المنهج أو المفردات؟

217

المنهج أو المفردات؟

للكاتب: الشيخ مازن المطوري

 

يعرف المطلعون على علم نظرية المعرفة وعلم المناهج أن تنقيح المنهج وبناء القواعد الكلّية والكبريات يأتي في مرحلة متقدّمة على الصغريات والفرعيات، بمعنى أن أي باحث لا يمكنه أن يتناول مفردة من المفردات أو مسألة من مسائل أي علم من العلوم ما لم يكن في المرحلة السابقة قد توفّر على الكبريات الكلّية وحدّد المنهج المتّبع في البحث وآمن بمجموعة من المباني التي يستطيع في ضوئها أن يتخذ موقفاً نظرياً من التفاصيل في كل مسألة، فالباحث في الشأن التاريخي مثلاً لا يمكنه من الناحية الموضوعية والمنهجية العلمية أن يتناول قضية تاريخية بالإثبات أو النفي ما لم يحدد مسبقاً منهجه في دراسة التاريخ، ويحدّد كذلك وسائل الإثبات التاريخي التي يعتمدها في إثبات رواية أو رفضها، وما لم يحدد طبيعة الوسائل والمنهج في قيمتها وصحتها فإن تناول الجزئيات نفياً أو إثباتاً يمثّل إرباكاً منهجياً، وفتحاً لباب الجدل الذي لا يقف عند حدّ معيّن.

على أساس ذلك فإن تحديد المنهج وبيان المباني والنظريات المعتمدة في البحث يمثّل الموقف العلمي الصحيح والمنهجي، فالمنهج قبل البحث، والكبريات الكلّية قبل الصغريات، ومع إغفال هذه القضية فإن ذلك ينتج لنا في أقل التقادير نتيجتين:

الأولى: الدخول في جدل مستدام لا ينتهي ولا يقف عند حدّ معيّن، وذلك عبر تحميل الخصم الفكري ملازمات لا يؤمن بها، بسبب عدم وجود قاعدة مشتركة يحتكمان إليها. وهذا بدوره ينتج تشويه المعرفة وإرباك طريق الوصول إلى الحقيقة.

الثانية: تحويل النقاش من (بنائي) إلى (مبنائي)، وواضح جداً عند المشتغلين بالمعرفة، المعرفة المنتجة، أن النقاش والإشكال المبنائي لا قيمة له، فمن السهولة بمكان حينئذ أن يقال إن هذا الإشكال ناشيء من الالتزام والأخذ بنظرية ومبنى معيّن ونحن لا نلتزم به، فلا يكون الإشكال متوجّهاً إلينا، ولا يكون إشكالاً حقيقياً جديراً بالجواب.

وإنما يكون الإشكال جديراً بالجواب والدراسة والبحث حين يكون بنائياً، أي هو ذلك الإشكال الذي يبرز خللاً في المبنى والنظرية نفسها من خلال بيان عجزها عن التفسير والشمول والاستيعاب لكافة مسائلها ومفرداتها وظواهرها، فهو إشكال من سنخ أن يقال فيه: إننا إذا التزمنا بهذا المبنى وبهذه النظرية فإن ذلك ينتج أموراً لا يمكن الأخذ بها والالتزام بها، فالإشكال البنائي إشكال يبرز تهافتاً داخليّاً في النظرية والمبنى، ويؤشّر على عجز في المنهج، بنحو لا يلتزم به صاحبه، فيكون مضطراً إلى الجواب عنه ودفعه حتى يحافظ على سلامة مبناه ونظريته من النقص والخلل.

وهذا المعنى لا يختص بعلم دون آخر، وإنما يجري في كافة العلوم كالتاريخ والفقه والفلسفة وغيرها، ولا بأس من الإشارة هنا إلى مصداق لهذا الحديث، فقد سبق واطّلعت على محاولة كتبها بعضهم حاول فيها جمع كافة الروايات والأخبار الواردة في كتاب الحكمة المتعالية للفيلسوف صدر الدين الشيرازي، ثم قام بتقييم كل خبر ورواية منها بأنها إما مرسلة أو ضعيفة سنداً لجهالة راوٍ فيها أو ثبوت ضعفه أو كون الرواية وردت في غير كتب الحديث الشيعية، وفي الواقع فإن هذه المحاولة تعبّر عن خلل منهجي وعن إرباك معرفي لا معنى له، وذلك لأن صاحب المحاولة وانطلاقاً من مباني يؤمن بها في علمي الحديث والرجال حاول إلزام صدر الدين الشيرازي بنتائجها، وكأن الشيرازي يؤمن بتلك المباني والنظريات، وقد كان المفترض بهذا الكاتب أن يعرف أولاً طبيعة مباني ونظريات الشيرازي في قبول الأخبار ومقاييسه في ذلك، والمسألة كما هو واضح معركة للآراء المختلفة، كما ولا بد له أن يعرف ثانياً طبيعة عمل وغاية وهدف الشيرازي في إدراج وإيراد تلك الروايات والأخبار في كتاب الأسفار الأربعة، وأنه هل كان في مقام إثبات صحة نسبة تلك الروايات والأخبار إلى الدين والشريعة أو كان في مقام بيان أن المطالب التي يتم إثباتها عقلياً وفق أدوات الفلسفة لا تتعارض مع هذه النصوص والأخبار تعارضاً مستقراً لا يمكن الخروج عنه بمعالجة، بصرف النظر عن ثبوتها من عدمه، وكان الحري بالكاتب ثالثاً أن يعرف أن البناء الفلسفي في كتاب الحكمة المتعالية لن تأثّر قيد أنملة عبر الحكم بالضعف والإرسال على تلكم الروايات والأخبار، بل لو قمنا بحذفها من كتاب الأسفار لما تأثّرت مباني صدرا الشيرازي؛ لأن الشيرازي على مستوى المنهج الفلسفي لا يرى في الروايات – وإن كانت صحيحة وفق مقاييس المدارس المتشدّدة في قبول الأخبار- دليلاً جديراً بالاعتبار في مباحث الفلسفة والوجود، ولا ترقى إلى أن تكون برهاناً.

وهكذا فمثل هذه المحاولات والأعمال غير المنهجية تنتشر بكثرة، فنجد بعضهم يتلقّف الأحاديث والروايات ويحاول أن يستدل بها، وأن يثبت من خلالها غاياته وأهدافه، من دون أو يتناول قضايا التاريخ نفياً وإثباتاً، ويريد أن يلزم الآخرين بمحاولاته، من دون أن يوضّح لنا في المرتبة السابقة طبيعة مبانيه ونظرياته ووسائله في قبول الأخبار وردّها وفي دراسة التاريخ.