الإفتاء الافتراضي عبر تقنية الذكاء الاصطناعي / د. طه أحمد الزيدي

34

الاجتهاد: قد مرت عملية تقديم المعارف الدينية ولاسيما الفتاوى بمراحل عدة، منها: الشفوي والمكتوب والمسموع والمرئي والإلكتروني، وصولا الآن إلى مرحلة الإفتاء الافتراضي، إذ تصدر الاجابة عن السؤال من قبل جهاز الكتروني يمثل تطبيقا للذكاء الاصطناعي.

ولعل ما يشهده عصرنا من تطورات في التقنيات والأجهزة التي تعتمد على البرمجيات الحاسوبية، تملي على المسلمين (تقنيين وشرعيين) توظيفها في تسهيل تقديم المعارف الدينية إلى من يحتاجها، وهم في تزايد يتطلب سعة وسرعة في التقديم لمواكبة تقارب الزمان وانحسار المكان وارتفاع نمو السكان وزيادة الاقبال على تلقي المعارف الشرعية.

وقد ظهرت برمجيات حاسوبية تتعلق بتخزين وتقديم العلوم الإسلامية، كما ظهرت تطبيقات لهذه العلوم أسهمت في حفظها وسهولة التعامل معها وتوظيفها في البحث والدراسة والتأصيل، يواكبه إنشاء مواقع على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، تقدم خدمات للمتصفحين تتعلق بالإجابة عن أسئلتهم واستفساراتهم.

من أهم وأحدث اسهامات (AI) (1) واليوم يعدّ الذكاء الاصطناعي عصر المعلوماتية والتواصل الرقمي، وقد تم توظيفه في أغلب مجالات الحياة.

ومع جدلية طبيعة التعامل مع مصطلح الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، يبرز التساؤل عن مدى إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في تقديم المعارف الإسلامية ولاسيما في صناعة الفتوى، التي من أشد ما يحتاجها المسلم في تنظيم سلوكياته وضبط تصرفاته على وفق الشرع، وهي مسألة مستجدة إذ لم يدر في ذهن الفقهاء البحث في التكييف الفقهي لآلة تتمتع بذكاء، وتحاكي التصرف البشري وتنجز بعض أعماله المعتمدة على القرار الذاتي.

أهداف البحث:
نسعى من خلال هذا البحث تحقيق الآتي (2) :
– تحديد مفهوم الإفتاء الافتراضي أو الفتوى عبر تقنية الذكاء الاصطناعي
– التكييف الفقهي لتوظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الفتوى.
– بيان الحكم الشرعي للإفتاء الافتراضي وأدلة مشروعيته.
– تحديد الضوابط المتعلقة بهذا التوظيف وتأثيره في صناعة الفتوى.
-ا لتعريف بالجهود التطبيقية لتقديم الفتوى عبر الانترنت وتقنية الذكاء الاصطناعي

منهجية البحث:
إنَّ طبيعة المسألة التي ندرسها، استلزم اتباع أكثر من منهج علمي في البحث يتلاءم مع طبيعة هذه الدراسة فكان المنهجان المتبعان هما التأصيلي والوصفي؛ فالمنهج التأصيلي يؤدي الى تتبع النصوص التي تستند إليها المسألة، وتحليلها للخروج باستنتاجات تساعد على فهمها وتأصيلها وضبطها(3) في حين يرتبط المنهج الوصفي بدراسة واقع تأثيرات توظيف تقنية الذكاء الاصطناعي في تقديم الفتوى، وتفسيرها لغرض الوصول إلى استنتاجات مفيدة، لترشيد هذا الواقع، أو تحديثه، فهماً للحاضر، « أو استكماله، أو تطويره، وهذه الاستنتاجات تمثل يستهدف توجيه المستقبل” (4).

واقتضى منهج الدراسة القيام ايضا بمسح واستقراء للنصوص الشرعية، ولأهم الآراء والأحكام التي وردت في مصادر التشريع والمراجع العلمية المعتمدة، وتحليلها لتحديد ضوابط الافتاء الافتراضي، ليقدم فتاوى منضبطة تيسر على المستفتيين الوصول اليها وتسهم في نشر الاحكام الشرعية المناسبة للوقائع، وحثهم على الالتزام به.

خطة البحث:
يتضمن البحث مقدمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة.
أما التمهيد فيتعلق بتحديد مفهومي الافتاء الافتراضي والذكاء الاصطناعي.
وأما المبحث الاول: فيبحث في برمجيات ومواقع الكترونية للإفتاء وحكم استفتائها، من خلال ثلاثة مطالب هي: برمجيات الافتاء، ومواقع الكترونية للإفتاء، وحكم الاعتماد على الفتوى عبر المواقع الالكترونية.
في حين يتعلق المبحث الثاني: بحكم الافتاء الافتراضي عبر الذكاء الاصطناعي وضوابطه، وفيه ثلاثة مطالب أيضا، وهي: حكم الافتاء الافتراضي عبر تقنية الذكاء الاصطناعي، وضوابط توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الفتوى وتأثيراته، وتجارب ميدانية للإفتاء الافتراضي.
وتضمنت الخاتمة أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها الدراسة.

 

الهوامش

(1) الحرفان الأوليان من الترجمة الانكليزية للذكاء الاصطناعي: Artificial Intelligence
(2) وأصل هذا البحث أجوبة عن أسئلة وردت إلى الباحث ضمن استبيان علمي، لبحث للدكتور عمر بن ابراهيم » الذكاء الاصطناعي وأثره في صناعة الفتوى « بعنوان المحيميد، من جامعة القصيم في المملكة العربية السعودية، ثم تحولت الأجوبة الى ورقة بحثية قدمت في المؤتمر الدولي التاسع، للتطبيقات الإسلامية في علوم الحاسوب وتقنياته- إيمان 2021 ، والآن تم التوسع فيه ليصبح بحثا علميا.

(3)معجم مصطلحات الدعوة والإعلام الإسلامي، د. طه الزيدي، عمان – دار النفائس، ط 1. 2010 ، ص 210 ،
(4) البحث الإعلامي، د. السيد أحمد مصطفى، مكتبة الفلاح- الكويت، ط 2 / 2002 ص 28.