كيف نتعامل مع موجة الإلحاد

185

كيف نتعامل مع موجة الإلحاد

بقلم: الشيخ أحمد جعفر الفاطمي

    لو سلّمنا بوجود (ملحدين) في واقعنا، فأمرهم لا يخلو من أربع فئات، كما يلي:

    الأولى: من اعتنق الإلحاد فكراً وأيديولوجيةً، و‏اقتنعوا بها، وسيطرت على قلوبهم وعقولهم، لما فيها من أدلة حقيقية ومسلّمات كونية، تجيب عن أسئلتهم وتحقق لهم الوصول لحقيقة هذا الكون وما فيه، أدّت بهم إلى تبنّي هذا الفكر والسير على نهجه، وهؤلاء نقسّمهم إلى قسمين كما سيأتي.

    الثانية: الذين تأثروا بالموضة، ولبسوا الإلحاد ثوباً.

فالمجتمعات العربية تعيش في هذه الفترة موضة الدعوة للتمدن والمدنية، وموجة الإلحاد ومخالفة الإيمان ومعاكسة الغيب، وهذا يشبه إلى حدٍّ ما التأثر الكبير الذي حصل للشباب في منتصف القرن العشرين أثناء موضة الفكر الشيوعي، أو موضة الفكر القومي، وغيرها من الموضات التي لا ولن تنتهي.

    الفئة الثالثة: وهم الذين وجدوا في هذه الفكرة “فكرة الإلحاد” ما يحقق رغباتهم ونزعاتهم ونزواتهم وشهواتهم، في الانفلات من كل التزامٍ اجتماعيٍ ‏أو قَبَليٍ أو ديني وغيره.

    فلكي يحققوا أغراضهم الشهوية ونزواتهم الذاتية، تلبسوا بهذا اللباس، لكي يستساغ لهم عمل كل شيء يريدونه، بلا قيود ومحددات، فإذا اعُترض عليهم قالوا: (إنما نحن ملحدون)، وقد شاهدتُ أحد هؤلاء (الملحدين) في مقابلة تلفزيونية بمصر، ارتدّ فيها عن الإسلام والتحق بالفرقة البهائية، وكان السبب هو ان غسل الجنابة يمثل تقييداً لحياته، فهو يحتاج إلى دين لا يقيد حياته بهذه التقييدات، فوجد ما يريد في البهائية!

    الفئة الرابعة: وهم الهمج الرعاع، ‏الذين ينعقون مع كل ناعق، ويتبعون كل داعٍ، وما أتباع (جند السماء) في النجف، أو أتباع احمد كَاطع في البصرة، أو أتباع اليماني الذي قتله الأمريكان قرب منطقة السهلة في سنة (2005م) ، إلا نماذج من هؤلاء.

    فعلينا إذن، أن نعمل على الفئة الأولى فقط وفقط؛ لأنهم الوحيدون الذين يمكن النقاش أو الكلام معهم؛ لأنهم معتنقو فكر وليسوا جهّالاً، وما أكثر الروايات المستفيضة في التحذير من محاورة الجاهلين ومجادلتهم.

    ويكون المنهج قائماً على استعراض فكرهم الذي اعتنقوه، ثم محاولة تفكيك ما في أذهانهم من تساؤلات أو إشكاليات، والرد عليها ‏عقلياً أو وجدانياً أو فطرياً أو علمياً، وبحسب طبيعة الإشكال.

    وهؤلاء” أي أصحاب الفئة الأولى” ينقسمون إلى قسمين:

    الأول: الأشخاص الباحثون فعلاً عن الحقيقة، والذين إذا سمعوا الأدلة والحجج اتبعوها مستسلمين وانقادوا لها شاكرين. وكم رأينا من أمثال هؤلاء في الشرق والغرب، ومنهم الفيلسوف الفرنسي الشيوعي الشهير روجيه غارودي، الذي أسلم بنفسه وتخلى عن إلحاده بعد أن وقع بيده كتاب المفكر الفيلسوف السيد محمد باقر الصدر (قد).

    الثاني: المعاندون والمستكبرون، الذين لا يرون إلا أنفسهم، ولا يقنعهم شيء، وهؤلاء لا يكون في الكلام معهم فائدة، ويكون حال المتكلم معهم كطالبٍ في الماء جذوة نارِ.

أما الفئات الثانية والثالثة والرابعة “التي تقدمت” فإن الكلام معهم سيكون على نحو النافلة لا على نحو الفرض؛ لأنهم ليسوا أتباع فكرٍ كما بيناً سابقاً، وقد يرجع الكثير منهم إلى رشده إذا جاءت موضة جديدة، أو تحققت رغباته وشهواته ووصل حدّ العجز أو التخمة، أو إذا نعق ناعقٌ بدعوى جديدة.

وفي الختام أقول:

    من الجميل جدا أن يغار الإنسان على دينه ومجتمعه فينتفض ضد كل طارئ، فيدرسه ويحيط به، ويعدّ له ما استطاع من قوة، ولكن ينبغي أن يكون ذلك بعيداً عن تسليم رقبته للآخر وتركه يستغله في نشر ذلك الفكر الطارئ، فيكون قد خدمه من حيث لا يشعر.

لذا ينبغي لنا تقصي وجود هذه الكذبة، كذبة انتشار الإلحاد بين شبابناً، ودراسة أسس الملحدين الفكرية، ثم الكلام مع منظريه ومتبني فكرته، بعيداً عن إدخال عامة الناس “وعلى الأخص الشباب الخاوي فكريا والمندفع غريزيا اليوم” ثم ضرب أسس الإلحاد، وتقديم البديل الأصلح، وبذلك نكون قد انتهجنا نهج القرآن الكريم، الذي نقد الفكر الشركي، ثم قدم البديل الصالح، بدون أن يكون واسطة لنشر ذلك الفكر المنحرف.

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ٦٤ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ٦٥ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ٦٦﴾. صدق الله العلي العظيم