تعقيب على مقال

183

تعقيب على مقال

للكاتب: الشيخ مازن المطوري

 

في مقالة منشورة بعنوان (الفلسفة لا عقيدة لها) تحدث الكاتب عبد الجبّار الرفاعي عن طبيعة الاشتغال الفلسفي ومساره الفكري، وبصرف النظر عما في ذلك المقال من مواضع للنظر والتأمل، وما تضمّنه في الوقت ذاته من هفوات، إلا أننا نريد التركيز هنا بشكل سريع على مواضع الحاجة منه لارتباطها بالاهتمامات الفكرية الشخصية:

1- قال: [وقد ظهرت محاولاتٌ في الإسلام تعمل على “أسلمة الفلسفة”، وتحاول أن تصوغَ فلسفةً مشتقة من الكتاب والسنة، ومؤطَّرةً بإطار وحياني. تبدأ هذه المحاولاتُ عادة بمقدّمات منطقية وفلسفية لكن تنتهي إلى نتائجَ كلامية. ويتجلى ذلك بوضوح في آثار صدر المتألهين محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي المعروف بـملا صدرا الشيرازي “980-1050هـ”، الذي صاغ نظامًا فلسفيًا يلتقي فيه القرآنُ بالبرهان والعرفان، وكان يحرص على تجنيس فلسفته بهوية اعتقادية، تستلهم العرفانَ النظري لمحيي الدين بن عربي، ومفهومَه عن الولاية والإنسان الكامل ورتبتِه في العوالم الربوبية.

“أسلمةُ الفلسفة” تعني أن تتحول الفلسفةُ في عالم الإسلام إلى علم كلام، وعلمُ الكلام يمتلك مقولاتٍ اعتقاديةً جاهزة، ومهمتُه تحصيلُ نتائجَ قطعية نهائية، في حين تحرص الفلسفةُ على اللايقين، وتحرّض على الأسئلة، ولا تقبل الأفكارَ الجاهزة من دون غربلة وتمحيص. علمُ الكلام يقوّض الفلسفةَ مثلما تقوّض الأيديولوجيا الفلسفة، الفلسفةُ تبحث عن التمايز والاختلاف والغَيريّة والتنوع. أما الأيديولوجيا فتشدّد على طمس الاختلافات وتتنكرُ للتنوع، وتحرص على المحاكاة والتماثل والمطابقة].

لكن القراءة الدقيقة لهذا النص توقفنا على أمور:

الأول: ينطلق هذا النص من فهم مغلوط لطبيعة عمل صدر الدين الشيرازي في النموذج الفلسفي الذي قدّمه بعنوان الحكمة المتعالية، وبصرف النظر عن مدى اختلافنا واتفاقنا مع الشيرازي في نتائج مسعاه، إلا أن المنجز الذي قدّمه الشيرازي لا يعبّر بحال من الأحوال عن عملية “أسلمة الفلسفة” كما ادّعى الكاتب، فالشيرازي في مسعاه لا يهدف إلى أسلمة الفلسفة، وإنما يقرّر الشيرازي أن الفلسفة من حيث الواقع لا تتقاطع نتائجها مع عقائد الإسلام ورؤيته للعالَم والوجود.

وبعبارة ثانية: يتناول الشيرازي المسألة الفلسفة بالبحث وفق أدوات البحث الفلسفي ووفق شروط الاستدلال المنطقي، وبعد أن يخرج بنتيجة معيّنة يقرّر أن هذه النتيجة موافقة لما يقوله العرفاء ولما يقرّره القرآن إذا كان قد تناول هذه المسائل. فالشيرازي لم يكن بوارد صياغة فلسفة مشتقة من الكتاب والسنّة، بل الشيرازي لا يعتبر القرآن والسنة دليلاً وبرهاناً في هذه الميادين، وإنما يقول إننا بعد أن نتوصل إلى نتائج فلسفية معيّنة عبر البحث الفلسفي، نقول لخصوم الفلسفة من المتدينين إن هذه النتائج لا تخالف مقرّرات القرآن والسنّة؛ لأن القرآن والسنّة لا يخالفان الواقع على ما هو عليه، ففرق كبير بين أن نشتق فلسفة تتحدث عن الوجود وأصالته ووحدته وبساطته من القرآن والسنة والتي عبّر عنها الكاتب بأسلمة الفلسفة، وبين أن نقول: إننا ببحثنا العقلي بعد أن توصّلنا إلى أصالة الوجود وبساطته فإنا لا نجد أن هذه النتيجة مخالفة لمقرّرات القرآن الكريم والسنة.

بل إن الشيرازي يعمل على تطويع ظواهر الآيات والروايات لتكون متوافقة مع النتائج النظرية الفلسفية، ولم يكن يعمل على تطويع نتائج البحث النظري الفلسفي لتكون متوافقة مع القرآن والسنة كما ادعى الكاتب.

الثاني: أما القول: [تبدأ هذه المحاولاتُ عادة بمقدّمات منطقية وفلسفية لكن تنتهي إلى نتائجَ كلامية]، ففيه من الغرابة الشيء الكبير! فلست أدري كيف تقود المقدّمات المنطقية والفلسفية إلى نتائج كلامية! في حين نعرف أن هناك علاقة لزوم وترتّب منطقي وسنخيّة وتناسب بين المقدمة ونتيجتها، والنتيجة تتبع أخس المقدمات، فكيف للمقدمات الفلسفية والمنطقية أن تنتج نتائج كلامية!

الثالث: بعد ذلك ذكر كلاماً قال فيه: [في حين تحرص الفلسفةُ على اللايقين]!

ويلاحظ هنا أن هذا التعريف لحرص الفلسفة ليس سليماً، وهو إن صح فإنه يصح في بعض التوجهات التي تسمّى بالفلسفة، ولا يمكن جعل هذا الكلام توصيفاً لحرص الفلسفة بشكل مطلق.

نحن نعرف أن الفلسفة في عهد ولادتها المدوّن (اليوناني) ولا سيما مع مدرسة سقراط وأفلاطون وأرسطو تنشد اليقين بالواقع والماهيات، وترى العلم كاشفاً عن المعلوم كشفاً صحيحاً تاماً، فهي تطلب اليقين بالبرهان، فكيف يدعى أن الفلسفة تحرص على اللايقين!

2- قال: [كان معظمُ مدرسي وتلامذةِ الفلسفة في حواضر العلم التقليدية في القرن الماضي يفتقرون إلى تكوين لغوي يمكّنهم من مطالعة نصوص الفلسفة الغربية بلغاتها الناطقة بها، ما اضطرهم لمطالعة نصوصها المترجمة. ولم تتوافر للنصوص الفلسفية قبل منتصف القرن الماضي ترجماتٌ دقيقة، فقد اعتمد العلامة محمد حسين الطباطبائي بشكل أساسي في فهمِ الفلسفة الغربية ومناقشة آراءِ الفلاسفة، وقت تدوينه لكتاب “أصول الفلسفة والمنهج الواقعي”، كتابَ: “تطور الحکمة في أوروبا” لمحمد علي فروغي “ت 1952” . وكان فروغي مثقفًا سياسيًا وصحفيًا، ولم يكن متخصصًا في الفلسفة الغربية، وكتابُه هذا يمثّل معلوماتٍ عامةً وانطباعاتٍ سريعةً عن الفلسفة الغربية، ومما يؤسف أن فهمَه كان فهمًا سطحيًا مبسطًا، وملتبسًا أحيانًا، إذ كان يقرأ نصوصَ الفلاسفة ومقولاتِهم في سياق ثقافته المحلية، ولم تمكّنه أدواتُ قراءته من الغوصِ في أعماقها وإدراكِ كلياتها الكبرى، وتبصّرِ نسيج مفاهيمها وشبكاته المتشعبة، لذلك عمد الى خلع مصطلحات عليها لا تحكيها، وتقويلها ما لا تقوله. وشكّل كتابُ فروغی هذا عقبةً أمام الفهم الصحيح للفلسفة الغربية، عندما فرضَ على التفكير الفلسفي في الحوزة فهمَهُ الملتبس لهذه الفلسفة في تلك المرحلة، وأضحى هذا الكتابُ منبعَ إلهامٍ رئيسٍ لبعض دارسي الفلسفة في الحوزة في مراحل لاحقة، ممن يهتمون بالتعرف على آراء الفلاسفة الغربيين، كما تشي بذلك الإحالاتُ المرجعية في كتاباتهم. وتأثر بالفهم، الذي قدَّمه فروغي، العلامةُ الطباطبائي وتلميذُه الشيخ مرتضى المطهري وبعضُ تلامذته الآخرين، وظهر تأثيرُه على فهم الفلسفة الغربية في مدرسة النجف، فكان فهمُهم وبعضُ تفسيراتهم ونقدُهم للاتجاهات الفلسفية الغربية لا يخلو من التباس في الفهم أحيانا. ونلاحظ مواردَ متعدّدةٍ من كتاب “أصول الفلسفة والمنهج الواقعي” لا تعبّر بدقة عن مضمونها، فقد كان فهمُ الفلسفة المثالية في هذا الكتاب ملتبسًا، إذ نُسب إلى المثالية نفي الواقعية وانكار كل شيء في الخارج. كما التبس الفهمُ لفلسفة كانط، وديالكتيك هيغل، وغيرِهما من فلاسفة الغرب الحديث. وهذا ما يشهد به تلميذُ الطباطبائي الشيخ مهدي الحائري اليزدي الذي كان مدرّسًا لامعًا للفلسفة في الحوزة، وخبيرًا بالفلسفة الغربية، إذ حصل الشيخ مهدي على دكتوراه في المنطق الرياضي من جامعة تورنتو في كندا. يقول الحائري اليزدي: “من يقتصر على دراسة واحدة من الفلسفتين، لن يفهم الأخرى؛ لأنهما موضوعان منفصلان، فلو درس الطالب الفلسفة الإسلامية ووفّاها حقها، من دون أن يطّلع على الفلسفة الغربية اطلاعاً منظّماً دقيقاً، لم يفهم كنه الفلسفة الغربية، والعكس صحيح أيضاً. مثال ذلك ترجمات أعمال كانط إلى الفارسية والعربية، التي أعتقد أنه حتّى حبراً  كالعلامة الطباطبائي لن يستطيع تكوين فكرة جليّة عن فلسفة كانط من هذه الترجمات، ناهيك عن الأشخاص العاديين”].

يتضمن هذا النص ارتباكات كثيرة نوجزها في نقاط:

1-  لم يكن كتاب فروغي المصدر الأساسي للعلامة الطباطبائي في كتاب أصول الفلسفة، بل ثمّة كتابات أخرى لغربيين مترجمة اعتمدها الطباطبائي، ولو كان الوقت يسعفنا لقمنا بذكر قائمة للمصادر التي اعتمدها الطباطبائي في عرض الأفكار الغربية. وكذلك الحال في جانب تعليقة مطهري على متن أستاذه في أصول الفلسفة، فمن يراجع حواشي وتعاليق مطهري يجد عشرات المصادر غير كتاب فروغي قد اعتمد عليها مطهري في نقل أفكار ونصوص فلاسفة ومفكري الغرب.

2-  الأهم من ذلك أن الطباطبائي ومطهري في هذا الكتاب كانا معنيين (بما يريدان قوله) وليس (بما يريدان نقله)، فرسالتهما تقديم المعالجة التي يؤمنان بها لمسائل هذه الميادين التي تعرّضا لها بالبحث والدرس وليس تجميع نصوص الآخرين وترتيبها لتكون فهرساً!

3-   لستُ أدري ما هو الوجه الذي جعل فروغي العارف باللغة الإنكليزية [فهمَه كان فهمًا سطحيًا مبسطًا، وملتبسًا أحيانًا] بينما صار الحائري العارف بالإنكليزية [خبيرًا بالفلسفة الغربية، إذ حصل الشيخ مهدي على دكتوراه في المنطق الرياضي من جامعة تورنتو في كندا]، فهل تحصيل الدكتوراه في المنطق الرياضي من جامعة تورنتو تجعل الإنسان خبيراً بالفلسفة الغربية! وحتى مؤلفات الشيخ الحائري التي تعرّض فيها للأفكار الغربية لا أتصور أنها تسمح للحصيف أن يعبّر عنه بهذا التعبير!

4-  نصّ الكاتبُ على أن في كتاب أصول الفلسفة التباس في فهم فلسفة كانط وديالكتيك هيغل! وقد كان الأحرى بصاحب المقال أن يعمد إلى التدليل على مدعاه، وذلك بأن يثبت لنا الفهم الصحيح لفلسفة كانط من مصادرها (غير المترجمة) ثم يعمد إلى مقارنتها بما قدّمه مطهري من فهم لفلسفة كانط، ويوقفنا على نقاط الفهم الملتبس! أما الادعاء فهو سهل المؤونة! وشخصيّاً أدّعي وفق متابعتي لما يرتبط بنظرية كانط، أن ما جاء في هوامش مطهري وكذلك في فلسفتنا من تقرير لنظرية كانط يعبّر عما يريد قوله كانط بنسبة لا تقل عن 95%، أقول هذا بعد مراجعتي للترجمة الثلاثية التي حظي بها كتاب كانط نقد العقل المحض من قبل أحمد الشيباني وموسى وهبة وغانم هنا، وكذلك مراجعة الترجمات المتفرّقة لنصوص ومقاطع من نظريته التي أوردها بالاعتماد على الترجمة الإنكليزية كل من الدكتور عبد الرحمن بدوي وزكريا إبراهيم ومحمد عثمان الخشت. وليت من يسجّل مثل هذا الإشكال كان قد قرأ كانط بالألمانية!

5-  الغريب أن يستند صاحب المقال لنص للدكتور مهدي الحائري ويقلّده في مدّعاه، دون أن يركن إلى تقرير أصل النظريات ويقارن

ها بما تم عرضه في كتابات هؤلاء الأعلام ليوقفنا على هفواتهم والتباس الفهم عندهم، فبذلك تضخ الدماء في المعرفة.

6-  أما قوله: [وتأثر بالفهم، الذي قدَّمه فروغي، العلامةُ الطباطبائي وتلميذُه الشيخ مرتضى المطهري وبعضُ تلامذته الآخرين، وظهر تأثيرُه على فهم الفلسفة الغربية في مدرسة النجف، فكان فهمُهم وبعضُ تفسيراتهم ونقدُهم للاتجاهات الفلسفية الغربية لا يخلو من التباس في الفهم أحيانا]. فأحسب أنه يقصد بذلك كتاب فلسفتنا، ولفلسفتنا في مصادرها قصّة نتعرّف عليها إن شاء الله تعالى في العمل التحقيقي القيّم الذي اضطلع به أخونا المفضال الشيخ أحمد أبو زيد العاملي، والذي نتعرّف من خلاله على خرافة ما يشاع بشأن مصادر كتاب فلسفتنا. أما إن كان المقصود كتاباً آخر غير فلسفتنا فكان من الجدير بصاحب المقال أن يثبت لنا ذلك وينص على الكتاب دون إلقاء الكلام على عواهنه وتركه دعاوى بلا تدليل وهو سهل المنال والمؤونة.

وأخيراً: إن الكتابة العلمية هي المُعَزّزة بالأرقام والشواهد والنصوص، دون التكثير الإنشائي للدعاوى المفتقر للتدليل.