الاجتهاد الفقهي والمتغيّرات الاجتماعية

199

الاجتهاد الفقهي والمتغيّرات الاجتماعية

الشيخ مالك وهبي (*)

فرضت عليّ طبعية الندوة أن أكون مكمِّلا لما تفضَّل به الأخوين الكريمين، فلا أكون مكرِّراً لما ذكراه، والعنوان الذي قُدّم لي مشابه لما ذكره الشيخ ابراهيم بدوي، أي تأثير البيئة الاجتماعيَّة على المعرفة الفقهيَّة، لديّ مجموعة من الأفكار أعرضها بالتسلسل:

أولا: موضوع تأثير الاجتماع في فكر الفقيه، لا شكَّ في ضرورة التمييز بين فقه الفقيه والشريعة، ففقه الفقيه عملٌ شخصي، وأمَّا الشريعة فهي مجموع ما جاء به محمّد كما جاءه من عند الله، والغرض من المعرفة الفقهيَّة والمعرفة الدينيَّة هو أن نكتشف ما يمكن تسميته في هذا الزمن بالحقيقة الدينيّة الكاملة، أي إنَّنا نعترف بوجود حقيقةٍ دينيَّة كاملةٍ أنزلها على النب(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وقد بلّغها النبي للناس، فهناك حقيقة مُنزَلَة تنظِّم حياة البشر من صغيرها إلى كبيرها، ونحن في الأساس لسنا دعاة اجتهاد واستنباط بل نحن دعاة الإمامة المعصومة، والمعرفة المعصومة، والتي نستند فيها إلى أنَّ الحافظ للشريعة كما جاء بها محمّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) هو الإمام المعصوم، والاجتهاد في كل زمان بما فيه زمان حضور الإمام كان حاجةً طارئةً تلبّي احتياجات الناس في المناطق النائية فيرجعون إلى بعض أهل الرواية الذين كان يصنَّفون في دائرة الفقهاء، ومما سهل الأمر حينها إمكانية رجوع هؤلاء الفقهاء

________________________________________

(*) كاتب وباحث من الحوزة العلمية، من لبنان.

 

إلى الإمام بالسؤال، فيؤكِّد ما قالوا أو ينفيه. وأمَّا الاجتهاد بالمعنى المعروف الآن فهو حاجة وليس هو المشروع.

والطريقة المعتمدة في الاجتهاد والاستنباط ليست هي الطريقة المعصومة في معرفة الأحكام الشرعيَّة وليست هي الطريقة التي لا تَقبل الخطأ، والشخص مهما بلغ من العلم والقدرة فإنّ له آفاقاً محدودة، فكيف يمكن لهذا المحدود أن يبلغ ما قاله الله تعالى لنبيه(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)؟ ونحن نعرف أنَّه ما إن توفّي رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) حتَّى بدأت الاختلافات الفقهيَّة وبدأ كلُّ صاحبٍ من الصحابة يُعلن عن رأي مغاير للصحابي الآخر. فالهدف من الاجتهاد هو معرفة تلك الحقيقة، قد نخطئ وقد نصيب، ولذا فنحن عندما نتحدَّث عن تأثّر شخصيَّة المجتهد في الاستنباط فمن الطبيعي أن يكون حديثاً مشروعاً ومنطقياً، ولكن علينا أن نميّز بين تأثّر المعرفة الفقهية بالزمان والمكان والبيئة الاجتماعيّة للفقيه وبين تأثّر حقيقة الحكم الشرعي باختلاف الزمان والمكان، فعندما نقرا في حكمٍ شرعي: (يحرم اللعب بآلة القمار)، نجد تعدّدا في آراء الفقهاء، فرأيٌ يرى حرمة اللعب بما صُنع لأجل أن يكون آلة قمار بمعزل عن تطوّر الآلة فالشطرنج يحرم بناء على ذلك في أيّ زمان ومكان، ورأيٌ آخر يقول إن الحرمة للقماريّة وفعلية الرهن وليست للعب بآلة القمار أي إنّ اللعب إذا كان قمارا حرم وإلا فهو مباح، وثالث يرى أنَّ هذه الآلة ما دامت في العرف قماراً فاللعب بها حرام وإن لم تكن مع الرهن، وإن خرجت عن ذلك تُصبح حلالا، والأقوال جميعها لم تتأثّر بالزمان والمكان لأنَّها كليّة وتطبيقات النص تختلف، فإذا خَرَجَت الآلة عن القمار فهذا لا يعني تبدّلا في الحكم الشرعي بل التبدّل حصل في القمار. أي ما زال الحكم هو حرمة اللعب بآلة القمار وهو حكم لم يتغير، وكذلك الحال في كثيرٍ من التطبيقات المرتبطة بالموضوعات، فعلينا التمييز بين تأثر نفس الحكم بالزمان والمكان وبين اختلاف الموضوعات وتبدلها من حال إلى حال.

ثانياً، فيما يرتبط بما يُمكن أن يكون مؤثِّرا في تشكيل المعرفة الفقهية أي في

________________________________________

 

طريق الاستنباط يرى بعضهم أنَّ لاختلاف المنهج دوراً في ذلك، ولكن الصحيح أنا لم نجد حتى الآن أي اختلاف المنهج، بل الاختلاف في الاستفادة من المنهج، فالنصُّ الصادر عن المعصوم يعبِّر عن الحكم الواقعي ومدلول هذا النص لا يتغيّر لأنه يعبر عن مراد جدي، ولا تستطيع أن تقول أن هذا لم يكن مراداً بحجة تبدل الزمان والمكان، بل هذا يكون سلخاً للمراد الذي أراده صاحب النص وذهاباً إلى مرادٍ آخر لم يقله، نحن في الاستنباط نبحث عن المعنى الذي أراده الرسول وأراده القرآن الكريم، والإمام الخميني عندما تحدَّث عن تأثير الزمان والمكان أراد تأثير ذلك على التطبيقات وإلا ففي الكليات حثَّ عن الاجتهاد التقليدي، فمسؤوليّة كلُّ عالم أن يَنظر في المنهج نفسه وقيمة العالم ليست فيما يُنتِجه بل في كيفيّة تأسيس المنهج، ولا اختلاف ملحوظ إطلاقاً في المنهج مثلا بين مثل الشيخ الطوسي وأي فقيهٍ متأخِّر، بل الذي يقع هو تبدّل بعض التفصيلات والإضافات ولكنّها إضافات لنفس المنهج.

3ـ ثالثاً، ما يرجع إلى بيئة الفقيه والمستوى الفكري، وهنا ثمَّة حقيقة لا يمكن إنكارها، ونستحضرها من خلال النظر إلى التالي: عندما نقول المتبادر من اللفظ كذا، فهذا من آليات الاستنباط، ولذا عندما يقرأ الفقيه الرواية ليستدلّ بظهورها فإنّه يقول: إنّ المتبادر من اللفظ هو كذا فالحكم الفلاني ثابت لأنّه المتبادر، وهنا قد يقع الاختلاف بين الفقهاء في تحديد المتبادر، فيكون المتبادر لدى فقيه مخالفا للمتبادر لدى فقيه آخر، وهنا للمحقِّق القمي موقف يرى فيه أنّه لا يؤخذ بالمتبادر لدى الفقهاء؛ لأنَّ الفقيه عندما يَتبادر إلى ذهنه فإنّ هذا التبادر أصبح مليئا بالتشكيكات والاحتمالات فلا متبادرَ من حاقِّ اللفظ، ولكن الفقيه لا بدَّ له وأن يَستند إلى هذا المتبادر ويعتبر نفسه أحد المعنيين بهذا المتبادر، ويختلف الحال من فقيهٍ إلى آخر، ففقيه يرى الرواية مطلقة وآخر يراها منصرفة، وهذا ممَّا له تأثيره على الاستنباط، فمثال الشطرنج المتقدّم يبتني القول بإباحته في

________________________________________

الزمن الحاضر على أنَّ الحرمة لم ترد على الشطرنج بعنوانه بل بعنوان كونه آلة للقمار، وهذا انصراف يؤدِّي إلى تضييق دائرة الحكم.

4ـ فيما يرتبط بالعقل، حيث نجد فقيهاً يقبل الرواية لأنَّ العقل يرى ما تضمَّنته الرواية أمراً ممكناً فيما لا يرى فقيه آخر ذلك، والعقل هو أحد الأدلّة، ومن تعقيدات المعرفة الفقهية تحديد العقل، والمقصود من العقل، ومتى لم نصل إلى معنى محدّد وواضح عند الجميع فسوف تختلف المعرفة والنتاجات.

إنَّ ملاحظة علم الأصول والتدقيق في وظيفة هذا العلم وفي عمليَّة الاستنباط توصلنا إلى أنَّ الأصول علم ظني فقد وصلتنا روايات وهي حجّة طبقاً لأدلَّة حجية خبر الواحد، ولعلَّنا نعتمد على رواية صادقٍ ثقةٍ ولكن الثقة قد يكذب، أو لا نعتمد على رواية كاذبٍ مع أنَّ الكاذب قد يصدق، ولذا نصل إلى أنَّ الآليات المعتمدة تُرشدنا إلى أنَّ احتمال الخطأ وارد، نعم نسعى لمطابقة الاستنباط مع الحقيقة قدر الإمكان، والوصول إلى الحقيقة الكاملة من خلال الاجتهاد أمر غير ممكن ومهما بذلنا من جهد فلن نصل إلى ذلك.

4ـ فيما يرتبط بدائرة الفراغ، أي الأمور التي تركت للزمان والمكان، ولا بأس بتسميتها بمنطقة الفراغ، ولكن من الخطأ تسميتها بمنطقة الفراغ التشريعيّ، إذ ما من صغيرةٍ ولا كبيرةٍ إلا ولها حكم شرعي فلا وجود لدائرة فراغ تشريعيّ، نعم هي دائرة فراغ تطبيقيّ، أي كلُّ شيءٍ تبحث عن حكمه والتشريع الذي ينطبق عليه لا بدَّ وأن يكون له أصل تشريعي يُرجَع إليه، ويحدِّد كيفيّة التعامل مع ذلك الموقف، وكمثالٍ على ذلك طريقة الحكم في الإسلام، فهو متروك للمكلف ولكن ثمة كليات لا بدّ من الرجوع إليها في التعامل مع ذلك.

إذا نحن على الدوام في مرحلة اكتشاف الشريعة ولسنا في مرحلة ملء فراغ تشريعيّ، إنّ الاختلاف بين الأخباري والأصولي يرجع إلى أنَّ الأخباري كان يظن

________________________________________

 

أنَّ الأصولي يشرِّع بينما يقول له الأصولي أنا لا أشرِّع بل أنا أبحث واستكشف الحكم الشرعي.

وختاماً، حيث كنّا أهل النص، وكان فقهنا فقه النص؛ لأنّ الله تعالى يقول: {قُلْ أَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } ، فعندما يريد المجتهد أن يُعطي حكماً وأن يقول إنَّ الله حرّم، فالنصّ هو الأساس وهو الذي يُعطيك مبرِّرا للاستناد، نعم الحاكم على طريقة فهم النصّ وآليات فهم النصّ وكيفيّة استنباط الحكم من النص هو العقل، فهو الذي يُثبت حجيَّة النص، ويحدِّد لي كيف أتعامل مع النصّ ويحدِّد متى نعتمد على النص ومتى لا نعتمد، فحجيّة الفقه كلّه تبدأ من حجيّة العقل.

________________________________________