البعد الماديّ والرُوحي للإِنسان في نَهجِ البَلاغَة

466

البعد الماديّ والرُوحي للإِنسان في نَهجِ البَلاغَة

بقلم محمود محمد حسين

مقدمة

نهج البلاغة.. هذا السفر الإنساني الخالد خلود الدهر .. السفر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وما زال بروعة بيانه, وغرر حكمه, ورواء تعبيره, وبديع بلاغته, فأعجز العقول عن سبر غوره, والإحاطة بمراميه. فقد أخرس الألسن عن الإتيان بمثله. وكان الناس وما زالوا يقفون على ساحل بحره الزخار, وقد عقدت الدهشة ألسنتهم, وأخذت لآلئه بمجامع قلوبهم , وهم يقلبون الطرف في مكنون معانيه , بما اشتمل عليه من روائع وبدائع من خطب وحكم, ورسائل انتظمت في سبيكة علوية جادت بها تلك الروح القدسية التي كانت تحلق في سماء النبوة, وتحوم بأجنحتها في ملكوت العرفان الإلهي, مجسدة في أرفع وأرقى ما يخطر ببال إنسان نهجا للفكر, وطريقا مهيعا للبلاغة أعجز فيها من جاء بعده وأنسى فيها ذكر من كان قبله. حتى لقد قيل فيه أنه: (دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين)(1). ولا عجب.. فأن نور بلاغته قد أخذ حتى بمجامع قلوب شائنيه ومبغضيه. فهذا معاوية ابن أبي سفيان وهو من نصب العداء له وسعى ليطفئ كل فضيلة ومنقبة للإمام لم يجد بدا من الجهر بما لم تطب له نفسه, قائلا لذلك الجلف محفن بن أبي محفن, والذي هانت عليه نفسه فذلها طمعا في اليسير من حطام الدنيا وهو يتزلف إلى وليّ نعمته قائلا: (جئتك من عند أعيا الناس. فقال له معاوية: ومن تعني؟ قال :علي ابن أبي طالب. فقال معاوية: ويحك! كيف يكون أعيا الناس! فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره)(2). والفضل ما شهدت به الأعداء.

وقد كونت هذه الخطب والرسائل والحكم منظومة فكرية شخصًت عبقرية فذّة لا نظير لها. إنّ نهج البلاغة تجسيد حي لما جاء به القران الكريم, بما ضم بين دفتيه من مباحث شتى, علمية وعقائدية وفقهية, وغير ذلك مما يطول ذكره. وهذا ما يضيف إلى نهج البلاغة ميزة مهمة؛ ألا وهي طابع المرجعية بنحو يجعل من الضروري لكل دارس لعلوم القران أن يتعرف ما فيه, ويتدبر مقاصده, ويتبلّغ به حاجته, لتكون عدة له يستعين بها في فهم مطالب الآيات القرآنية. فالإمام (ع) هو القرآن الناطق, وهو باب مدينة علم الرسول (ص). ومع كل ما قيل فيه , فإنه يبقى على مر الزمان جديدا لا يبلى, ومنهلا يرده عشاق الحقيقة وطلاب المعرفة, ونبراسا تجلى به مدلهمّات الظنون, ووساوس الأفكار, لتضع العقول على جادّة الصواب كلما جمحت بها فكرة أو سنحت لها خاطرة, وعرضت لها شبهة ساقتها إلى مزالق التيه والضلال. وهنا أثبت بعض الملاحظات:

  • إن هذا السفر الجليل لم يستوف حقه من الإنصاف كما ينبغي له, لذلك كان لزاما على الباحثين المختصين أن يتوفروا على دراسته ضمن سلسلة بحثية متكاملة الأبعاد والجوانب, لإبراز القيم الجمالية والعلمية فيه, لا أن يكتفى بالجهود الفردية هنا وهناك, رغم أهمية وجدوى هذه البحوث, على أن تناط هذه المهمة بمؤسسة ثقافية تتكفل بتقديم كل ما هو ضروري لإنجاح هكذا مشروع.
  • ترجمة هذه الأعمال إلى جميع لغات العالم, كي يتعرف الناس أهمية نهج البلاغة وأثره البالغ في أثراء الفكر الانساني بعامة والإسلامي بخاصة.
  • شرح النهج. ج1. ص24
  • م. ن. ص24

 

  • إنشاء متحف ثقافي يضم كل ما كتب قديما عن نهج البلاغة من أبحاث وكتب وتحقيقات في هذا الجانب.

4- إقامة ندوات ومؤتمرات علمية حول نهج البلاغة يدعى لها أهل الاختصاص في شتى العلوم والمعارف, فضلا عن إصدار نشرة من قبل المؤسسة التي تشرف على هذا المشروع يتم من خلالها التعرف على كل ما هو جديد. ولعل أفضل ما يمكن قوله في نهج البلاغة إنه مدرسة للعقل البشري وللنفس الإنسانية. فهو المعلم لمن أراد أن يكون خطيبا, والمربي لمن شاء أن يكون أبا روحيا لمريديه. وهو الناصح الأمين لمن شطت به السبل وتفرقت به عن سبيل الحق.

وانطلاقا من هذه الغاية, وتعبيرا عن الرغبة في بسط الجهد المتواضع, فقد وجدت نفسي مسوقا على استحياء وأنا امسك القلم, محاولا أن أخوض لجّة هذا البحر المتلاطم واقتحم غماره على وجل يترصدني كلما مضيت في قطع أشواط من البحث,  فكانت هذه الوريقات تعبيرا عن سوانح وخواطر اعتلجت في نفسي, حيث ارتسمت أمام ناظري كلمة الأمام الرضا (ع) إذ يقول: (أحيوا أمرنا ,رحم الله من أحيا أمرنا. فان الناس لو علموا محاسن كلامنا اتبعونا)(1).. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ما ورد في النهج لا يمثل كل ما له صلة بالحديث عن الإنسان,  بعبارة أخرى؛ إن القول بإمكانية الخروج بنظرية كاملة عن الإنسان في النهج أمر غير صحيح, لأن النهج هو المنتخب من كلامه (ع), لا جميع ما صدر عنه, وهذا ما يعرفه القاصي والداني ومن له أدنى إلمام بسيرة الأمام(ع). لذلك فأن أي أشكال يرد في هذا الباب لا بد أن يأخذ هذه النقطة في الحسبان من وجهة نظر موضوعية بعيدة عن التحامل. ومع ذلك فأن القدر المتيقن مما هو بين دفتي الكتاب يعطينا صورة واضحة عن مدى سعة المعرفة التي كانت من أبرز معالم شخصيته الفذة, فضلا عما سواها من المؤهلات, لهذا فأن الشاعر لم يعد الحقيقة حينما قال:

                       جمعت في صفاتك الأضداد    ولهذا عزت لك الأنداد                  

وقد اخترت بعد طول نظر في ما يجدر بي البحث فيه أن أعرض لما جاء في كلامه عليه السلام حول الإنسان في بعده المادي والروحي, وللأسباب التالية:

أولا- إن الإمام (ع) نذر حياته في سبيل إقامة صرح الحق والعدالة في عصر تنازعته عوامل الفتن والأهواء الطامعة إلى تحقيق الغايات والمآرب باسم الخلافة التي لم يكن له فيها مطمع أكثر من أن يقيم حقا ويدفع باطلا. وهذا النهج فيه من الصرامة ما لم يستطبه عصره الذي انفتح فيه الناس على غضارة العيش وترف الحياة بما جادت به الفتوحات من غنائم, فنشأت طبقة متنفذة تنظر إلى موقعها من الرسالة على أنه امتياز يخولها حق الحصول على المكاسب جزاء وفاقا لما أسهمت به من جهد في نشر الدعوة والتضحية من أجلها . وهذا الاختلاف في المنهج والرؤية بين باحث عن مصالحه وبين آخر يرى الناس كلهم على حد سواء , أدى في نهاية المطاف إلى وضع خاتمة مأساوية لمصير الأمة التي أذلها الطمع فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير. من هنا فان الإمام كان على تماس مباشر مع هموم الأمة ومشاكلها ومن ثم معالجتها, مما استدعى منه دائما أن يكثر من التوجيهات

  • عيون أخبار الرضا. الشيخ الصدوق. ج2. ص275

 والإرشادات بقصد الإصلاح والتقويم . وهذه المهمة كانت جزء من وظيفته كإمام للأمة ومسئولا عنها

ثانيا- إن الإمام علي (ع) كان يتميز بسعة أفقه العلمي والفكري,  وذلك لكثرة ملازمته للنبي(ص). إذ كان يفيض عليه من العلوم ما أهله لأن يكون الأجدر بين الآخرين على تولى أمر الأمة. وهذه النقطة يمكن النظر إليها من زاوية خاصة, ألا وهي ارتباطها بمسألة الإمامة, وكون الإمام يجب أن يكون أعلم أهل زمانه, وما إلى ذلك من اللوازم التي تبحث في الأمور العقدية والكلامية. لذلك نجد أن ما نسب إلى الإمام من العلوم والمعارف بلغ من الكثرة ما أثار حفيظة البعض, فراح يشكك في صحة نسبة هذه الأمور, وأخذ يتلمس لإنكاره ما توحيه له نفسه من الشكوك والظنون والمزاعم ليطفئ بها نور الحق (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)(1). وسواء أ كان ما صدر عنه (ع) مرجعه ما تميز به من حدة الذكاء والفطنة كما يقول الآخرون وهو من البداهة بمكان,  أم أن ذلك من مقتضيات وظيفته كإمام معصوم كما تذهب إليه الامامية حسب الأدلة التي تسوقها في هذا الجانب, فان ذلك بالنتيجة يفرض على الجميع الإقرار بأعلميته على أهل زمانه, وبالتالي أحقيته بتولي أمور الأمة دون ما سواه وان زويت عنه لحاجة في نفس يعقوب…

ثالثا- كان الإمام شاهد عصره على مجريات الأحداث التي عصفت بكيان المجتمع وأحدثت فيه انقساما كاد أن يأتي على بنيانه من القواعد,  لذلك كان الإمام في عصره أشبه بسقراط في بني قومه. فإذا كان سقراط قد جرّعه قومه السم ليتخلصوا منه,  فإنه (ع) لم يجرعوه السم لوحده, بل جعلوا السم في حد السيف ليكون ذلك أشفى لحقدهم الدفين, إذ صبوا جام غضبهم عليه بضربة من يد أشقى الأولين والآخرين.. وهذه الأسباب تواشجت في آصرة معقدة القي ثقلها على كاهل الإمام, فكان لزاما عليه أن يسعى جهده ليعيد الأمور إلى نصابها, فجعل الإنسان محور برنامجه الرسالي, والعمل على إعادة ترميمه من الداخل بعد أن لعبت به الأهواء والمقاصد يمينا وشمالا. فسلام عليه يوم ولد, ويوم استشهد, ويوم يبعث حيا..

وقد اخترت أن يكون عنوان البحث (الإنسان في بعده المادي والروحي في نهج البلاغة). ومن خلال تتبعي لخطب الإمام وجدته لا يتناول الإنسان من زاويته المادية من حيث ما هو عليه, بل انه يمارس دوره كعالم نفساني خبير بالنفس البشرية, فضلا عن تلميحاته العلمية الدقيقة في تشخيص الجوانب الفسلجية وصلتها بالسلوك الانساني من جهة وأثر هذه الجوانب في حياة الإنسان . وكذلك تحليل طبيعة النفس البشرية, هادفا من وراء ذلك كله إلى إثارة العبرة وتقديم الدرس الأخلاقي للمجتمع الذي بات يفتقد حرارة الأيمان وحلاوته في حياته. وجدير بالذكر أن ما ورد في نهج البلاغة لا يمثل كل ما صدر عن أمير المؤمنين (ع) من حديث حول الإنسان, ذلك أن نهج البلاغة كما هو معلوم يمثل وجهة نظر الشريف الرضي في ما اختاره وانتخبه من كلامه (ع). لذلك فأن البحث منصب هنا على خصوص ما جاء في النهج. من هنا لا يتوهم القارئ أن دعوى التكامل في أطروحة الإنسان عند الأمام غير كاملة. ومن يدري كم فاتنا مما جاء على لسانه (ع) وغاب عن أذان الكثيرين سماعه. وحرص أعداؤه على كتمانه حسدا وبغضا؟.. 

 

  • التوبة/32

 

 

البحث يقع في مقدمة و ثلاثة فصول وخاتمة :

  • المقدمة : وقد عرضنا فيها الغاية من هذا البحث.
  • الفصل الأول وفيه:
  • تقسيم الإمام لعملية الخلق في النشأة الأولى .
  • تقسيم الإمام لعملية الخلق في عالم النشأة الدنيوية.
  • الإشارة إلى المسائل العلمية التي وردت في كلام الإمام ومقارنتها بالبحوث العلمية
  • الاستدلال بالآيات القرآنية

 

  • الفصل الثاني ويشتمل على:-
  • بيان علة خلق الإنسان
  • أسباب اختلاف الناس وطبائعهم
  • الفصل الثالث ويتكون من:
  • القيم الإنسانية والأخلاقية وثنائية الظواهر النفسية.
  • من المهد إلى اللحد (ثنائية الحياة والموت).
  • الخاتمة.
  • مصادر البحث

 

 

 

الفصل الأول

 

قبل الحديث عن آلية الخلق من وجهة نظر الإمام (ع), ولأجل أن يكون القارئ مطلعا على محل الشاهد من كلامه (ع), فقد ارتأيت أن أورد المقاطع ذات الصلة بالبحث. وقد اعتمدت في بحثي النسخة المحققة من قبل الدكتور صبحي الصالح, وهي طبعة اشتملت على فهارس موضوعية امتازت بحسن العرض والتبويب. ووفقا للترتيب الوارد في نهج البلاغة فان هذه المقاطع سيكون ترتيبها كالتالي :-

  • المقطع (1):

وفيه يعرض الإمام جوانب من خلق ادم عليه السلام, باعتباره الأصل الذي نشا منه الإنسان.

(ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها, وعذبها وسبخها, تربة سنّها بالماء حتى خلصت, ولاطها بالبلة حتى لزبت, فجعل منها صورة ذات أحناء ووصول, وأعضاء وفصول, أجمدها حتى استمسكت, وأصلدها حتى تصلصلت, لوقت معدود, وأمد معلوم: ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها, وفكر يتصرف بها, وجوارح يختدمها, وأدوات يقلبها, ومعرفة يفرق فيها بين الحق والباطل, والأذواق والمشام, والألوان والأجناس, معجونا بطينة الألوان المختلفة, والأشباه المؤتلفة, والأضداد المتعادية, والأخلاط المتباينة, من الحر والبرد و والبلة والجمود.)(1).

  • المقطع (2):

يتحدث الإمام في هذا المقطع عن نشأة الإنسان في عالم التكوين وتخلّقه من نطفة. وهي إشارة إلى قوله تعالى: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين)(2). وهذا المقطع من الخطبة العجيبة التي تسمى (الغراء).

(أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام, وشغف الأستار, نطفة دهاقا, وعلقة محاقا, وجنينا وراضعا, ووليدا ويافعا, ثم منحه قلبا حافظا, ولسانا لافظا, وبصرا لاحظا, ليفهم معتبرا , ويقصّر مزدجرا)(3).

ولهذا المقطع تتمة ترتبط بمسيرة الإنسان في حياته الدنيا, وهو يتقلب في أطوارها من حال إلى حال, نعرض لها في حديثنا عن البعد المعنوي والأخلاقي…

 

  • المقطع (3):

وفقرات هذا المقطع له نحو ارتباط تفسيري بما جاء في المقطع (2) من حيث الإجمال والتفصيل.

  • نهج البلاغة. خ1. ص39
  • م. ن. فاطر/8
  • نهج البلاغة. خ83.ص107

(أيّها المخلوق السوي, والمنشأ المرعي, في ظلمات الأرحام, ومضاعفات الأستار, بدئت (من سلالة من طين) ووضعت (في قرار مكين إلى قدر معلوم) وأجل مقسوم, تمور في بطن أمك جنينا لا تحير دعاء, ولا تسمع نداء؛ ثم اخرج من مقرك إلى دار لم تشهدها, ولم تعرف سبل منافعها, فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمك, وعرّفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك!) إلى إن يختم كلامه بقوله (هيهات, أن من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات فهو عن صفات خالقه أعجز, ومن تناوله بحدود المخلوقين ابعد!)(1).

  • المقطع(4): الخطبة (192) ص(285)

وهذه الخطبة تسمى(القاصعة) وهي من (قصع فلان فلانا : أي حقره. لأنه عليه السلام حقّر فيها المتكبرين)(2).

وفي هذا المقطع يذكر الإمام علّة خلق ادم(ع) بقوله: (ولو أراد الله أن يخلق ادم من نور يخطف الأبصار ضياؤه, ويبهر العقول رواؤه, وطيب يأخذ الإنسان عرفه لفعل, ولو فعل لظلّت الأعناق خاضعة, ولخفّت البلوى فيه على الملائكة, ولكن الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله, تمييزا بالاختبار لهم, ونفيا للاستكبار عنهم, وإبعادا للخيلاء منهم)(3)

  • المقطع (5):

ويشتمل على بيان أسباب اختلاف الناس في طبائعهم.

(إنما فرق بينهم مبادئ طينهم, وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ ارض وعذبها, وحزن تربة وسهلها,فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون, وعلى قدر اختلافها يتفاوتون, فتام الرواء, ناقص العقل, وماد القامة قصير الهمة, وزاكى العمل قبيح المنظر, وقريب القعر بعيد السبر, ومعروف الضريبة منكر الجليبة, وتائه القلب متفرق اللب, وطليق اللسان حديد الجنان)(4).

 

 

  • أما في باب حكم أمير المؤمنين(ع), فقد جاء :
  • في الحكمة رقم(8) ص (470)

(أعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم, ويتكلم بلحم, ويسمع بعظم, ويتنفس من خرم).

  • الحكمة رقم (108) ص (487) جاء فيها :

(لقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه: وذلك القلب. وذلك أن له مواد من الحكمة وأضدادا من خلافها).

ومن استعراضنا للمقاطع نجد أن الامام (ع) يتناول موضوعة الخلق من زاويتين؛ الأولى هي بدء خلق المثال الأول للجنس البشري المتمثل بآدم (ع), في ضوء ما جاء في القران الكريم. والزاوية الثانية هي عالم النشأة المادية عبر تحدر النسل البشري من الأصل الأول وتخلّقه من خلال مراحل تطورية يتكامل فيها الى ان يستوي انسانا يتمتع بكل الخصائص الآدمية التي زوّد بها أبوه من قبل. ومن خلال تتبعي للموارد التي ذكرت فيها كلمة انسان ومشتقاتها وجدتها قد وردت في ثلاثة عشر موضعا. وهي على النحو التالي:

  • الصيغة الاسمية المعرفة (4) مرات
  • الصيغة الاسمية غير المعرفة (5) مرات
  • الصيغة الفعلية (4) مرات (آنس, أنّسك)
  • صيغة التفضيل (آنس)
  • صيغة اسم الفاعل (1): (إيناس)
  • صفة (1): (آنسين)

وعودا على بدء, فإننا سنشرع ببيان الإشارات العلمية التي تضمنها كلامه عليه السلام وفق الترتيب الذي اعتمدناه في عرض المقاطع الستة:

  • يعرض الامام في المقطع الأول لبيان كيفية خلق الانسان الأول ومراحل تكوينه, والذي هو ىدم (ع) قبل هبوطه الى الأرض في سياق آيات قرآنية أشار اليها الإمام إما تصريحا أو تلميحا. وهذه المراحل كالتالي:

أولا: مرحلة الجمع:

وتبدأ هذه المرحلة بجمع عناصر التراب التي هي مثال للخصائص التكوينية للمادة الأساس للكيفيات المتمحضة عن هذه المكونات, وأثرها في طبيعة الانسان المادية والنفسية.

فهذا التراب هو مزيج من:

  • الحزن 2- السهل   3- العذب  4- السبخ

وأنت ترى في هذه الخصائص التي اشتمل عليها التراب صبغة التضادو وتباين النسب إزاء كل منها من حيث الزيادة والنقصان.

والامام يرمز بكلمة الحَزَن الى ظاهرة الوعورة والخشونة في تكوين الانسان المادي والنفسي على حد سواء من حيث الاستعداد الفطري, أما السهل من الأرض فهو الآخر إشارة الى حالة الانبساط والاستواء والاعتدال من حيث قابليته على التلقي والعطاء بمعناه الادبي والأخلاقي, فضلا عن عن تضمنه بعدا علميا واضحا.

وأما خاصة العذوبة والملوحة فهما بيان لخاصة التنوع في جبلّة الانسان التي لا تتكامل الا باستيعاب جميع هذه الخواص الترابية واندكاكها في بوتقة واحدة تتمظهر بحسب قانون الفعل ورد الفعل في سلوكه, وهذا التواشج بين ما جبل عليه الانسان في أصل تكوينه المادي يتناسب والغرض الذ وجد له في نشأته المادية التي يعيشها بنحو الانسجام والتوافق.

وما ورد في كلامه (ع) من إشارات الى الخواص التي مادة مزاجه التكويني والنفسي هو ذاته ما تطرق اليه سواء فلاسفة اليونان فيما أثر عنهم أو من تأثر بكلامهم. على أن ذلك لا يعني بحال أن الامام قد اقتبس ذلك منهم, فهو لم يطلع على علومهم ليتأثر بأفكارهم, كيف وكل ما أثر عنه مرآة جلية لكل ما نطق به الكتاب العزيز, فكان ترجمانه والناطق عنه كما وصف نفسه (ع): (أنا القرآن الناطق وهذا هو القرآن الصامت). ومن المعلوم أن بيئة الجزيرة العربية لم تشهد تطورا علميا ملحوظا, هذا إذا ما استثنينا تلك المدنيات التي نشأت في اطراف الجزيرة وفي الحدود المتاخمة لها سواء في بلاد الشام أو بلاد اليمن. أما في قلب الجزيرة حيث مكة والمدينة واللتان شهدتا ولادة الدعوة واحتضانها ومن ثم الدفع بها خارج حواضرها فلم تكن ملامح الحضارة والمدنية بذلك الاتساع والتأثير, بل هو تأثير محدود لم يؤثر عنه في ما بين أيدينا من كتب ومصنفات يمكن الاستدلال بها على مقدار ما لديها من معارف وعلوم جديرة بأن تؤثر في ثقافة غيرها من الأمم.

نعم؛ كانت هناك ما يمكن عده ارهاصات معرفية في حدود ما يتناسب وطبيعة الزمان والبيئة التي تجذرت فيها قيم لم تكن لتحث ابن الجزيرة على التخطي بعقله الى ما هو ابعد مما هو متاح له الا في حدود ضيقة لم تسهم في تطور البنية المعرفية لديه كما هو الحال لدى الاقوام الأخرى. ومن المعلوم أن (اللغة هي عزهم. وهي مجدهم, وهي ثقافتهم, وهي فنهم, وهي علامة اعجازهم و وخصوصا اذا ارتفعت الى مستوى الشعر. انظر كم بذلوا من جهود في حفظها وصيانتها). ولهذا نجد أن القران تحدى العرب في أبرز ما تميزت به ثقافتهم. وكانت دليلا على مستوى وطبيعة حضارتهم التي هيمنت عليها ثقافة الألفاظ من شعر ونثر. ومن تعرَّف سيرة الامام يدرك أن ما لديه من علوم هو من خصائص الارتباط الولائي له بالنبي (ص), والذي كان تجسيدا للعلاقة الروحية فضلا عن النسبية, هذه العلاقة التي عبر عنها هو (ع) بأنها كالضوء من الضوء, فهي سنخ علاقة تنعدم فيها الفواصل أيا كانت نسبتها أو طبيعتها.

 

 

  • زكي نجيب محمود. تجديد الفكر العربي. ص 231

وهذه العلاقة تمثلت في ركنيها الأساسين: النبوة والإمامة. حيث لا برزخ بينهما, فركن الامامة من لوازمه الأهلية في النهوض بأعبائها بما تقتضيه من مقدمات لا بد منها, والا كانت من باب التكليف بما لا يطاق. ولذا نجد أن كل ما أثر عنه (ع) هو مما أفاض عليه النبي (ص) وآله وسلم, الى جانب ما تمتع به من ملكات راسخة جعلته متميزا عن نظراء عصره, فكان فيه من الاستعداد لتلقي الفيض النبوي من علوم ومعارف ما أهلته لأن يتبوأ مقاما ساميا لا يدانيه مقام قبله ولا بعده, فكان نسيج وحده على مر العصور وكر الدهور.

  • مرحلة صب الماء: وفي هذه المرحلة يشير الى عملية المزج وتحول التراب الى كتلة متماسكة بصب الماء عليها.
  • مرحلة الثبات والتماسك: وهنا تبدأ مرحلة مهمة ومفصلية في تشكل العجينة التي ستتلبس صورتها التي أريد لها. وهي عملية عجن المزيج ليصبح قوامه متماسكا وجاهزا للتقولب والتشكل. والى هذا يشير الامام بقوله: (ولاطها بالبلة حتى لزبت). (واللازب هو الثابت الشديد الثبوت. ويعبر باللازب عن الواجب فيقال ضربة لازب)(1). وهذه المرحلة ضرورية لايجاد حالة من التماسك بين هذه الامشاج والاخلاط. والامام يرسم صورة لآلية المزج والعجن لهذه العناصر الترابية شبيهة بتلك التي نراها عند صانع الفخّار وهو يعد مادة عمله ليصنع منها ما يريد من أواني وغيرها, ونحو ذلك ما يقوم به من يصنع الخبز وهو يصب الماء على الدقيق ومن ثم يضع قليلا من الخميرة بعدها يقوم بخلط المزيج شيئا فشيئا الى أن يفنى الماء في المزيج, عندها يبدأ بعجنه حتى يتماسك, ثم يتركه مقدارا من الوقت مناسبا, فإذا بلغ الامر حده جعله أوزاعا مناسبة الحجم ومتساوية المقدار. وهو عين ما ذكره الامام بقوله: (لوقت معدود وامد معلوم).

ومن الواضح أن عامل الزمن يساعد على جهوزية صيرورة الشيء وتشكله في الصورة التي هي إشارة حسية الى الغاية من وجوده. والامام يبرهن عن نظرة استقرائية دالة على عمق ونفاذية الاستيعاب لأبعاد الموضوع والاحاطة به من جميع جوانبه عبر استلهام مصادر المعرفة لديه, والمتمثلة بالنصوص القرآنية والاحاديث النبوية واستنباط الحقائق وعرضها في بيان بلاغي معجز, كاشفا بذلك عن منهج موضوعي في تناوله للقضايا التي كانت محل ابتلاء في عصره. وهي وإن لم تكن بتلك السعة والشمولية من حيث تسارعها وكثافة أبعادها بنحو يمكن أن نقول أنها مؤشر على تنامي درجة الوعي العلمي حدا يقتضي هذه السعة والشمولية, إلا أنها وبذلك المقدار كانت كافي لتلقي الضوء على دور الامام وأثره في عصره من جهة وما تلاه بعد ذلك.

إن التمعن بإنصاف في خطبه عليه السلام ينبيء عن إشارات واضحة يمكن من خلالها الخروج بنظرية إسلامية في تفسير جملة من الظواهر على مستوى الطبيعة والانسان معا. ومن ذلك حديثه عن خلق العالم وما يستتبعه من ظواهر الطبيعة, وكذلك حديثه عن خلق الملائكة وترتيب مراتبهم وتحديد اصنافهم, وغير ذلك مما له صله بالأمور الاجتماعية والاقتصادية.

  • مرحلة الجعل والتكوين: وتتم عملية التشكل للصورة الآدمية وتميز هويتها في هذه المرحلة بما
  • مفردات الفاظ القران. الأصفهاني. ص 470

يتناسب والغاية من عملية الخلق, إذ تبدأ عملية التصلب التي يوضحها بقوله: (واجمدها),أي جعلها في غاية التماسك يحيث لا تنفك عراها ولا تنفصم اجزاؤها. فإذا بلغت تمام اجلها الذي قدر لها (أصلدها حتى تصلصلت). فصارت بذلك مهيأة لتلبس ثوب الحياة وتكون جديرة به. (فالصورة هي الشكل الذي تتخذه المادة, وقد يقال عليه أنه طبيعتها أو الكمال النهائي  لها, فان لكل شيء منها مادة وصورة يتم بهما وجوده.)(1).. وأصل الصلصال هو تردد الصوت من الشيء اليابس, فإذا ما جف ويبس سمي صلصالا.

وقيل الصلصال هو المنتن من الطين, ولعل وجه الجمع بين كون (الصلصال هو الطين الحر المختلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف وطين(صلّال) و(مصلال) أي يصوّت كما يصوّت الفخار الجديد)(2), وبين كونه المنتن من الطين يتضح من قوله تعالى(ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون)(3). والحمأ هو طين أسود منتن. والمسنون هو المتغير بصب الماء عليه.

  • مرحلة نفخ الروح: هذه المرحلة هي تمثل تلبس الصورة الآدمية بخاصة الإدراك لما حولها, وتعقل الذات لنشأتها, واستعدادها لتلقي الفيض الإلهي من العلوم والمعارف, وتزودها بملكات تعينها على القيام بوظيفتها, وهو ما لم تحط به الملائكة خبرا. فقصّرت أفهامها عن معرفته دون بلوغ حد الإنكار للقصد من وجوده كما عهد عن إبليس فيما اقتص من خبره في القران.

ومرحلة نفخ الروح هي تعبير عن القدرة والانطلاق في مضمار السبق إلى الغاية , وهذه مرحلة التكامل في بعده الانساني المتمثل بالخواص التالية:

  • القدرة على التفكير والتصور: فالقدرة على التصور تفتح أمامه نافذة واسعة ومساحة رحبة يرسم من خلالها ويخطط لحياته في حاضرها ومستقبلها, واستحضار الماضي بما يعينه على فهم ما بين يديه وتخطي ما كان عائقا أمام طموحاته ورغباته. واما قدرته على التفكير فلأنه بهذه الخاصة المجعولة فيه في خط متواز مع قدرته على التصور يصبح قادرا على تحديد أولوياته وتشخيص خياراته, وبهذه الخاصة تميز عن غيره من الكائنات, فهو كما في مقولة المناطقة حيوان ناطق, أي كائن ذو حياة لها الناطقية والافصاح, وبهذا يقدر على التواصل مع غيره من بني جنسه والتعايش معه. وهو بذلك قادر على خلق نظام يتناسب وحاجاته تبعا لمداركه التي تتطور كلما قطع شوطا في سيره التكاملي في هذه الدورة من الحياة, وهذه الخاصة بما لها من الفاعلية جعلته محور الارتباط بين عالم الملك والملكوت, والقدرة على تلقي المدد الغيبي المتمثل بالرسالات الإلهية والأخذ بالبشرية واخراجها من عالم الظلمة الى عالم النور.  
  • تزوده بالجوارح والأعضاء كوسائط بينه وبين المحيط الذي يعيش فيه, ولولا ذاك لأمسى وجوده سالبا بانتفاء الموضوع كما يقال, ولانتقضت الحكمة من جعله. لكن الله جلّت قدرته وتعالت حكمته وضعه في أحسن تقويم.
  • تاريخ الفلسفة العربية. جورج صليبا. ص71
  • مختار الصحاح. الجوهري. ص368
  • الحجر/26

( إن القران يحكي لنا قصة موسى وهارون حين توجها بأمر من الله إلى فرعون وقومه ليدعواهم إلى توحيد الله وعبادته. ومن خلال تلك القصة يسال فرعون عن الخالق الذي يدعوان إليه قائلا: فمن ربكما يا موسى) فيجيب موسى (ع):ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى!!!)(1)..

  • امتلاكه المعرفة الفطرية الوجدانية التي أهلته ابتداء للتمييز بين الحق والباطل إجمالا, بما له من ارتكاز معرفي. وهذه المعرفة تتم بطريقتين:-

أولا- إدراك القدرة اللامتناهية.

ثانيا- ربط العلة بالمعلول.

فهاتان الطريقتان تقتضيان المعرفة القبلية (البديهية) لظاهرة الإدراك الحسي والعقلي, كمعرفة أن الواحد نصف الاثنين ,وأن كل موجود مفتقر في وجوده إلى ما هو علة له وسبب لكمال وجوده. وأن تحقق ذلك شأن من بيده تدبير العالم وإفاضة الحياة على ما دونه في عالم الإمكان.(هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا)(2).

إذ أن أي معرفة لا تستند إلى هذين الأصلين فإنها تنتهي إلى نتائج كارثية في الهرم المعرفي للإنسان وبالتالي تخبطه في دياجير الحيرة والضلال.

وهذه المعرفة الفطرية هي البصيرة التي تشع في باطن الإنسان كالضوء الذي يتلمس به الإنسان الطريق بقصد الوصول إلى معرفة كنه ذاته وصلته بخالقه من جهة, وهذه الصلة المعرفية من حيث الإجمال لها ما يسانخها في عالم التفصيل من جهة أخرى لأن حيثيتهما واحدة. وهي ما يعبر عنها بالوحي المتمثل بالكتب السماوية النازلة على الأنبياء, انسجاما مع التدرج البياني لمستوى المعرفة البشرية ومقدار أهليتها من جهة اعتبارها ممهدة لما بعدها في سلم الارتقاء المعرفي لمدارك المجتمعات البشرية وقابليتها على التناغم مع هذه الأطروحة السماوية بما لا يتعارض ومقتضيات الحاجة التي تلبيها الرسالة من حيث الزمان والمكان, رغم حالات الرفض التي تكون ردة فعل طبيعية لكل ما هو غير مألوف, خاصة أذا ما تعارض ذلك ومصالح النخبة التي ترى في هذه الأطروحة تحديا لوجودها وامتيازاتها. وهكذا نجد أن الذروة في هذا الارتقاء تتشخص في رسالة الإسلام كخاتمة للأديان واستيعابا لكل الحاجات الروحية والفكرية على أوسع ما ينفتح عليه العقل البشري , وأرحب مدى يمكن للنفس البشرية أن تنطلق في مضماره. (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(3)..

وبعبارة أخرى.. إنَّ الله فطر الناس على التوحيد والإيمان به وجدانا دون الحاجة إلى معرفة تفصيلية ابتداء في هذا الباب. ويلاحظ هنا إن بساطة المعرفة التوحيدية أمر ضروري في اعتبار الإنسان موحدا, لان هذه المعرفة هي المرتكز الأساس في تشخيص الضوابط المعرفية المرتبطة بدائرة التوحيد سواء ما كان مرتبطا بالأسماء والصفات أو الذات والأفعال ونحو ذلك.. فــ (هذا الإدراك هو الأساس

  • الطفل بين الوراثة والتربية. ج1. ص169
  • الانسان/1
  • الروم/30

 

 الأول للتدين , ولقد عرف الأنبياء هذه الحقيقة المجهولة باسم (الله). (إن العقل الرشيد والفكر السليم لا

يشك أبدا في إن من المستحيل أن يوجد هذا الكون الفسيح مع هذه الآيات الواضحة والشواهد المتقنة ,

مع هذه النفوس الناطقة والعقول المفكرة نتيجة للصدفة العمياء الجاهلة, ذلك أن الصدفة العمياء لا تستطيع أن توجد نظاما دقيقا وبناء قويما, وهذا في نظري أكبر شاهد على وجود الله). (من رسالة لداروين إلى عالم ألماني عام (1873)(1).

ثم يعقب الأمام بعد إشارته إلى ما زوّد به ادم من قدرات وإمكانات بقوله: (ومعرفة يفرق فيها بين الحق والباطل). هذه المعرفة الفطرية هي التي أشرنا إليها سابقا, والتي يدرك من خلالها قبح الأشياء وحسنها, لكونها متأصلة فيه وجدانا, فالإنسان لو خلّي وطبعه واستكان إلى فطرته بعيدا عن كل ما يشوه ذلك النقاء والصفاء الداخلي لبصيرته لما حاد عن طريق الحق, (كل مولود يولد على الفطرة ,فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه)(2). والفطرة هنا هي المعرفة. (وعن زرارة قال: سألت أبا عبدالله ع عن قول الله عز وجل: فطرة الله التي فطر الناس عليها قال: فطرهم جميعا على التوحيد)(3) وهذه المعتقدات إنما وردت على سبيل المثال لا الحصر. باعتبار أنّها كانت تمثل أبرز الأديان السائدة يوم ذاك. والتي اصطبغت تعاليمها بصبغة الانحراف لاحقا, وداخلها من ألوان الشرك ما جعلها غير جديرة بأن تكون المنهج الذي ينشده الإنسان طريقا إلى حياة لا تشوبها شائبة من زيغ أو ضلال. فالمعرفة الفطرية تستبطن قوتين فاعلتين ومؤثرتين في حياة الإنسان: (وجدانية توحيدية ووجدانية أخلاقية). فالأولى تتمثل في إدراك الناس على اختلاف طبقاتهم تلك الحقيقة المجهولة اللا متناهية , تلك القوة الموجودة في باطن كل فرد: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)(4). أما الوجدانية منهما فهي عبارة عن القوة المودعة المدركة في باطن كل فرد, والتي تميز بين الخير والشر.

قوة يدرك بها كثيرا من الأمور الصالحة والفاسدة من دون حاجة إلى معلم أو مرب, أو كتاب أو مدرسة..

بيد أن حاجة الإنسان لا تقف عند هذا الحد, إذ لا بد من توفر مدركات حسية يقدر بها على اختيار ما يتبلّغ به ليشبع حاجاته من المأكل والمشرب , ناهيك عن القدرة على فرز الضار من النافع من المشمومات والمطعومات, والألوان فضلا عن التحسس لما يصيب بدنه من الحر والبرد وغير ذلك. فقد أودع الله في ادم من المرتكزات المعرفية ما أهله ليكون مستشرفا بها على باقي الموجودات من خلقه تعالى. فكأن الإنسان عبارة عن سجل الهي خط فيه كل ما له صلة بهذا الكون الفسيح الذي لا يدركه بحواسه فقط, ولكن بعقله وخياله إلى حيث ما شاء .

والسر في ذلك يبينه الإمام يعود إلى أنه:

  • معجون بطينة الألوان المختلفة.
  • الطفل بين الوراثة والتربية. ج1. ص313
  • صحيح البخاري. ج1. باب ما قيل في أولاد المشركين. ح1330
  • أصول الكافي. ج2. ص11 4- الشمس/7-8  

 

  • والأشباه المؤتلفة.
  • والأضداد المتعادية.
  • والأخلاط المتباينة من الحر والبرد والبلّة والجمود.

وجاء في شرح النهج لابن أبي الحديد ما ملخصه: (إن المراد من قول الإمام:معجونا بطينة الألوان المختلفة) قائلا: إنه عليه السلام قد فسر ذلك بقوله: (من الحر والبرد والبلّة والجمود) ومراده بذلك المزاج الذي هو كيفية واحدة حاصلة من كيفيات مختلفة قد انكسر بعضها ببعض. وقوله (معجونا) صفة إنسانا, والألوان المختلفة, يعني الضروب والفنون, كما تقول :في الدار ألوان من الفاكهة)(1).

وكلمة (معجونا) هي في غاية الدقة العلمية التي تعتبر جامعة مانعة لكل ما اشتمل عليه الإنسان من الكيفيات المتوافقة والمختلفة, والتي هي المحرك والباعث لما عليه من طبائع وميول. وإن شئت فقل هي المبادئ والأصول النفسية التي جبل عليها لتكون مصدر انفعالاته وسلوكياته, وهي بذلك تعبر ابلغ تعبير عن تأصل هذه المدركات الحسية والمعنوية فيه…

ب- عملية الخلق في النشأة الثانية:

المقطع الثاني من الخطبة (83) يبين فيه الإمام (ع) عملية الخلق بمراحله التطورية التي تبدأ من كونه(من سلالة من ماء مهين) ونجد بين عبارات هذا المقطع والذي يليه ترابطا وثيقا من حيث الأجمال والتفصيل, أو من حيث التأكيد والتفسير. وهو ما قد يفسر على أنه تكرار , والحقيقة أن الإمام إنما كان يتعرض لمثل هذه المسائل طبقا لمقتضى الحال, لأنه كان يهدف كما بينا إلى تحقيق الغايات التربوية أولا وآخرا. فهو لم يكن بصدد عرض تفصيلي  لبيان وظائف وخصائص أعضاء الإنسان وتشريحه كما يفعل أهل الاختصاص من خلال البحوث التجريبية في المختبرات وغيرها, ومن هنا جاءت أحاديثه مقتضبة في مجملها ولكنها مع ذلك اشتملت على كليات من الحقائق العلمية التي لم تكن معروفة في زمانه والى عهد قريب من العصر الحديث.

وبالمقارنة بين المقطعين نجد ما يلي:

أولا: في قوله (أم هذا الذي أنشأه في …) يلفت الإمام نظر السامع إلى ما هو غافل عنه من حقيقة كنهه وضاّلة خلقته في جنب ما أنشأ الله من أصناف خلقه, ونظير ذلك ما جاء في القران الكريم (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم)(2). ومن ذلك؛

ا-أنه نشأ في ظلمات الأرحام .   ب- وشغف الأستار. ج- وأنه كان نطفة دهاقا. د- ثم أصبح علقة محاقا.

  • شرح النهج. ابن أبي الحديد. ج1. ص99
  • يس/78

بعدها أصبح جنينا كاملا مهيئا للخروج إلى عالم التكليف وأداء الأمانة. وينتقل الإمام بعدها إلى تذكير السامع بما كان عليه بعد خروجه من رحم الأم:

  • أنه أصبح طفلا رضيعا غير قادر على شيء من أمور دنياه.
  • ثم نموه ليصبح وليدا ويافعا. ويترسل الإمام هنا في بيان ما زود به من الجوارح والآلات على غرار ما جاء في الخطبة الأولى.

ثانيا- قوله (ولسانا حافظا وبصرا لاحظا) بيان لقوله(وجوارح يختدمها وآلات يقلبها) فهي من باب الموجبة الجزئية.

ثالثا- قوله (في ظلمات الأرحام) تكرار لما جاء في المقطع (2)

رابعا- قوله (ومضاعفات الأستار) تفسير لقوله (وشغف الأستار). فالشغف هنا ليست واردة لبيان العدد بل أن من المعروف علميا أن الشغاف يطلق على ما يحيط بالجسم , لكن الإمام بقوله (ومضاعفات ) أكد أهمية هذه الشغاف من حيث أن وظيفتها هو حفظ الجنين مما يلحق به من أذى. فهي محط أمان له..

  • قوله :بدئت (من سلالة من طين). والسلالة هي ما انسل من الشيء.(نسل , الانفصال عن الشيء ومنه نسل أذا عدا, ينسل نسلانا إذا أسرع قال(وهم من كل حدب ينسلون) أي يسرعون في حركتهم)(1).

وفيه نكتة لطيفة, وهي أن حيوانا منويا واحدا يجد طريقه من بين ملايين الحيوانات المنوية الذكرية إلى بويضة الأم ليلقحها. وهذا الانسلال فضلا عن دلالته على الارتباط الوراثي بما يحمله من خصائص , فأنه في الوقت ذاته يتضمن نوع حركة خفيفة وخفية معا. وقد أشار الإمام إلى ذلك (جاء رجل إلى علي عليه السلام, فقال: يا أمير المؤمنين كنت أعزل عن امرأتي , وأنها جاءت بولد, فقال علي عليه السلام:-وأناشدك الله هل وطأتها ثم عاودتها قبل أن تبول؟ قال: نعم. قال: فالولد لك)(2).

والسر في ذلك أن الإمام كان يعلم أن ذرة صغيرة من النطفة كافية لأن تلقح بويضة المرأة فتحمل.

(إن الحيامن المنوية قادرة على الاحتفاظ بقابليتها على التلقيح لمدة 48 ساعة بعد الخروج من الرجل. وذلك في وسط قلوي(قاعدي) وتحت درجة حرارة 37 مئوية)(3)

فالحيوان المنوي في الإنسان ينتهي بالنتيجة إلى الأصل الذي منه نشأ ألا وهو الطين. أي الإنسان الأول الذي هو ادم(ع) بدلالة (من) البيانية, وأن هذه السلالة هي من سنخ الأصل الذي كان طينا ثم استحال بنفخ الروح فيه كائنا حيا..

  • مفردات الفاظ القران. ص512
  • الفل بين الوراثة والتربية. ج1.ص98
  • م. ن. ص98

 

ثم يعقب الأمام مبينا نقطة البدء في خلق الإنسان كما جاء في القران بقوله:(نطفة دهاقا),حيث يبين هنا آلية عمل هذه النطفة, ليقدم تفسيرا علميا بلغة أدبية انطوت على أعجاز بلاغي ضم من لطيف المعنى ودقيق المبنى ما لا يخفى على اللبيب. فإن كلمة دهاقا كما أسلفنا تعني التتابع والصب بقوة, مما يلزم السرعة في الحركة, فضلا عن دلالة الامتلاء كما في قوله تعالى(وكأسا دهاقا). فهذه معان ثلاث متحققة بلفظة واحدة, مع الأخذ بنظر الاعتبار أن دلالة الامتلاء متمحضة لمعنى علمي دقيق وهو امتلاؤها من جراثيم الحياة..

ففي مختار الصحاح باب(د ه ق)_(أدهق) الكأس ملأها وكأس (دهاق) ممتلئة)(1). وجاء في معنى (دهاقا) أيضا: متتابعا (دهقها) صبها بقوة. وقد تفسر الدهاق بالممتلئة, أي: ممتلئة من جراثيم الحياة)(2).

ويعطف الأمام على سابقتها من العبارة قوله(وعلقة محاقا).وهي في ما اختزنته من معان دقيقة تحتاج إلى تأمل من القارئ .إذ كيف جمع الإمام كل تلك المعاني التي تحتاج إلى صفحات وصفحات لبيان هذه الحقائق العلمية في كلمات قصار وهو يلقيها على سامعيه من على المنبر دون أعمال فكر ونظر. حيث لا مختبرات ولا جامعات للعلم ولا مناهج… فقد راح يسبكها سبك القلائد للدرر في جيد الحسان؟. أن المتأمل في هذا وغيره مما أثر عنه ينبيك صدق ما قاله فيه النبي (ص) (أنا مدينة العلم وعلي بابها)..

ت- الشواهد العلمية على ما ورد في كلام الأمام (ع):-

في ضوء ما تقدم ذكره من الإشارات التي جاءت في كلام الأمام (ع), فأننا سنشرع ببيان الأدلة العلمية لنبرهن على ذلك السبق العلمي الذي جادت به العبقرية الفذة لأمير المؤمنين, لا بل أمير الإنسانية جمعاء , لأنه خاطب عقل الإنسان أينما كان وفي أي زمان . فقد تجاوز بفكره حدود الزمان والمكان وتخطى كل المقاييس الرتيبة لمفهوم الزمن فاحتضن الزمن بكل حاضره وماضيه ومستقبله مستشرفا أبعاده إلى أقصى ما يستطيع الفكر أن يبلغه وللخيال مهما كان جامحا أن يحيط بتخومه. كان العلم في زمانه – أذا جاز التعبير- لا يتعدى الأغراض الأدبية من فنون الشعر والنثر مع شيء يسير من معارف لا تستقيم أصولها في منهج علمي رصين, بل هي إرهاصات انسكبت روافدها على غير قصد واصطبغت بألوان الخرافة والأساطير فجاءت تلك المعارف متجلببة رداء السحر والكهانة, أو رصد لحركة النجوم بقصد الاهتداء إلى مسالك الطرق وشيء يسير من الطب ليس ألا…

من هنا يتبين لنا أن الأمام كائن متفرد في عالم الإنسانية ونسيج وحده , فهو رجل كل العصور, وهو حاضر بفكره وعبقريته في كل مجالات الحياة. يعيش في أفكارنا وهواجسنا حيا ونموذجا لمثل أعلى لا تعتري صورته الصدأ مهما طال الزمن..

ولنبدأ من قوله (ع):(ومضاعفات الأستار)(وشغف الأستار),لنرى كيف يدلي العلم الحديث بدلوه :

  • مختار الصحاح. ص213
  • فهرس نهج البلاغة. تح. د. صبحي الصالح. ص594
  • إن الأغشية الثلاثة هي نتاج خلايا الأقسام الحاصلة بتعاونها مع بعضها أو مع خلايا جدار الرحم. والتي هي حاصل اتصال النطفة بالبويضة عند التصاقها بجدار الرحم, فتجعل حول الجنين غلافا فوق غلاف فوق غلاف.((أما الغلاف الأول الظاهر الذي يحيط بجميع الأغشية ويسمى(السلى chorion) فتتخذ من جانبه اللاصق بجدار الرحم وسيلة للتغذية الأولية ثم لتكوين المشيمة العجيبة. وتتخذ من جانبه الظاهر غير الملتصق بجدار الرحم وسيلة لوقاية الجنين وحفظه. أما الغلاف الثاني الباطن فتنسجه بعد ذلك تحت الكوريون ليحيط بالجنين إحاطة كاملة من وراء غلاف مائي يحيط بالجنين إحاطة مباشرة ليقيه مع الغلافين الأولين كل صدمة أو رجّة تأتيه من الخارج)(1). وهذا الأخير الذي هو الغلاف المائي هو الثالث من بين الغلافين الأولين. وعلى ضوء ما تقدم فأنها تقوم بستر الجنين والحفاظ عليه من أي أذى خارجي. ومثل هذا لم يكن معلوما في ذلك الزمان. فضلا عن تعدد وظائف هذه الأستار بما يتناسب والغرض من ذلك كتغذية الجنين عبر المشيمة أيضا.
  • أما قوله(ع):(ونطفة دهاقا) فالنطفة هي الماء الصافي قل أو كثر والجمع بالكسر(نطاف).و(نطفان) الماء بفتح الطاء سيلانه)(2). إذن؛ فهذه النطفة من خواصها أنها تسيل, وأنها                 

أولا: تصب بقوة وبتتابع

ثانيا: ممتلئة من جراثيم الحياة

 وبينا أن النطفة يعبر عنها بالحيوان المنوي الذكري. (أن هذا الحيوان المنوي الذكر لخبير ذكي شاطر, وجريء وقح ماكر يا حيران… أنه عرف أن البيضة تنتظره في فم البوق, وأن لا طريق إليها ألا من الرحم..) إلى أن يقول:(لأن طوله عبارة عن 60 جزء من ألف جزء من المليمتر. فعلم أنه أن لم يكن له رأس مكور لم يستطع خرق جدار البيضة… وعلم أنه أن أتاها سابحا رهوا بطيئا, مثل سبحها, فاته الوصول أليها في الوقت المناسب… وعلم أن السبح يكون أسرع أن كان في حركة لولبية… وعلم أن السبح السريع لا يكون إلا بتلبط في الماء… وعلم أن جوهره في رأسه لا في ذنبه…)(3). والسؤال هنا؛ كيف تأتى للأمام أن يدرك هذه الحقيقة التي لم يتوصل إليها أهل الاختصاص إلا بعد قرون من البحث والتجارب التي أنفقوا عليها ما أنفقوا من الجهد والوقت والمال؟.

3- أما الحقيقة العلمية الثالثة, فهي قوله(ع) ((وعلقة محاقا). وإذا ما تتبعنا المراد من قوله (ع) نجد أن هذه هي المرحلة الثانية في النمو الجنيني للإنسان في رحم الأم. وللعلقة معان ثلاثة:

اّ- دودة العلقة وهي الدويبة التي تمتص دم الكائن الحي وتتغذى عليه. فهي أشبه بكتلة هلامية لا يتبين للناظر منها شيء محدد.

  • الشيء المعلق. ومن المعلوم أن دودة العلقة إنما اتصفت بهذا الوصف لأنها تتعلق بفريستها كي
  • قصة الايمان. نديم الجسر. ص382
  • مختار الصحاح. ص666
  • قصة الايمان. ص380

تتمكن من امتصاص دمه, فالتعلق وسيلتها التي تمكنها من الالتصاق بالضحية ومن ثم التغذي عليه.

ج- خثرة الدم.. وفي مادة (خ ث ر) (الخثورة) ضد الرقة وقد (خثر) اللبن بالفتح يخثر بالضم (خثورة)(1). وهذه المعاني الثلاثة كلها متحققة في المرحلة الثانية للنمو الجنيني والتي تتحول فيها النطفة إلى (علقة). والذي يعنينا بيانه هنا والتأكيد عليه ,هو وصف الأمام للعلقة بكونها محاقا. أذن, ما هو المراد من هذا الوصف الذي لم يرد ذكره في القران؟. ولم وصف الإمام العلقة بأنها في حالة محاق؟. فنحن أذا ما تأملنا المعاني الثلاثة التي اشرنا أليها آنفا نجد أن الوجه الأول ينطبق على حيثية مهمة تعكس وظيفة من وظائف العلقة وهي أنها تحصل على غذائها من دم الأم. أما الوظيفة الثانية فتتجلى في تعلق الجنين في مرحلة (العلق) بجدار رحم الأم. وأما الوظيفة الثالثة فهي ظهورها على شكل بقعة ثخينة من الدم أي (خثره). هذه المرحلة عبر عنها الأمام بالمحاق.  وفي مادة(م ح ق) (محقه) أبطله ومحاه وبابه قطع والمحاق من الشهر بالضم ثلاث ليال من آخره)(2). والمحاق في اللغة أيضا ما خفي فيه كل شكل وصورة. فالقمر عندما يختفي خلف الشمس تماما نقول عنه أنه دخل في المحاق فلا يرى منه أي شيء . فوصف الأمام للعلقة بالمحاق برهان علمي على طبيعة هذه المرحلة من النمو الجنيني.

وتشبيهها بخثرة الدم هو وجود كمية كبيرة نسبيا من الدم حاضرة في الجنين, وكذلك فأن الدم لا يقوم بالدوران في هذه المرحلة إلى نهاية الأسبوع الثالث مما يجعله شبيها بخثرة الدم. والفت النظر هنا إلى دقة اختيار الأمام لمفردة المحاق في وصفه للعلقة بلحاظ المناسبة في الرقم ثلاثة والذي شكل قاسما مشتركا بين عدد أيام احتجاب القمر وراء الشمس وبين الأسابيع الثلاثة لمرحلة النمو الجنيني في طور العلقة. فضلا عما يستبطنه اللفظ من دلالة التزامية لحالة الولادة التي تطلق على كليهما. فالقمر يقال عنه بعد خروجه من المحاق أنه ولد وكذا بالنسبة للعلقة وهي في حالة تخلق والانتقال بعد الأسابيع الثلاثة إلى طور التشكل للخصائص العضوية كدليل على الولادة المستمرة شيئا فشيئا…

د- وصف الإمام للأكياس الثلاثة التي عبر عنها القران بأنها (ظلمات ثلاث) بالشغاف. والشغاف هو غلاف القلب. لاحظ كيف أن الأمام أدرك معنى الظلمات الثلاث في القران وهو ليس ما يتبادر إلى الذهن ابتداء مما هو المألوف من معنى الظلمة. لأن الظلمة التي هي في قبال النور أنما تتحقق بلحاظ الظرف المكاني الذي لا يصله الضوء. فجاء وصف الأمام لها دقيقا.

4-ومن الحقائق العلمية الأخرى والتي أشار أليها (ع) :

قوله في الحكمة (8) :(أعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم ويسمع بعظم ويتكلم بلحم ويتنفس من خرم.)

يرسم الأمام (ع) شكلا رباعيا للإنسان من خلال الوظائف البصرية والسمعية والتعبيرية والتنفسية. فهذا الكائن الذي انطوى على أسرار كونية عجيبة لا تجدها في الكائنات الأخرى والتي تشاطره الحياة على سطح هذا الكوكب , حيث استنفر كل إمكاناته ليهيمن على كل ما حوله ويصبح سيد هذا الكوكب بلا منازع .

1-مختار الصحاح. ص170

2-م. ن. ص616

هذا الكائن ما هو إلا كتلة من خلايا عصبية وتركيبة من أخلاط امتزجت وصبّت في هيكل طيني أفاض عليها خالقها سر الحياة وألبسها من نور وجوده صورة تجلت فيها قدرة الخالق وجمع فيها من الأضداد ما ليس في غيره وأفرده بنعمة العقل ليكون أقرب خلقه إليه, وجديرا بعبادته دون باقي مخلوقاته, يصفه الأمام (ع) بأبرز لوازم وجوده المادي الذي أختص به. ومن هذه اللوازم أنه ينظر بشحم . ولكن كيف ؟.

عندما نأتي إلى الأدلة العلمية نجدها تشير إلى ما يلي:

(تتألف العين من ثلاثة أغشية متوالية متراكزة فوق بعضها البعض. أحدها غشاء خارجي ليفي, والثاني غشاء متوسط يحتوي على كثير من الأوعية الدموية كما تجد فيه أليافا عضلية ونسيجا صباغيا, والثالث غشاء عصبي داخلي, وفي كل من هذه الأغشية الثلاثة يمكن تمييز أجزاء مختلفو تماما.) وتستقر العينان في جوفين عظميين كبيرين وتكون المقلتان محميتان مما يخرشهما كالعرق والغبار والضوء الساطع بالحاجبين والأجفان, وهي تؤلف بمجموعها حاجزا دفاعيا مهما, وللأجفان فوق ذلك وظيفة أخرى وهي إبقاء قرنية العين مرطبة باستمرار. ويبطن الأجفان غشاء بالغ الرقة لا يكاد يرى وقد أطلق الأطباء العرب القدامى على هذا الغشاء اسم الملتحمة.

وللملتحمة وظيفتان:

– فهي من جهة تستر القسم الأمامي من العين وتحفظ عليه رطوبته ونداوته.

– ومن جهة أخرى تسهل انزلاق الجفنين على العين وبذلك تبقى العين (مشحّمة) سواء بالإفرازات الدمعية أو بمفرزات تلك الغدد الصغيرة التي تنتج المادة المخاطية)(1).

والاستنتاج الذي أخرج به هنا أنما أورده بتحفظ لاحتمال أن يكون مراده (ع) من كلمة (شحم) غير الإفرازات الدمعية والغدد الصغيرة التي تنتج المادة المخاطية واللتان تبقيان العين قادرة على القيام بوظيفة الأبصار . لأن تعرضها للجفاف يؤدي إلى تعطل مهمتها وبالتالي إلى تلفها وان كانت عملية الأبصار تتم بالية معروفة لدى كل من المّ بشيء من علم التشريح والفسلجة فيما يخص العين. وبنحو لا يرى فيه الآخر لما ذكرنا من علاقة مباشرة بعملية الأبصار, بيد أن هذه العلاقة أنما تتضح من خلال توفير الملتحمة الظرف الصحي الملائم لإدامة الأبصار بشكل سليم , فلعل الأمام (ع) ذكر ذلك على سبيل الجزئية الموجبة , أو كما يصطلح عليه بلاغيا أنه من المجاز العقلي, حيث أطلق الكل وأراد الجزء , وتكمن الحكمة وراء ذلك في أن الأمام (ع) أشار إلى ما هو ظاهر للعيان لأهل زمانه مما لا يكون محل استغراب واتهام , وذلك أن عقول أهل زمانه لا تحتمل ما فوق قدرتها مما ألفته من ظواهر لا تتعداها لضيق افقها وقلة خبرتها في ميدان العلوم التجريبية ما لا يخفى على اللبيب. فجاء قوله تلميحا لا تصريحا. وقد يكون المراد من ذلك فعلا هو الشحم الذي يحيط بكرة العين داخل التجويف الذي يسمى بالحجاج, والذي يتأثر في حال مرض الإنسان فيبدأ بالاصفرار والذوبان كمؤشر على الحالة المرضية مما يؤثر على الأبصار بشكل سليم..      

وأما حديثه عن آلة السمع , فأنه قد سبق عصره – وكم له من السبق ما لا يحصى- إلى حقيقة علميه

  • أطلس جسم الانسان. ص50-51

 

تتعلق ببيان علة السمع والسبب وراء ذلك.

فقد (صور الله سبحانه وتعالى الأذن بإبداع وتناسق متناهي, وبحكمة لا تتجلى إلا له هو سبحانه. فللأذن وظيفتان أساسيتان هما السمع وحفظ التوازن. وتتمثل عملية السمع في تحويل الموجات الصوتية (التي تصل إلى الأذن الداخلية عبر الفتحة البيضاوية من الأذن الوسطى) إلى إشارات كهربائية ومن ثم تبثها إلى مراكز السمع العليا في المخ عبر العصب السمعي). أما كيف نسمع ؟؟ فأن الموجات الصوتية تدخل الأذن الخارجية وتتراكم عبر قناة الأذن وتصل إلى غشاء الطبل والذي يحدث اهتزازا نتيجة لتغير في الضغط. كما تحدث هذه الموجات اهتزازات بسيطة (للعظيمات الثلاثة المتلاصقة وهي المطرقة والركاب والسندان) وهي أصغر عظيمات في جسم الإنسان والواقعة في الأذن الوسطى. بحركتهم هذه تنتقل الموجات عبر النافذة البيضاوية(النسيج الرقيق الخاص بالقوقعة) مما يسبب حركة في السائل الخاص بالقوقعة, وتستثار الخلايا الشعرية فيه, لتتحول الموجات الصوتية إلى إشارات كهربائية تبعث إلى مراكز السمع العليا في الدماغ)(1). وهكذا يثبت الأمام(ع) قبل أربعة عشر قرنا أن السمع أنما يتم بواسطة العظم والذي أشار أليه أجمالا .وليأتي العلم الحديث ليدلي بدلوه عبر التجارب المختبرية ليبرهن على حقيقة علمية خرجت من فم الأمام دون أعمال فكر ونظر ولا تجارب .

أن هذا الغيض من فيض العلوم التي ألمحنا إلى طرف منها ما هو ألا دليل على الروح الكونية التي عاشت في بحر ملكوت الله وهي تتلقى الفيوض الربانية من العلوم اللدنية التي طالما ظلت الأعناق لها خاضعة والقلوب لها والهة تسعى لترشف من نميره العذب ما أثملها عشقا فاحترقت بنوره وهي تحوم في محيط أنواره المتلألئة كالفراش , ولطالما كلّت العقول عن سبر أغواره والكشف عن مكنون أسراره, وأنى لها ذلك؟! لكنها مع كل ما سعت إليه فإن القليل الذي اشتارته من عسله المصفى أمسى الدواء الذي فيه الشفاء من علل الشبهات وسقم الآفات ….

وقد صرفنا الكلام عن باقي حديثه لأن أمرهما واضح للعيان من قبل ومن بعد.

  • أما في وصفه (ع) للقلب كما ورد في الحكمة تحت الرقم (108) فهو الآخر مما يلفت النظر, حيث وصف القلب بأنه معلق بنياط . والناظر إلى الصورة التشريحية للقلب يجده أشبه شيئا بفاكهة الكمثرى وقد تدلت من غصن شجرة. والقلب هو العضو الوحيد الذي تراه محاطا بأضلاع الصدر والرئتين حفاظا عليه من أي ضغط أو أذى خارجي, وهو مع ذلك مستند إلى الشرايين التي تضخ الدم من القلب إلى جميع أجزاء الجسم. وهو بهذه الهيئة التي هو عليها يبدو معلقا تماما, وهذه النكتة العلمية لو نظرنا إليها في حدود العصر الذي عاشه الأمام لكان جديرا بالتأمل من حيث بعد النظر ودقة الملاحظة لكل ما تقع عليه عيناه (ع), ولا عجب , فمن طالع وصفه لطائر الخفاش وللطاووس وغير ذلك مما جاء في نهج البلاغة جدير بأن يتملكه العجب ويخفق قلبه وتهش روحه لروعة التصوير وبلاغة التعبير.(والقلب يتلقى نوعين من الأعصاب التي تنتمي إلى الجهاز العصبي المستقل: نوع يبطئ القلب وتأتي أليافه من الجهاز اللاودي بواسطة العصب المبهم, ونوع يسرّع القلب وتأتي أليافه من الجهاز الودي. ولكن القلب يستمر في ضرباته ونبضاته حتى لو قطعت عنه ألياف النوعين كليهما,
  • أطلس جسم الانسان. ص42-43

 إذ ليس لهذه الألياف ألا أن تعدل من سرعة ضربات القلب زيادة ونقصانا. أما نبض القلب نفسه فهو أمر نابع من القلب ذاته,

 وهذه التلقائية التي يتفرد بها القلب هي إحدى الخصائص المهمة التي يتمتع بها جهاز التوصيل المتخصص في القلب)(1). أن هذه الاستقلالية التي للقلب تكشف عن خصوصية يتفرد بها هذا العضو من بين سائر أعضاء جسم الإنسان. فهو كما أثبت علم التشريح يختلف في نسيجه عن غيره من الأعضاء , لأنه لا يقبل الترقيع والاستبدال بأي جزء منها. ولعل إشارة الأمام (ع) إلى المراد من التعلق هنا كون القلب عضوا لا يتوقف في عمله أصلا على باقي أجزاء الجسم , بل له ميكانيكيته الخاصة به مما يدلك على أنه قد تعلق عن طريق الشرايين والأوردة لحاجة الجسم إليه لا العكس, فهو بهذه الحالة التي هو عليها أنما قد ركب في باطن الإنسان بنحو لو فرض انتزاعه لظل يعمل حتى ولو إلى حين, ولربما لو أودع في ظروف تحافظ على طراوته لظل يعمل إلى أمد غير معلوم , وهذا ما دأب عليه العلماء في زماننا الحاضر حيث سعوا إلى إطالة بقائه نابضا كي يستطيعوا زرعه ثانية في جسم من هو بحاجة أليه. ولا غرابة في ذلك فالعلم يكشف لنا في كل يوم ما هو جديد وجدير بالتأمل , وما كان بالأمس البعيد ضربا من الخيال بات اليوم قريب المنال, وأن دل ذلك على شيء فإنما يدل على عظيم ما أودعه الخالق في الإنسان من قدرات لا حدود لها .

وتزعم أنك جرم صغير     وفيك انطوى العالم الأكبر

الاستدلال بالآيات القرآنية:

مما لا ريب فيه أن الأمام (ع) هو ترجمان القران, وهو القائل (أنا القران الناطق وهذا القران الصامت). فهو ربيب خاتم الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه واله وسلم. ومنذ أن فتح عينيه على الحياة لم يعرف رفيق درب له ولا أخا يشاطره مسيرة الحياة غير النبي (ص) إلى أن التحق بالرفيق الأعلى. وعن هذه الرحلة الرسالية التي قطع أشواطها يقول (ولقد كنت اتبعه إتباع الفصيل اثر أمه, يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما, ويأمرني بالاقتداء به, ولقد كان يجاور في كل سنة بصحراء فأراه, ولا يراه أحد غيري, ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله-صلى الله عليه واله- وخديجة وأنا ثالثهما- أرى نور الوحي والرسالة واشم ريح النبوة)(2). ويدلك هذا النص على سعة ما يتمتع به الأمام من معارف قرآنية أهلته لأن يكون المبرز من بين الآخرين في قدرته على فهم النصوص القرآنية فهما عميقا وأصيلا. وفي ضوء استدلاله بالآيات القرآنية على ما جاء في كلامه حول نشأة الإنسان وما يرتبط بهذه النشأة من لوازم فأننا نورد هنا جملة من الآيات التي ساقها هنا وهناك. ونلاحظ أنه(ع) قد استلهم كثيرا من الألفاظ القرآنية في كلامه على خلق الإنسان , وهو ما سيتضح جليا في الآيات الواردة هنا. ومن هذه الآيات:

  • (يا أيها الناس أن كنتم في ريب من البعث فأنا خلقتاكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى اجل مسمى(3).
  • أطلس جسم الانسان. ص21
  • نهج البلاغة. ص300-301
  • الحج/5
  • (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم- الذي خلقك فسواك فعدلك- في أي صورة ما شاء ركبك)(1).
  • (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين)(2).
  • (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء)(3).
  • (إنا خلقناهم من طين لازب)(4).
  • (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون)(5).
  • (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا واجل مسمى من عنده ثم أنتم تمترون)(6).
  • (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)(7).
  • (ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون)(8).
  • (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمت ثلاث)(9).
  • (أنا خلقناه من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا)(10).
  • (أقرأ باسم ربك الذي خلق- خلق الإنسان من علق)(11).
  • (هو أعلم بكم إذ  أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم)(12)
  • الانفطار/6-8
  • الأعراف/11
  • ال عمران/6
  • الصافات/11
  • الحجر/26
  • الانعام/2
  • الحجر/29
  • السجدة/9
  • الزمر/6
  • الانسان/2
  • العلق/1-2
  • النجم/32

 

13- (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومن كم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون)(1).

  • (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)(2).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • غافر/67
  • المؤمنون/12

 

الفصل الثاني

 اّ- علة خلق الإنسان:

هناك جملة من الآيات في القران الكريم تشير إلى الغرض من خلق الإنسان, وهي قد تتقاطع في مدلولاتها ظاهرا فيما لو نظرنا إليها كلا على انفراد, وهذه النظرة التجزيئية هي التي طالما سببت الكثير من الإرباك في الوصول إلى فهم أعمق واشمل لمقاصد القران .غير أن النظرة الموضوعية إلى القواسم المشتركة للآيات التي تلتقي عند مسألة ما من خلال وضعها في أطار يجمعها من جهة ومن ثم دراسة العلاقة بينها جميعا سيؤدي بالتالي إلى التخلص من حالة الفوضى والتخبط الذي عصف بالكثير من المحاولات التفسيرية هنا وهناك , لذلك فأن الحاجة إلى هذا النوع من التفسير يجب أن يستوحي أسسه وقواعده من ذات المصدر الذي هو موضوع البحث ألا وهو القران الكريم, وهو ما سيثري البحث التفسيري الذي سيشكل رصيدا مهما للأبحاث الفقهية والكلامية والعقائدية وغيرها من البحوث التي تكفل القران ببيانها باعتباره المصدر التشريعي الذي اصطبغ بصبغة الكمال في ما جاء به من لدن حكيم خبير.. وأنا هنا لست في معرض الحديث عن هذا الموضوع على وجه التفصيل , وإنما أردت الإشارة إلى ما له صلة بالبحث إجمالا. فعلى سبيل المثال نرى أن بعض الآيات تشير إلى أن الغرض من خلق الإنسان هو (ليبلوكم أيكم أحسن عملا).قال تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور)(1).وفي آية أخرى نقرأ(وما خلقت الجن والإنس ألا ليعبدون)(2) .ونقرأ في سورة الإنسان قوله تعالى(أنا خلقناه من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا)(3).ونحو ذلك..

فتارة نجد أن القصد من خلق الإنسان هو تمييزه من  خلال عمله وبيان مدى أهليته لمرتبة الإنسانية التي خص بها من خلال ما زود به من الجوارح والقدرات التعبيرية من النطق وغيرها من النعم الوجودية على نحو يرتقي به إلى أعلى درجات التفاضل في سلم الكمالات النفسية, ويضيف إلى رصيده من المعرفة الفطرية ما هو ضروري له في أعمار الأرض التي وكل بالاستخلاف فيها. وفي آية أخرى نجد أن الغاية هي العبادة, والتي توحي بظاهر معناها البدوي خصوص التكاليف الشرعية فضلا عن المندوب منها , فكأن ما سوى ذلك لا مدخليه له البتة في رصيده الاخروي فضلا عن الدنيوي مما يشعر بحالة الفصل بين وجوده في عالم الإمكان والذي يحتم عليه العمل لتامين أسباب بقائه وحفظ نوعه الإنساني ليس ألا, وبين عالم الآخرة. أما الآية الثالثة فهي لا تبين الغرض من نشأته, بل تشير إلى أن خلقه من أمشاج هو لابتلائه فقط. بيد أن أعادة النظر في الآيات اّنفة الذكر وتقييم دلالاتها بنظرة موضوعية تكشف لنا أن العمل هو الإطار الذي يحتوي سلوك الإنسان باعتباره العنوان الشامل لكل مصاديق الظواهر السلوكية التي تصدر عنه, وهذا ما تبينه الروايات التي تعزز النتيجة التي ننتهي أليها من أن العبادة هنا من مصاديق العمل أيا كانت طبيعته, فهو بالتالي يصب في مصلحة الإنسان أكان ذلك العمل من سنخ التوصلي أم التعبدي على حد سواء.

  • الملك/2
  • الذاريات/56
  • الانسان/2

 وبذلك يرتفع التوهم الذي منشؤه التصور الخطأ لمفهومي العبادة والعمل وحصرهما كل في إطاره الضيق من خلال تقسيم غير منطقي وفصل جائر بينهما.. ففي الآية الثانية نجد بين المقصور والمقصور عليه علقة ارتباط كالتي بين العلة والمعلول والسبب بالنتيجة, فهل المراد من العبادة هنا أن تكون من سنخ ما ألفته أذهان غالب الناس من كونها طقوسا وشعائر تمارس بطريقة آلية كل يوم بعيدا عن واقع الحياة كما هو دأب الرهبان والمتصوفة الذين لبسوا المسوح واعتزلوا الدنيا واتكلوا على غيرهم في ما يقيم أودهم؟ وبعبارة أخرى هل المراد من العبادة هنا أن تكون بحيث لا أثر لها في علاقة الفرد بمن حوله؟ وبحيث تنتفي آثارها الوضعية على مستوى العلاقة بين الفرد والمجتمع؟ بيد أن استقراء الشواهد والوقائع تبين لنا أن العبادة منظومة من القيم الإنسانية وخارطة طريق يسلكها الفرد لتنظيم علاقاته على اختلاف مراتبها مع نفسه وخالقه وكذلك مع مجتمعه انتهاء بما حوله من الموجودات. وإذا ما عدنا إلى تمحيص دلالة العبادة هنا نجد إنها تستبطن معنى التذلل أو إن شئت فقل تكتنز معنى التذليل للعقبات التي تعترض الوصول إلى الهدف. ومن ذلك يقال عبّد فلان الطريق فهو معبّد أي صالح للسلوك فيه, ويترشح من هذا المعنى الاستعمالي الذي تعبدنا الشارع به هو لزوم إزاحة كل ما من شأنه أن يعترض طريق الإنسان وحركته التي يحقق بها القرب الإلهي .فقد روي عن الأمام الصادق(ع) أنه قال في تفسير قوله تعالى:(أيكم أحسن عملا)(ليس يعني أكثر عملا ولكن أصوبكم عملا, وأن الإصابة خشية الله والنية الصادقة ثم قال الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل والذل الخالص هو الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد ألا الله عز وجل)(1). ومن هنا يتبين لنا معنى الابتلاء في الآيات السابقة والتي تكون المعرفة من مقدماتها الضرورية. وتأسيسا على ما تقدم فأن العبادة في قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس ألا ليعبدون)(2) هي كل ما يوصل المرء إلى الله على نحو التراتبية في درجات الاستحسان, بلحاظ أن الأيمان له مراتب على أساسها يتحقق التفاضل في درجات الاستحقاق, والذي يرتكز على أساس متين يتمثل بالعقل الذي يخرج الإنسان من حد البهيمية إلى دائرة (ولقد كرمنا بني ادم …. الآية).  كما أن الابتلاء يصبح وبالا على الإنسان ما لم يكن الفرد محصنا بسلاح المعرفة والتي تقتضي ابتداء معرفة الغاية والهدف فتكون مشروطة بها وألا فأنها ستنتهي بصاحبها إلى طريق مسدود. فقد جاء في أصول الكافي ج1/5عن الأمام الصادق(ع) قوله: من كان عاقلا كان له دين ومن كان له دين دخل الجنة. لاحظ كيف يرتب الأمام (ع) بلحاظ مفهوم الشرط بين المقدمة والنتيجة والتي توجد بوجودها وتنتفي بانتفائها. فقد جاء في علة خلق الخلق واختلاف أحوالهم عن أبي عبد الله(ع) قال:(خرج الحسين بن علي عليهما السلام على أصحابه فقال: أيها الناس, إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه, فقال له رجل: يا بن رسول الله بابي أنت)(3). والإمام علي (ع) يرفع بتفسيره الإشكال الذي قد يدور في ذهن المتلقي حول معنى العبادة وهو يبرهن ما ذكرناه من أهمية جعل نهج البلاغة من المصادر التفسيرية إلى جانب السنة النبوية المطهرة وغير ذلك مما ورد في المصادر الحديثية المعتبرة لدى الامامية, فهو في حديثه عن علة خلق الإنسان يشير إلى ثلاثة أسباب وراء خلقه تعالى الإنسان من طين وأنه لو شاء لخلقه من نور يخطف الأبصار ضياؤه ويبهر العقول رواؤه وطيب يأخذ الإنسان عرفه لفعل , ولكن النتيجة لن تكون في صالح الإنسان لأنها ستدفع به إلى التعالي والغطرسة

  • تفسير الأمثل. ج14. ص308
  • الذاريات/56
  • علل الشرائع. الصدوق. باب/9. ص43

والغرور, ولشغل الإنسان بالنظر إلى مثاله غير ملتفت إلى الغاية من خلقه في هذه الدنيا,

ولما بقيت الملائكة في حيرة من أمرها وهي تضع نفسها في دائرة السؤال عن  جدوى هذا المخلوق الذي هو من عنصر غير مألوف في عوالم الملائكة . لكن الإمام (ع) يبين أن الابتلاء سنّة من السنن الإلهية التي لا بد أن تكون هي الطريق إلى نيل الجائزة وهذه من مرتكزات الفطرة الإنسانية التي سارت عليها البشرية وارتضته طريقا في هذه النشأة لتمييز الصالح من الطالح , أذن فلا غرابة من هذا الاختبار الذي جرى هناك للملائكة من جهة ولإبليس من جهة أخرى والذي أدى في نهاية المطاف إلى التمييز بين سنخين من الموجودات؛ النورانية وهي الملائكة والنارية وهي إبليس وكذا جرى الحال مع ادم الذي هو من طين.. وهذه السنة الإلهية التي دأبت عليها البشرية في مسيرتها الحضارية هي الأخرى تقوم على قاعدة الابتلاء تحقيقا لما أشار إليه الإمام (ع) في المقطع (4) من الخطبة (192) من أن الغرض هو:

  • التمييز بالاختبار لهم.
  • نفي الاستكبار عنهم.
  • أبعاد الخيلاء منهم.

والتمييز هو التمحيص وفرز من له أهلية الاتصاف بصفة الإنسانية من حيث اقتضاؤها وجوب المعرفة ولو بأبسط درجاتها مما تكون سببا لتحقق العنوان(كن عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابعة فتهلك).

أما الاستكبار والخيلاء فهما صفتان مذمومتان, إذ هما من أثار الشعور بالنقص وكما قال الإمام(ع):(ما تكبر احد ألا لذلة في نفسه) وهذا ما يشير إليه علم النفس الحديث بعقدة الحقارة. فمن خلال هذا الشعور يمارس الفرد عملية الإسقاط النفسي حيث يشعر نفسه الكمال الموهوم ويلقي بنواقصه على غيره. والكبرياء بمنزلة المجهر الذي يكشف ما خفي على الآخرين رؤيته, وكذلك الشعور بالخيلاء وهو الإحساس بالفخر المزيف. (قال أبو جعفر (ع): عجبا للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة ثم يعود جيفة, وهو ما بين ذلك لا يدري ما يصنع به)(1).

وهو مع ما عليه من طبيعة النشأة تراه يمشي في الأرض مرحا وهو يتقلّب بين حال السقم تارة وحال الصحة أخرى , فهو(مكتوم الأجل, مكنون العلل, محفوظ العمل, تؤلمه البقة, وتقتله الشرقة, وتنته العرقة)(2). فكيف أذا صيغ على النحو الذي ذكره(ع)؟ أذن لاستغنى بزعمه عن خالقه لما يراه من صفة الكمال في خلقته , ولكن الله عز وجل أراد لعبده ما يصلحه وينفعه فكان بالشاكلة التي هو عليها دليلا على أن الله (أحسن الخالقين) وأنه قد خلقه(في أحسن تقويم)..

ب- اختلاف الناس في طبائعهم:

لا شك أن الاختلاف والتباين في ما يصدر عن الناس من أفعال وأقوال يمثل صورة من صور النشاط

  • أصول الكافي. ج2. ص90
  • نهج البلاغة. ح419. ص550

 الإنساني الذي يعكس تباين القدرات والقابليات النفسية والفكرية, والتي من خلالها تتضح الفروق الفردية , ومن ثم أثرها في تحديد مستوى ما يملكه الفرد من معايير قيمية تضاف إلى رصيده الذي هو بالنتيجة ينعكس سلبا أو إيجابا على مجمل علاقاته مع المحيط الذي ينتمي إليه. وهو ما بينه الأمام (ع) بقوله(قيمة كل امرئ ما يحسنه).

غير أن الرصيد القيمى والمعرفي قابل للزيادة والنقصان إذ هما يجسدان حالة الأيمان لدى الفرد ودرجة الوعي الذي يسترشد به في أية خطوة يخطوها, مع الأخذ بنظر الاعتبار أثر العوامل الوراثية التي منشؤها الكيفيات التي تصدر عن ظاهرة التناسب في العناصر الطبيعية لأصل نشأة الإنسان, وهو الجانب البيولوجي, وهذه النسب التي تتباين مقاديرها وتتفاوت هنا وهناك تظل سارية المفعول عبر انتقالها من خلال المورثات الجينية في الإنسان, حيث تتدخل العوامل البيئية والاجتماعية والنفسية في تعديل هذه النسب فتسبب قدرا من الاختلالات الفسلجية في بنية الكائن الحي وهو ما سيترك أثره على ردود الأفعال التي تصدر عنه تجاه أي حدث أو موقف قد يغير مسار حياته أما نحو الأسوأ أو الأفضل.. والقران الكريم أشار إلى هذه الحقيقة: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم أن في ذلك لاّيت للعالمين)(1).فاختلاف الألسنة هو اختلاف في طرائق التفكير لا مجرد اختلاف آلية تركيب الجمل ونوع المفردات التي هي تعابير إشارية ترمز إلى فكرة أو موضوع خارجي فقط. بل هو تعبير عن فرق في المستوى الحضاري بكل ما يشتمل عليه من نشاط أنساني على كافة الصعد. والأمام علي (ع) يعزو الاختلاف في طبائع الناس إلى التباين في الكيفيات التي تتأثر بمقدار ما هو متوفر من نسب العناصر في هذا الفرد أو ذاك.. (وهذا التصنيف يتناول أشكال الأمزجة للآدميين: من حيث صلتها ببنية الشخصية, مثل: التصنيف الإغريقي المعروف للأمزجة الأربعة: الدموي ,الصفراوي ,البلغمي , السوداوي .وكالتصنيف الحديث لأشكال ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية : يحاول الباحثون من خلالها إيجاد الصلة بين التركيب الجسمي والمزاج: وهذا من نحو إيجاد الصلة بين (الشكل الجسمي للبدين) وبين ميل صاحبه إلى الانطواء, الكآبة,…وهكذا)(2). لكن الأمام (ع) يبني وجهة النظر الإسلامية هنا في تفسيره لظاهرة الاختلاف استنادا إلى عاملين أساسيين هما: درجة التقارب بين أصل المنشأ من حيث تقارب النسب لكل عنصر عند زيد أو عمر, وهو ما يشكل الأرضية المناسبة للتاّلف والانسجام والتوافق في الأمزجة والأفكار, وعلى الضد من ذلك عندما يختلف أصل المنشأ وتتباين النسب بحيث تتفاوت الخصائص النفسية فتسبب قدرا من الاختلاف في الأمزجة وبالتالي تؤدي إلى النفور والقطيعة. وهذا التقارب من جهة والاختلاف من جهة أخرى ينتجان لنا فروقا في الخصائص الجسمية التي تعكس الطابع العام للمزاج النفسي وأثره في سلوك الفرد, فهو(ع) يصنف ذلك إلى:

أولا: تام الرواء, ناقص العقل.

ثانيا: ماد القامة, قصير الهمة.

ثالثا: زاكي العمل, قبيح المنظر.

رابعا: قريب القعر, بعيد السبر.

  • الروم/22
  • الإسلام وعلم النفس. س105

 

خامسا: معروف الضريبة, منكر الجليبة.

سادسا: تائه القلب, متفرق اللب.

سابعا: طليق اللسان, حديد الجنان.

أذن؛ فالمبادئ التي هي الأصل في نشأة الإنسان والتي هي الفلقة المكونة من سبخ أرض وعذبها, وحزن تربة وسهلها, والتي من خلال تقارب نسبة كل عنصر أو مبدأ كما يسميه الإمام(ع) واختلافه سيؤدي بالنتيجة إلى هذه الأصناف السبعة للأمزجة النفسية والخصائص الجسمانية . ونجد أن كل واحدة منها يشير إلى ظاهرة سلوكية تختلف عن غيرها, وهذه الظواهر النفسية تنعكس كما قلنا على سلوك الفرد وتحدد قوة علاقاته الاجتماعية أو ضعفها تبعا لمدى تأثيرها سلبا أو إيجابا. وهذا النوع من التصنيف الذي يربط بين البنية الجسمية والمزاج تبعا لخاصية المبدأ الذي يغلب على الفرد قد وردت حوله ملاحظات تذهب إلى مثل هذا التصنيف وتتبناه كما جاء عن الإمام الصادق(ع):(خمسة خلقوا ناريين: الطويل الذاهب, والقصير القميء, والأزرق بخضرة والزائد الناقص)(1). ويلاحظ هنا أن الإمام(ع) وعبر عرضه لثنائية العلاقة بين الظواهر الجسمانية والنفسية وعلى نحو السبب والنتيجة لا يحدد العلاقة بينها بطريقة التقابل المجرد, بل نجد أن الظواهر النفسية تتخطى الحاجز الرباعي للعلاقة بين طرفي المعادلة, وكما ذهب إليه الأقدمون من التفسير الصوري لهذه العلاقة, فهو(ع) يشير بطريق ضمني إلى أثر العوامل البيئية لما قبل وبعد دور الولادة في تعدد الظواهر النفسية, ومن ذلك أشارته إلى ظاهرة الاكتساب التي منشؤها العوامل البيئية أو الوراثية التي تتأثر بأنماط السلوك الاجتماعي والاقتصادي وغيره وهو ما يلعب دورا بارزا في حياة الإنسان وهو في طور تكوينه الجنيني. ومن ذلك السلوك المكتسب والذي يصدر عن الفرد بخلاف طبيعته وسجيته, في إشارة منه إلى الظاهرة الخامسة والتي بين فيها كيف أن الإنسان يتصرف أحيانا على خلاف المألوف من طبعه, فهو معروف الضريبة, والمراد بالضريبة هنا الطبع والسجية , وأما الجليبة فهو من باب الفعل جلب والجلب هو الإتيان بالشيء من بعيد, ومنه يقال للبضاعة أذا جلبت إلى السوق بقصد الاكتساب بها.. فالإنسان لو خلي وطبعه سنجده يتصرف وفق محددات من الدوافع تأخذ دورتها في نمط ثابت تحت أي ظرف كان لتميزها  بالثبات والاستقامة, بيد أنها تتخلى عن طورها بسبب تأثرها بالعوامل التي أشرنا إليها سابقا فتنحرف عن مسارها, فإذا بها تسلك مسلكا غير الذي هو من طبعها, أو أنك تجد على مقتضى الظاهر عجزا في همة الفرد مما لا يتناسب والمظهر الذي عليه , فهو حسن المنظر والهيئة لكنه ناقص العقل, أي أن سلوكه لا يتناسب مع جمال طلعته ولطافة مظهره, أو ذاك الذي قد أسرف في طول قامته لكنه قد قعدت به همته عن بلوغ مراده, ولاحظ كيف أنه(ع) يرسم مفارقة على نحو الطباق كما يقول البلاغيون بين الطول والقصر, وبين المعروف والمنكر, والضريبة والجليبة, وبين الجنان واللسان, وطليق وحديد, وزاكي وقبيح ,وأيضا أشارته إلى العلاقة بين القلب واللب, أي العقل. فالإنسان الذي يكون غير منضبط العواطف والمشاعر لا يكون قادرا على التفكير باتزان, ومن هنا تتضح العلاقة بين الفكر والانفعالات النفسية التي تطغى على الفكر فتصبح الرؤية مشوشة وغائمة, وهي ما تجعل قدرة

  • الإسلام وعلم النفس. ص122

 

الإنسان على اتخاذ القرار الصائب محكوما بالفشل,

 وكذا بين القريب والبعيد, والقعر والسبر, (قريب القعر, بعيد السبر) والقعر هو عمق الشيء ويريد به قعر البدن, أي أنه قصير الجسم لكنه داهي الفؤاد. والسبر هو النظر في عمق الشيء ومدى ما ينتهي إليه وهو هنا استعارة للنفاذ إلى عمق المسألة واستشراف ما وراءها والإحاطة بها من جميع جوانبها.

وهذه الثنائية في العلاقة بين الظواهر تتكرر عند الأمام(ع) كذلك لدى حديثه عن الأحوال التي تعرض على القلب وأيضا عندما يشير إلى جملة من الظواهر التي تتكشف في حال الاحتضار, وهي تمثل امتدادا لمسيرة الإنسان ابتداء من عالم النشأة الأولى والى ما بعدها من النشاّت التي يعبر عنها الأمام بالأطوار, وهو ما سنعرض له في الفصل الثالث من هذا البحث…     

 

 

   

الفصل الثالث

ا- القيم الأخلاقية والإنسانية وثنائية الظواهر النفسية  :

في حديثنا عن البعد المادي للإنسان أشرنا إلي الأبعاد العلمية التي وردت في كلام الإمام(ع) في نهج البلاغة, ومنها تعليقنا على ما ورد في الحكمة (108)والتي تكلم فيها عن القلب, وإتماما للحديث سنشرع هنا ببيان الظواهر النفسية التي تنشأ عن طبيعة القلب ودوره في توجيه سلوك الفرد وما ينتج عن ذلك من قرارات تؤثر في حياته الفكرية والوجدانية على حد سواء. فقد جاء في كلامه(ع):(لقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب ما فيه: وذلك القلب. وذلك أن له مواد من الحكمة وأضدادا من خلافها؛ فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع, وأن هاج به الطمع أهلكه الحرص, وإن ملكه اليأس قتله الأسف, وأن عرض له الغضب اشتد به الغيظ, وأن أسعده الرضى نسي التحفظ, وإن غاله الخوف شغله الحذر, وإن اتسع له الأمر استلبته الغرة, وإن أفاد مالا أطغاه الغنى, وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع, وإن عضّته الفاقة شغله البلاء, وإن جهده الجوع قعد به الضعف, وان أفرط به الشبع كظّته البطنة, فكل تقصير به مضر, وكل إفراط له مفسد). وقد أوردنا النص بطوله لأنه موضع الحاجة بتمامه.

يعبر الإمام(ع) هنا عن دهشته وتعجبه من هذا العضو الذي يختلف تماما عن جميع أعضاء الجسم على صغر حجمه وخفة وزنه. فهو من جهة معلق بالنياط التي هي كناية عن الشرايين بلغة العصر الحديث. وهذا العضو فضلا عن ذلك له نوع استقلالية في وظيفته من حيث قدرته على النبض معزولا عن البدن, فهو يتمتع بميكانيكية خاصة تنبع من داخله, هذا من جانبه الفسلجي, أما من جانب آخر فهو مجمع الفضائل والرذائل بما احتواه من خاصية التناقض في الأصول النفسية التي تصدر عنه. فالقلب له مواد من الحكمة وأضداد من خلافها. فهو تارة يسلك بصاحبه إلى طريق الورع والتقوى, وتارة أخرى إلى مهاوي الضلال والخطايا عندما ينفلت من عقاله ويتمرد على سلطانه وهو العقل. لذلك كان بحاجة إلى ما يوجهه ويضبط إيقاعه عن الخروج عن جادة الصواب ويزن درجة انفعاله وتأثره, فكان العقل السائق الذي يسوسه ويتحكم بأعوانه وجنوده من المشاعر والعواطف التي تضر بصاحبه..

والإمام علي(ع) يشخص الظواهر السلوكية التي تقف وراءها (الأصول النفسية) والتي أطلق عليها هنا بالمواد من حيث مدلولها الايجابي والسلبي. وأنها هي التي تقف وراء ما يصدر عن القلب من نوازع نفسية وظواهر سلوكية. ويرسم الأمام(ع) مشهدا لثنائية الظواهر النفسية التي تضع الفرد بين أمرين لا ثالث لهما, حيث تتنازعه أهواؤه فتسلمه إلى الإحباط,  وهذه الثنائية في الظواهر السلوكية يعرضها الأمام وفق سياقاتها السببية التي تؤدي قهرا إلى لوازمها من الظواهر النفسية. فتراه أبدا بين مد وجزر لا يستقيم على حال, وما ذاك إلا لأنه في نقص دائم مهما سعى إلى سد الخلل في حاجاته النفسية والمادية وهذا ما ينحو به إلى الإفراط تارة والى التفريط تارة أخرى. لاحظ فيما يلي كيف يقابل الأمام (ع) بين الظواهر النفسية وأثرها في سلوك الفرد:

  • الرجاء سبب للطمع وبالتالي ينتهي به إلى الحرص والذي يشغله عن حقيقته الإنسانية.
  • اليأس: والذي يؤدي به إلى الأسف القاتل
  • الغضب: حيث يزيد فيه الشعور بالغيظ والحقد
  • الرضى: يجعله ينسى نفسه ويتخلى عن الحيطة والحذر
  • الخوف: يؤدي به إلى القلق والبحث عن الطمأنينة والتعلق بالأسباب الباعثة على السكينة والهدوء.
  • الشعور بالاستقرار والراحة: ينتهيان به إلى الغفلة واللامبالاة.
  • الإثراء:  يدفعه إلى البطر والطغيان كما في قوله تعالى (أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى/العلق-5-6).
  • المصيبة: تدفعه إلى الجزع وانفلات المشاعر.
  • الفاقة: تجعله في حال لا يحسد عليها, لأن الفقر قرين الكفر.(كاد الفقر أن يكون كفرا) (إذا حل الفقر ببلد قال الكفر خذني معك).
  • الجوع: مشكلة العصر الحديث والتي ابتليت بها الشعوب المغلوبة على أمرها رغم ما تتمتع به من ثروات لا نصيب لها فيه, والنتيجة الحتمية هي العجز وفقدان القدرة على القيام بأي نشاط أو عمل..
  • الإفراط بالشبع: يسبب له آلاما لا تطاق في معدته تؤدي به إلى الهلاك.

ومما تقدم نجد أن هذه الثنائية تتمحور حول بيان العلاقة السببية بين الفعل ورد الفعل, أي بين الظاهرة النفسية وما ينتج عنها من ردود أفعال سلوكية. وينبغي التأكيد هنا أن الأمام (ع) لا يقابل هنا بين الأصول النفسية من حيث السلب والإيجاب, أي بين الخير والشر كما يعبر. فهو هنا بصدد بيان ما يطرأ على القلب من عوارض نفسية تبعا للرسائل والإشارات التي يتلقاها القلب, وهي أمور نفسية محضة.. وأود قبل أن اختم الكلام على هذه النقاط أعلاه , أن أبين أن الجوانب الحكمية من حيث دلالاتها الايجابية ليست مورد البحث هنا, لأننا التزمنا الحديث طبقا للنصوص موضوعة البحث فقط من حيث توفرها على ماله صلة بالبحث, وتماشيا مع السياق حيثما وجد. لهذا لم نوسع نطاق البحث ولم نتجاوزه إلى نصوص أخرى بقصد المقارنة مع ما يناظر الظواهر النفسية اّنفة الذكر في بعدها الايجابي..

ب- من المهد إلى اللحد (ثنائية الحياة والموت).

تمتد دورة الحياة الإنسانية عند الأمام إلى ما بعد الموت , حيث يمر بأطوار متعددة بدء من لحظة التخلق وانتهاء بالعوالم البرزخية التي تلقي فيها النفس الإنسانية الرحال بعد مسيرة من المخاضات ليواجه مصيره المحتوم أما روح وريحان وجنة نعيم, وإما نزل من حميم وتصلية جحيم. ووفق الخط البياني الذي يرسمه الإمام لهذه المسيرة فأنه يمكننا أن نقسمها إلى سبعة أقسام كالآتي:

  • أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام ,وشغف الأستار, نطفة دهاقا, وعلقة محاقا, وجنينا وراضعا, ووليدا ويافعا.

1-العلق/5-6

  • ثم منحه قلبا حافظا, ولسانا لافظا, وبصرا لاحظا, ليفهم معتبرا, ويقصر مزدجرا.
  • حتى أذا قام اعتداله, واستوى مثاله, نفر مستكبرا, وخبط سادرا, ماتحا في غرب هواه, كادحا سعيا لدنياه, في لدات طربه, وبدوات أربه, ثم لا يحتسب رزية, ولا يخشع تقية.
  • فمات في فتنته غريرا, وعاش في هفوته يسيرا, لم يفد عوضا, ولم يقض مفترضا.
  • دهمته فجعات المنية في غبّر جماحه, وسنن مراحه, فظل سادرا, وبات ساهرا, في غمرات الآلام, وطوارق الأوجاع والأسقام, بين أخ شقيق, ووالد شفيق, وداعية بالويل جزعا, ولادمة للصدر قلقا, والمرء في سكرة ملهثة, وغمرة كارثة, وأنّة موجعة, وجذبة مكربة, وسوقة متعبة.
  • ثم أدرج في أكفانه مبلسا, وجذب منقادا سلسا, ثم ألقي على الأعواد رجيع وصب, ونضو سقم, تحمله حفدة الولدان, وحشدة الإخوان, إلى دار غربته, ومنقطع زورته, ومفرد وحشته.
  • حتى أذا انصرف المشيّع, ورجع المتفجع, أقعد في حفرته نجيا لبهتة السؤال, وعثرة الامتحان, وأعظم ما هنالك بلية نزول الحميم, وتصلية الجحيم, وفورات السعير, وسورات الزفير, لا فترة مريحة, ولا دعة مزيحة, ولا قوة حاجزة, ولا موتة ناجزه, ولا سنة مسلية, بين أطوار الموتات, وعذاب الساعات! أنا بالله عائذون!..

  لا أظن أن المشهد الذي رسمه الإمام(ع) يحتاج إلى تعليق. فهو الذي يأتيك من سبأ بنبأ يقين, ويوقفك على حقيقة ما لم تره عيناك ولم تسمعه أذناك, بل هو يجعلك تعيش هاجس تلك اللحظات وأنت جالس في مكانك تتأمل كل كلمة وكل جملة وهي تتوهج بمعان تجسم لك الأحوال والأهوال كأنها رأي العين. فهل بعد هذا الكلام من كلام؟!..أنه لتصوير تتلاشى دونه كل ما دبجّه يراع المؤلفين وما سطرته أقلامهم, وأين ما رسمه دانتي في الكوميديا الإلهية, أين هي رسالة الغفران للمعري من ذلك؟, وأين هو الفردوس المفقود لجون ملتن؟ وما عسى أن يبلغ علمهم إلى علم من قال (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا). أليس حريا وأجدر أن ندرس أدب الأمام (ع) في نهج البلاغة لنقارن ما جاء في كلامه من تصوير لعوالم النشأة الاخروية لنرى الفرق الشاسع والبون الكبير بين ما كتبه أولئك وما ذكره الإمام(ع) ليعلم الآخرون بأن ما كتبوه في هذا المجال أنما هو(بضاعتنا ردت إلينا), فنحن أحق بها وأهلها, ولكل فضل؟..

ان المشاهد التي يعرضها الإمام(ع) ليست وصفا أدبيا محضا يعكس نتاج خيال محدود يحاول أن يلملم بقايا معرفة اجترها من هنا وهناك ليسكب عليها الكاتب قدرا محدودا من إفرازات متخيلته التي قد تجمح به إلى المبالغة أو النكوص في رسم المشهد مما يؤدي به إلى الإخفاق في أحداث الأثر المطلوب. وعلى النقيض من ذلك, فإنه(ع) لا يزوق المشاهد ولا يضعها في إطار لا يتناسب وطبيعة المشهد, فهو فضلا عن سعيه إلى خلق التأثير المطلوب في نفس المتلقي عبر ضخه لجرعات من المواعظ البليغة, فأنه يحافظ بمنتهى الأمانة على نقل الصورة إلى المتلقي من دون رتوش أو مبالغة. وهو بذلك يحقق الوظيفة على مستوى الأداء الفني وعلى مستوى الموضوع, بحيث نراهما يسيران جنبا إلى جنب في خطين متوازيين ومتصاعدين وصولا إلى الذروة في أحداث التأثير, بنحو لا يدع مجالا للقارئ لكي يضع ملاحظة هنا وتعليقا هناك, فهو يرتقي بعمله إلى مستوى الكمال. ومن هنا قيل (إن كلامه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق)…..

        

الخاتمة

يمكن اجمال النتائج فيما يخص الموضوع على النحو التالي:

  • إن الأمام (ع) كشف عن حقائق لم يتطرق إليها القران الكريم بهذا التفصيل عن نشأة الإنسان الأول اّدم (ع) واّلية ومراحل تكوينه وانتهاء بولوج الروح فيه واستوائه بشرا سويا, بعد أن كان مثالا من طين.
  • أشار الإمام (ع) إلى جملة من الحقائق العلمية في حديثه عن الدور الثاني للنشأة الوجودية , والتي تجلت في الأطوار التي يمر بها بدء من انعقاد النطفة في رحم الأم, وانتهاء بتكونه جنينا حيا إلى تمام مدته. وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول من البحث تحت عنوان الاستدلال العلمي.
  • استدلاله بالآيات القرآنية وتوظيفها بأسلوب بلاغي رائع في الكشف عن هذه الحقائق وتشخيصها وبما ينسجم والمستوى المعرفي لأهل ذلك الزمان بإشارات لطيفة حملت من الدلالات ما لا يخفى على المتأمل. وهي بمجموعها تعد مرجعا مهما في التفسير الذي لا غنى عنه لمن يتوفر على دراسة علوم القران, وغيره من المباحث التي زخر بها نهج البلاغة. وقد أكدنا على ذلك في مقدمة البحث..
  • من خلال استقصاء المقاطع موضوعة البحث, وجدت أن الإمام (ع) يلتزم نهجا موضوعيا من خلال استقرائه لعناصر الموضوع والإحاطة به من جميع جوانبه قدر تعلق الأمر بمناسبة الخطاب. كما هو الحال في تصويره مثلا للنملة والطاووس والجرادة والخفاش وغير ذلك من الموضوعات التي تطرق إليها, وحسب المستزيد دليلا أن يعيد النظر في النهج ليرى صحة ذلك..
  • قدرته الفائقة على تصوير الأمور المعنوية التي ليست في متناول الحس أو تلك الأمور الشهودية في عالم البرزخ, فهي لا تقل روعة عن تصويره للأمور الحسية, وكذلك التدقيق في الجزئيات, والتي كشف بها عن نظر ثاقب ورؤية استشرافية عميقة لبواطن الأمور, وهي تمثل النواة لما يسمى بالمنهج الاستقرائي الذي تطور بتطور العلوم التجريبية.
  • رسم الأمام صورة بانورامية لمسيرة الإنسان الوجودية من المهد إلى اللحد, كاشفا بذلك عن حقائق ليست ظاهرة للعيان, وهي إن دلت على شيء أنما تدل على عمق بصيرته ونقاء جوهره وصفاء روحه التي لم تكن تسبح إلا في ملكوت الله متلقية عنه من فيضه ما جعله مصداقا أوفى لقوله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله)(1). وقد ألمعنا إلى أهمية هذا النص على قصره بالمقارنة لتلك الأعمال الأدبية التي تناولت موضوع الحياة السرمدية للإنسان لعالم ما بعد الموت, مثل رسالة الغفران للمعري, والكوميديا الإلهية لدانتي, والفردوس المفقود لجون ملتن, والتوابع والزوابع لابن شهيد, فضلا عن غيرها من النصوص الأدبية التي تناول فيها الأمام ذكر الحياة بعد الموت, فهي بمجموعها تشكل مادة أدبية جديرة بالمقارنة..
  • إن ما جاء في نهج البلاغة من حديث حول نشأة الإنسان وغيره من الموضوعات يمثل فتحا علميا لم يأخذ حقه من البحث والاهتمام الكافي, فقد ظل هذا التراث مجهولا من حيث قيمته العلمية, وكان التعامل معه يتم على استحياء وفي حدود المقتضيات الأدبية, فضلا عن التعاطي معه بنظرة الشك في

 

  • البقرة/282

نسبته.

  • وكان الأجدر أن تشكل أبحاثه العلمية نقطة انطلاق للتطور العلمي الذي شهده العالم الإسلامي والعربي إبان العصور الزاهرة للتقدم العلمي في العصر العباسي على وجه الخصوص, لكن السياسة لم تكن يرضي أصحابها يومذاك أن يفوح أريج الفكر العلوي ليطغى على ما سواه فيستولي على قلوب الناس ويأسر مشاعرهم.
  • إن هذا العطاء الثر الذي جادت به عبقرية الإمام الفذة يبقى أولا وأخيرا خير دليل لكل منصف على أنه باب مدينة علم المصطفى(ص) وآله وسلم, وأنه الأجدر من بعده أن يكون للأمة سفينة نجاتها, وعلم هداها, وطريقها المهيع إلى سلوك مدارج الرقي والتقدم لتكون أمة جديرة بالاحترام بين كل شعوب الأرض..

 

 

مصادر البحث

  • القران الكريم
  • ابن أبي الحديد. شرح النهج. ط1. دار الجيل. بيروت. 1987
  • أبو بكر الرازي. مختار الصحاح. دار الرسالة. كويت. 1983
  • د. جميل صليبا. تاريخ الفلسفة العربية. ط2. دار الكتاب اللبناني. بيروت. 1973
  • زكي نجيب محمود. تجديد الفكر العربي. ط4. دار الشروق. بيروت. 1978
  • كمال محمود. أطلس جسم الانسان. سوريا. حلب. 2007
  • الكليني. أصول الكافي. ط1. منشورات الفجر. بيروت.
  • محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. ط1. دار طوق النجاة. تح. محمد زهير بن ناصر الناصر. 1422هـ
  • محمد تقي فلسفي. الطفل بين الوراثة والتربية. ط2. بيروت. 1969
  • د. محمود البستاني. الإسلام وعلم النفس. ط1. مجمع البحوث الإسلامية. 1992
  • نديم الجسر. قصة الايمان. ط3. توزيع دار العربية. بيروت.1969
  • ناصر مكارم الشيرازي. تفسير الأمثل. ط1. مؤسسة الاعلمي للمطبوعات. بيروت. 2007
  • د. صبحي الصالح. نهج البلاغة. ط1. بيروت. 1967
  • الراغب الاصفهاني. مفردات الفاظ القران. دار الكتاب العربي. بيروت. 1973
  • الشيخ الصدوق. علل الشرائع. انتشارات المكتبة الحيدرية.
  • الشيخ الصدوق. عيون أخبار الرضا. مؤسسة الاعلمي للمطبوعات. بيروت. لبنان. 1984
  • المصادر الأجنبية: A brief illustrated Guided to Islam

 

                                                        محمود محمد حسين البياتي

                                                       موصل- العراق/2010