دور التدين الشكلي في تهديم قواعد الدولة العادلة

201

دور التدين الشكلي في تهديم قواعد الدولة العادلة

علي جميل الموزاني

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين

يتولد اليوم لدى الاوساط الثقافية والمهتمة بدراسة الجوانب الدينية, مصطلح جديد يُعبر عنه بالتديّن الشكلي, وهو ان يهتم الانسان بالقضايا الدينية الصورية ولا يهتم للجوانب الفعلية والروحية منه, وهذا النوع من التدين ليس بجديد على الثقافة الاسلامية وقد بينته الآيات القرآنية في عدة مواضع وتحت مسميات متنوعة منها قولهُ تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) البقرة14, وهذا الشكل من التدين يكون على مستويين:

المستوى الاول: التدين بما هو فعل فردي, وماهي الفائدة منه للفرد نفسه في الدنيا والاخرى, والنتيجة واضحة بانه سوف يخسر الدنيا و(ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) الحج11, لان عمله الشكلي سوف يكون عبارة عن رياء وسمعة ومن دون قصد التقرب الفعلي من الله تعالى, قال تعالى (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) الحج37, وقال أيضاً (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) المائدة27, وقال تعالى (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) الزمر60, وهذا شيء واضح.

المستوى الثاني: ونتكلم فيه عن التدين الشكلي فيما لو أصبح ظاهرة تسود المجتمع فإلى أين سوف يقودنا وماهي أسبابه وكيفية الخلاص منه.

وأولاً نقول: لقد حاول الاسلام طرح فكرة دولة العدل الالهي, بل حتى المجتمع الانساني الباحث عن الكمال والامن والاطمئنان حاول أيضاً ان يتبنى فكرة الدولة العادلة, ولكن الذي يمنع من قيام هذه الدولة المباركة عدة موانع من ابرزها هي:

أولاً: العوامل والتحديات الخارجية التي تواجهها الامم على مر العصور والدهور قال تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) البقرة120, وقال تعالى (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) التوبة8.

ثانياً: إشاعة حالة العصيان والتمادي وكفران النعم الالهية قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) سورة النحل آية112, وقال تعالى (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ) البقرة 61, وقال تعالى (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) البقرة آية59.

ثالثاً: ظاهرة التدين الشكلي وهذه الظاهرة أخطر من الظاهرتين السابقتين, لان فيها خلط للمفاهيم وتضييعاً للقيم وتعطيلاً للحدود, والتدين يختلف عن الدين, فالدين عبارة عن اوامر ونواهي ومفاهيم وقيم إلهية ثابتة, واما التدين فهو محصلة عوامل  نفسية واجتماعية وتربوية وكسب بشري متغير بحسب قدرة الفرد على الالتزام بتعاليم الدين وتطبيقه, كما ورد عن الامام الحسين عليه السلام (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحيطونه ما درت معائشهم فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون), وقد بين القرآن الكريم هذا النوع من التدين السلبي واصفن ّإيهام بعدة اوصاف منها:

  • المنافقون قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) التوبة67.
  • الذين يقولون ما لا يفعلون, قال تعالى (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) الفتح آية11.
  • المخادعون, قال تعالى (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) البقرة آية9.
  • الاعداء, قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) سورة المنافقون آية4, وغيرها من الصفات التي بينها القرآن الكريم.

ومن أبرز مصاديق التدين الشكلي

  • الغلو في الدين وتقديس الزعامات الدينية الى حد ارتكاب المخالفات الصريحة والمحرمات الواضحة من أجل إظهار الولاء والانتماء للجهة التي يعتقد انها الحق المطلق, قال تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) التوبة31, وعن الامام الصادق “ع” قال (احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدونهم, فان الغلاة شر خلق الله, يصغرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله),
  • ومن امثلة التدين الشكلي هو التدين المفاجئ الذي يحصل لدى البعض كرد فعل اتجاه اخطاءه السابقة ومحاولاً محو صورته السيئة, والتصدي للمسؤوليات العامة ومصالح الناس من دون تهذيب داخلي وورع يحجزه عن معاصي الله تبارك وتعالى..
  • الدفاع عن الدين بصورة ارتجالية فردية من دون تخطيط من قبل قيادة حكيمة واعية تستطيع ان تزن الامور بحكمة وبصيرة عالية.
  • التطرف والصنمية في المعتقدات الدينية وتطبيقها كما هي من دون النظر الى أبعاد الزمان والمكان وتأثيرهما في توسعة الحكم وتضيقه, ومثاله فتاوى التكفير واستباحة الدماء وغيرها.
  • تحويل الدين الى مجرد نظريات علمية وحسابات رياضية واستدلالية بعيدة عن الواقع العملي ويكون ميدانها الوحيد هو الجانب العقلي, واغفال الجانب الروحي الذي تتوجه اليه انظار البشرية اليوم.
  • تحويل الدين الى سلوك جاف خالي من الابعاد الروحية والعاطفة الانسانية, كما عليه الحركات السلفية.
  • تحويل الدين الى تدين عاطفي طقوسي لا يهمه من الدين الا ابراز الحالة الشعائرية منه حتى وان اضر بالدين نفسه.
  • الاتجار بالدين لأغراض سياسية واستغلال التوجهات الدينية لصالح اجندات سياسية وجعل المشروع السياسي هو الحاكم على البرنامج الديني, ويُتخذ الدين كوسيلة وغطاء لا غير. وغيرها من النقاط التي شخصها المتتبعون لهذه الظاهرة.

العلاج الحقيقي

والعلاج الحقيقي يكمن في سيادة الدين الالهي والعودة الى الله سبحانه وتعالى وان يطابق ظاهر الانسان باطنه قال تعالى (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) العصر, وقوله تعالى(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) هود112,

وورد عن عليٍ “ع” قوله (لا يُخْدَعُ اللهُ عن جنتهِ ولا تُنالُ مرضاتُهُ الا بطاعتهِ), وعنه عليه السلام (غاية الدين الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود).

فلو حكم الانسان الدين في جوانب حياته صغيرها وكبيرها, فسوف ينتج مجتمع صالح, واما اذا حكم تدينه فسوف ينتج مجتمع مضطرب مهزوز ينخره السلوك المنحرف من الداخل ويكون سلوك أبناءه منحرفاً أيضاً.

ومن ابرز النقاط التي لابد من الفرد ان يُراعيها من أجل ان لا يخرج من حالة الدين والايمان الى حالة التدين والانحراف الديني هي:

  • اليقين بثواب الله تعالى والتسليم له والحب والبغض من أجله, ورد عن النبي “ص” قوله (أوثق عرى الايمان: المولاة في الله والمعاداة في الله, والحب في الله والبغض في الله عز وجل).
  • أداء الامانة والوفاء بالعهد وقول الصدق, فعن الامام الباقر “ع” أنه قال: (ثلاثٌ لم يَجعلِ اللهُ عزوجل لاحدٍ فيهنَّ رُخصة: اداء الامانة الى البرِّ والفاجر, والوفاءُ بالعهدِ للبرِّ والفاجرِ, وبرُّ الوالدين بَرَّينِ كانا أو فاجرينِ).
  • الالتزام بأداء الفرائض الواجبة كالصلاة والصيام والخمس وغيرها, وهذه العبادات هي اساس الدين.
  • حسن الخلق وكف الأذى عن الاخرين, عن النبي الاكرم (حسن الخلق وكف الأذى يزيدان في الرزق)
  • حب اهل البيت والولاية لهم, فعن النبي الاكرم ( أثبتكم قدماً على الصراط أشدكم حُباً لأهل بيتي)
  • التفقه في الدين, فعن علي “ع” ( أيها الناس اعلموا أنّ كمال الدين طلب العلم والعمل به, وأنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال). وغيرها من الصفات الحميدة التي حدث الشريعة على الالتزام بها.