطول كان يدرس في زماننا ثلاثين مرة! أين هو الآن فيالحوزة؟ هذه شكاية لكلتا الحوزتين. كان الأستاذ يدرّس مغني اللبيبأربعين مرة! مغني اللبيب في الجامعات الأكاديمية يدرّس لمرحلةالدكتوراه، بينما في الحوزة هو من دروس المقدمات.

أقول بصراحة: إن هذا التضعضع في بُنَى الحوزة مؤشر خطيرٌ جداً،أنا لا أقرأ آية اليأس، توجد والحمد لله نقاط إيجابية قوية في الحوزة،لكن عدم المحافظة على علم الصرف وعلم البلاغة وعلم النحو وحتىالفقه والأصول مؤشر خطيرٌ للحوزة.

لدينا كتب التراث، اذا أعطيت الطالب سندويش، لا يستطيع أن يقرأعبارة الرياض وعبارة الجواهر ولا عبارة المسالك لأنّه انقطع عن تراثهالديني، التراث الذي حافظ عليها كل هذه الأجيال، طوال عشرة قرونفي الأصول وفي الفقه وفي التفسير و فنحن ضيعنا المشيتين أوالمشربين التقليدي والأكاديمي.

أنا لا أقول الأسلوب الأكاديمي ليس ضرورياً، بل هو ضروري، لكنبإتقان وقوة، بدون أن يمزج بشكل هشّ في الأسلوب التقليدي.

على كل، هناك مؤشرٌ خطر، ولا سيما في المقدمات وهو أن العلومالمقدمية في الاستنباط آخذة في الضعف، وهذا خطير جداً.

أتذكر أنّي التقيت بآية الله الشيخ آقا رضا المدني(6) – رحمة الله عليهقال لي: قبل أن أكتب الرسالة العملية، أحسست بأنّه يجب أن أُدرّسالمغني. فدَرَست المغني كله (ثمانية أبواب، وليس الباب الأول والرابعفقط)، ثمّ درّسته للطلاب مرة أخرى وبعد ذلك عندما أخذت في كتابةفقه الحدود وفقه القصاص وفقه الحج، أحسست بأن قوّتيالاستنباطية أصبحت أضعاف ما كانت عليه.

أيضا الشهيد الثاني صاحب شرح اللّمعة الدمشقية والذي يعتبر رمزعلمي عظيم يقول في كتابه مُنية المريد : لما بلغت الاجتهاد، وجدت أنّيضعيف في علوم النحو والصرف والاشتقاق و.. فعاودت دراستها بينيوبين نفسي حتى أصبحت قويا فيها.

فهذه العلوم وغيرها كعلوم الفلك والرياضيات وشي من الطّب كانيدرس في الحوزات العلمية.

الإمام الخميني والشهيد الصدر، هما حوزويان وليسا أكاديميان،لكنّهما ينادون بنوع من التحديث في الحوزة. الإمام أتى بمسألة ولايةالفقيه بهذا الشكل الجديد، ويقول: يجب أن يبقي فقه الجواهري، لكنيجب أن يتطور ويجيب عن المسائل الجديدة، وكذلك الشهيد الصدرألّف اقتصادنا ومنطقه الفراغ و.. فهما جاءا بآليات جديدة في الفقهوعملا على تحديثه من دون نفي المسألة الأكاديمية. سؤالي: هل هذاالفقه الموجود بهذا الشكل يكفي لحضورنا في المجتمع بهذا الشكلالواسع؟

عندما نقول يجب المحافظة على الفقه التقليدي لا نقصد نفي وجودالفقه الأكاديمي أو السياسي أو الدولي المعاصر، لكن مثل هذا الفقهيشبه ما قام به أتاتورك في تركية! ماذا صنع أتاتورك في تركية؟ لقدقطع الشعب التركي عن تراثه الإسلامي بالاستعانة باللغة، أنا لا أقولبعدم الانفتاح على شيء، بل لننفتح ولكن بدون أن نضيع التراث،وجدت أحد المجتهدين وكان نابغة، يقول: الجواهر صعب عليّ! وهذامنعني أن أغوص في علم الاجتهاد، مع أنه كان متخصصا في علممن العلوم الحوزوية الكبيرة.

إذا كان كتاب الجواهر يصعب عليه وهو من جيل خمسين سنة ماضية،فالإخوة الذين يدرسون الفقه التسهيلي والفقه السندويشي اليوم! بالتأكيد لا يمكنهم فهمالجواهر ولامجمع الفائدة للمقدسالأردبيلي، ولاالمبسوط و.. بل يصعب عليهم، وكأنما جدار حاجزٌأمامهم يحول دون فهمه، لذا الانقطاع عن تراث عشرة قرون في علومدينية عديدة آفة خطير جداً!

هناك من المجتهدين المعاصرين والذين يدرّسون الفقه والأصول، منيقول يصعب علينا كتاب الجواهر، فهؤلاء أوتاد في الحوزة يقولونيصعب علينا الجواهر، فكيف بالجيل الذي لا يهتم بالتراث، ولايستطيع أن يقرأ الجواهر! والدليل هو أنهم درسوا عند أستاذ لا يهتمبالجواهر.

بصراحة أقول؛ قليل من أساتذة بحث الخارج يراجع الجواهر أومستند الشيعة للنراقي، أو الرياض أو مفتاح الكرامة أو يراجعمصادر المبسوط و.. والحال أن هذا التراث فيه مواد غنية، وجدت فتوىلدى كثير من المعاصرين؛ حول: مَن زَنا بامرأة ذات بعل تحرم عليهمؤبداً. قالوا لا يوجد دليلٌ على ذلك، بينما الدليل موجود في كتاب ابنبرّاج وكذلك في المبسوط! عدم المراجعة لهذا التراث يغَيب أحكاماًشرعية.

أنا لا أقول عندما نأخذ التقليدي ينعدم الأكاديمي في الحوزة! لاالحوزة الأكاديمية موجودة والحوزة التقليدية أيضاً.

ولا نقول بعدم وجود الحوزوي السياسيء والحوزوي الثقافي أوالبارلماني و بل لتكن موجودة، لكن عدم وجود الحوزوي التقليديخطأ، التفاعل داخل الحوزة سيكون أكثر من التفاعل بين الحوزةوخارج الحوزة.

الآن لو يعطى أيّ طالب عبارة من كتابالمطوّل أوالمغني أوشرح النظّام و لا يستطيع أن يفهمها. كل هذه الأمور نحندرسناها بكدّ وجهد وبتوصية من الكبار، الآن بعض النكات العلميةالتي نشرحها وفق تلك القواعد لا يفهمها الإخوة الحضور، ويجب أنأوّضح لهم مقدمة الأمر ومقدمة مقدمة الأمر ومقدمة مقدمة المقدمة كييفهمون المطلب! العلوم الدينية في الدرجة الأولى علومٌ نقليةٌ وعقلية،والنقل يحتاج إلى اللّغة وعلوم أخرى، علم القانون أيضاً يرتبط بالنقلكما يرتبط بالعقل.

أحد مخاوف الكتابات الحديثة أنها تُغيب اللّغة الموجودة في تراث الفقهوتراث التفسير وتراث الأصول. أنا قرأت الهرمونتيك واطلعتُ عليهبجذارة، وعقدت فيها عدة ندوات وسلسلة بحوث ولكن لن تأتي بشيء.

بل باعتراف الكثيرين، حتى بعض الحوزويين الذين درسوا فيالسوربون، نقلوا أن السوربون يعترف بأن قدرة الفكر الأصولي عندالشيعة الإثنا عشرية الإمامية أكثر من مدارسهم اللسانية. فإنمدارسهم اللّسانية تقتات ما في السُّفرة الأصولية الإمامية، حتى أنيوجدت تصريحاً لكثير من علماء الجمهور يعترفون بعلم الأصول والفكرالأصولي الشيعي.

وعند استقبالي لمستشرقتين هنا في النجف، اعترفتا بأن الفكر العقليعند الحوزة الشيعية الإثنا عشرية يقل نظيره في العالم، نحن نخسرهذه القوة بهذه الدراسة التسهيلية السندويشية الخطرة.

أنا أقول لكلٍّ دوره، واحد يكون إمام طائفة، وواحد إمام مسجد وآخريكون العلامة الطباطبائي أو الشهيد الصدر أو المطهري، أو السيدالبروجردي أو السيد الخميني، لابد من النوابغ، ولا يمكن أن يكونالجميع بمستوى واحد.

هذا لا يعني ألا تكون للحوزة يد سياسية، يد أكاديمية، يد في علومالحديث، هذا ضروري داخل الحوزة، لكن لا أقول أن تكون كل الحوزةهكذا مثلا تارة مدرس قوي في الفقه، مدرس قوي في الأصول، مدرسقوي في اللغة، مدرس قوي في الرجال وفي علم الحديث، أي عليّ أنأعطي كل واحد دوره، لا أن نُغيّب علم الحديث فترة بسبب ضعفنا فيالفقه، هذا خطأ، أو نغيّب علم الرجال لآننا في علم التفسير ضعفاء،هذا خطأ. كل خندق و كل نافذة يجب أن يلاحظ ويُرى بعين متطلّعة.

كان كثير من أساتذتيرحمة الله عليهمإذا شاهدوا أحد العلماء لمينكب فقط على الفقه والأصول وانكبّ على علم الحديث أو على علمغيرهما يحترمونه وكأنه مرجع من المراجع الكبار، لأنّ هذا يحافظ علىخندق تركه الجميع، يقوم بمسؤولية ويتفرد بها.

ولو لم يكن في الفقه والأصول؟

نعم، لا في الفقه ولا في الأصول مثلا الآغا بزرك مع هذا الجبلالمشيد، أو مثلا ميرزا النوري تذكر عنهم أمور كان المفروض دعمهمأكثر، هؤلاء في الحقيقة مرابطين على ثغور لا أحد يقوم بها، مثلاالذريعة للأغا بزرك لو تسأل الكثيرين في الحوزة من ذوي المستوى ماهي الذريعة؟ هل الذريعة هي موسوعة واحدة؟ الذريعة موسوعات،وكتب لكن لا أحد يعلم بها. فالمقصود أنّ الأدوار تتعدد، وهو شيء مهمجدا.

 

الهوامش

1- المرجع المرحوم السيد محمد الحسيني الروحاني  صاحب منتقىالأُصول

2- المرجع الديني آية الله السيد محمد رضا الكلبايكاني من أعمالهافاضة العوائد

3- العلامة السيد علي الفاني الإصفهاني قدس سره من آثاره تحفةالجواهر وبيان الخيانة (ردّاً على أحمد الأمين المصري وإتّهاماته علىالشيعة)

4- الفيلسوف والعارف بالله الشيخ يحيي الأنصاري الشيرازيالمعروف في ايران بشیخ الا‌شراق توفي في ربیع‌الاول ۱۴۳۶هـ قبمدينة قم.

5- الشيخ ميرزا هاشم بن محمّد الآملي من مؤلفاتهبدائع الأفكار(تقرير درس أُستاذه الشيخ العراقي في الأُصول) تُوفّي(قدس سره) في الرابع من شهر رمضان 1413 بقم المقدّسة.

6- آية الله الشيخ رضا بن عبد الرسول المدني الكاشاني. من مؤلفاتهبراهين الجج للفقهاء والحجج (4 مجلدات). تُوفّي(قدس سره) فيالرابع والعشرين من ذي الحجّة 1412 بمدينة كاشان.