الآيات الأنفسية

183

الآيات الأنفسية

بقلم: السيد صلاح الحسيني                                  

على الرغم من ان التقدم العلمي والاكتشافات الحديثة أصبحت أكثر وضوحاً في دعم الإيمان والدين، وأن المتدينين أصبحوا يتناقلون الأبحاث العلمية التي يكتشفها العلم في كل ساعة، رافعين الستار عن روعة هذا الكون ودقته ونظامه وحكمته، إلى درجة ان أصبح الحديث فيها عن نشوء الجمال والكمال عبر العشوائية والصدفة العمياء كلاماً مضحكاً يستبعده العقل السليم وتنفر منه الفطرة السويّة.

فهذه الآيات الآفاقية التي تُكتشف كل يوم، والتي تدعم التدين، وما تزال تزيد المؤمنين إيمانا وتربك الملحدين واللادينيين.

على الرغم من وجود وانتشار تلك (الآيات الآفاقية)، إلا أن هنالك آيات من نوع آخر يكشفها العلم الحديث يومياً، آيات لا يكون التركيز عليها كبيراً مع الأسف، مع أنها تشكل الضربة القاضية للإلحاد والملحدين، وهي (الآيات الأنفسية).

فلقد استوقفني قبل فترة خبر عن منظمة الصحّة العالمية، وهي منظمة صحيّة لا علاقة لها بالدين، يقول: (إن الصلاة سلاح فعّال لمعالجة الأمراض)!!

وهنا تذكرت ما يردده الشيوعيون من أن: (الدين أفيون الشعوب)!!

فهذا العلم الحديث، الذي ينادي به الشيوعيون والملاحدة والعلمانيون بصورة عامة، العلم الذي جعلوه بديلا عن الدين السماوي، العلم الذي جعلوه إلهاً للإنسانية ومفتاحاً لسعادتهاً، يأتي اليوم بما لا تشتهي سفنهم!! بل صار يقلب عليهم الطاولات ويقول أمامهم وبلسان فصيح: إن الدين ليس أفيوناً للشعوب، بل هو علاج فعّال للشعوب!

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تتوالى الاكتشافات الأنفسية، ولنأخذ الآن جولة في عدد بسيط من الدراسات والإحصاءات الموثقة التي تشكل بحق آيات أنفسية دالة على الحق سبحانه.

ففي دراسة حديثة نشرها موقع (imes of india) عام (٢٠١٣م)، لمجموعة من الباحثين في مستشفى ماكلين، أعلنوا فيها (أن الإيمان بالله يساعد بشكل ملحوظ على تحسين نتائج العلاج للمرضى النفسيين)!! وتفاصيل الدراسة ونتائجها جديرة بالاهتمام.

وفي دراسة أخرى قال فيها عالم النفس الأمريكي وليم جيمس: (إن أعظم علاج للقلق والشك هو الإيمان)!!

وهذا يذكرنا بقول الله جلّ وعلا: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}

أما البحث العلمي المثير جداً، والذي أجرته كلية الطب في جامعة بنسلفانيا، بواسطة فريق علمي يرأسه الدكتور اندرو نيوبيرج أستاذ علم الأشعة، فقد كان حقاً بحثاً علمياً مدهشاً خلاصته: (ان الإيمان بالله تصميم داخلي داخل المخ)!!!

فبعد أن استخدموا تقنية جديدة للأشعة السينية، وجدوا ان هناك مراكز في المخ خاصة بالإيمان، أسموها (مراكز الإيمان)، تنشط عبر ممارسة العبادة، وتعمل على ارتخاء الإنسان وتخليصه من مشاعر الخوف والقلق والاكتئاب، أي أن الإيمان والتدين مركوز داخل أجسامنا وبعمق رغما عنّا, وفي هذا يقول الدكتور اندرو: (إن الإنسان موجّه بقوة نحو التدين)، ويقول أيضاً: (المخ البشري ليس معدّ تشريحياً ووظيفياً فحسب للإيمان بالله وعبادته، وإنما هو أيضا مهئٌ عند قيامه بوظيفة العبادة لحفظ سلامة النفس والبدن بتوجيه العمليات الحيوية خلال منظومة عصبية وهرمونية متشابكة).

ولهذا نجد عبارة مشابهة لنتائج هذه الجامعة العلمية يطرحها المؤلف ديان همر، ويجعلها عنوانا لكتابه: (الإيمان بالله مغروس بقوة داخل جيناتنا).

وهذا ما يذكرنا بقوله تبارك وتعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}

ووفق الدراسات العلمية الحديثة قال أحد المتخصصين إن (٥٠٠) من أصل (٧٠٠) من البحوث التي أجريت عام (٢٠٠٠م) تظهر ان هناك علاقة بين الدين والصحة النفسية، وقد أثبتت (٦٠) من أصل (٩٣) تجربة، ان الذين يتحلون بمستوى عال من التدين هم اقل عرضة للاكتئاب، وأن الذين يتعرضون له يشفون في مدة اقل، وأثبتت الدراسة أن (٥٧) من أصل (٦٨) تجربة أن هؤلاء أقل محاولة للانتحار، وان (٩٨) من أصل (١٢٠) يتعاطون المخدرات أقل من غيرهم.

وهنالك إحصائيات وتفاصيل أكثر, علماً أن هذه المعطيات والبحوث تم أجراؤها في مجتمعات غربية والتي من المفروض ان تكون اقل تديناً من غيرها.

وفي كندا أظهرت البحوث التي أجريت على (٣٧) ألف شخص، انه كلما زاد التدين قل العثور على الاضطرابات النفسية وحالات الجنون والاكتئاب والفوبيا الاجتماعية، وان للتدين موقعاً مهماً في تفسير الإنسان للحياة ومقاومة تبعات الحياة اليومية وتحمل هموم الحياة وشدائدها، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان الاكتئاب يأتي على رأس قائمة الأمراض التي تهدد الإنسان في هذا العصر، فقد تأثر به حوالي مائة مليون إنسان.

أما لو تحدثنا عن ظاهرة الانتحار، فسوف نجد أن الأرقام مرعبة، إذ ينتحر سنويا في العالم (٨٠٠) ألف إنسان، يعني أكثر من ثلاثة أرباع المليون إنسان سنويا!!!

ووفق الدراسات العلمية في الدول الغربية، وجدوا ان نسبة الانتحار عند الذين لا يذهبون إلى دور العبادة تزيد بأربعة أضعاف عن الذين يذهبون إليها بانتظام، وأثبتت الدراسات التي أجريت على (٢٥) دولة ان هنالك تناسباً عكسياً بين التدين والانتحار.

وما جاء في هذا المقال، يمثل جولة سريعة ومختصرة في البحوث النفسية، وهي في الواقع تشكل إحراجا كبيراً للملحدين والعلمانيين الداعين للابتعاد عن الدين بحجة أنه يعيق تقدم الإنسان ويُسبّب التعصب والدمار.

قال ربنا سبحانه وتعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}