بحث حول ولاية الفقيه

298

“”بحث حول ولاية الفقيه””

استجابة لطلب ملح من بعض الأخوة المؤمنين ولطلبتنا الأعزاء لبيان حقيقة ولاية الفقيه ومنشأها والدليل عليها وأقسامها حيث أنهم ذكروا أن الأمر ملتبس عليهم ولم يبحث فيها باحث بشكل يزيل عنهم الإبهام والإيهام، فقد استجبت لطلبهم مع كثرة انشغالي فكتبت متوكلا على الله وحده وعلى عجالة هذا البحث المصغر ولكنه عميق في مضامينه جداً واستوعبت فيه كل جزئيات ولاية الفقيه بلغتنا المعاصرة بتمامها، فقلت ما لفظه:
بعد ثبوت الولاية المطلقة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بقول تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) والولاية على النفوس تدل على الولاية على الأموال بطريق أولى، وبعد ثبوت الولاية المطلقة للإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) بحديث الغدير (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) فكل ما ثبت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو ثابت لعلي (عليه السلام) وهي ثابتة للأئمة الطاهرين (عليهم السلام) من بعده لعدم الفصل بين ولايته وولايتهم، فمنشأها من منشأ ولاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو العقل الكامل والموجود ألممكني الأشرف، وهذا مما لا ريب فيه، ولكن الكلام كله قد وقع في إثبات تلك الولاية للفقيه، ومن الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على إثبات ذلك هي ما يلي:

الدليل الأول
الحديث المشهور عند الفريقين (العلماء هم ورثة الأنبياء) ببيان تقريبه: إن كل ما يثبت للمورث وهو النبي يثبت للوارث وهو العالم الفقيه، ومن الثابت للنبي هي الولاية المطلقة فكذلك تثبت للفقيه.

المناقشـة فيـه
ولكن لا يمكن المساعدة على هذا التقريب، لأن المتأمّل فيه يجد أنه لا إطلاق فيه لكي يشمل كل ما للمورّث فهو للوارث حتى الولاية، بل يختص فقط بالعلم، فالعلم هو الذي يرثه الفقهاء بدليل قول أبي عبد الله (عليه السلام) على ما رواه أبو البختري: (إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر).

الدليل الثاني
ما رواه في تحف العقول عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه)( ) وفي معناها رواية مروية في البحار بطريق معتبر عن أبي عبد الله (عليه السلام): (الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يارسول الله وما دخولهم في الدنيا، قال: إتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم) ببيان تقريبه: إن ما يثبت للرسول فهو ثابت لأمينه في جميع شؤونه ومن أوضح شؤونه هي زعامة الأمة وبسط العدل الاجتماعي وسائر مقدماته ولوازمه، وليست شؤونه مختصة بتبليغ الأحكام فقط.

المناقشة فيـه
ولكن الأمر ليس كذلك بل الظاهر منها هي الأمانة على تبليغ الأحكام ولا تتعدى الى غيرها، وذلك بمناسبة الحكم والموضوع، لأن الموضوع هو أن الإستيمان على تبليغ الأحكام وهداية الأنام هي من وظيفة الأنبياء، والحكم الذي يقتضيه تحمّل الأمانة هو أن الفقهاء مستامنون على هذه الوظيفة أي على وظيفة الأنبياء والرسل فقط وليس غيرها.

الدليل الثالث
ما رواه الشيخ الصدوق في معاني الأخبار وغيرُه بطرق مختلفة متكاثرة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (اللهم ارحم خلفائي ثلاثاً، قيل يارسول الله ومن خلفائك؟ قال: الذي يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي)( ) بدعوى تقريبها: إن الخلافة معناها هي التصرف في كل شيء كان المخلوف يتصرفه وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن ضمنها الولاية المطلقة على العباد، فهي ثابتة لخليفته وهو الفقيه.

المناقشة فيـه
أقصى ما يستفاد من هذه الرواية ان الفقيه هو خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نقل الرواية والحديث عنه، لأن الوظيفة الرئيسية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي بيان الأحكام الشرعية وتبليغها للعباد، فالخلافة هي ما يستخلفه الفقيه من هذه الوظيفة التبليغية وهي تبليغ العباد برواياته وأحاديثه وبيان الأحكام الشرعية لهم منها، وهذا واضح للمتشرع.

الدليل الرابع
ما رواه الطبرسي في الاحتجاج في جواب مسائل إسحاق بن يعقوب التي رواها محمد بن يعقوب الكليني والتي ذكر فيها أن إسحاق بن يعقوب سأل العمري أن يوصل له كتاباً إلى الصاحب (عليه السلام) يذكر فيه تلك التي أُشكلت عليه، فورد الجواب بخطه (عليه السلام) وفيها: (اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) بتقريب حاصله:
إن المراد بالرجوع الى الفقيه في الحوادث هنا هو الرجوع اليه في الحادثة نفسها ليباشر أمرها أو وكيله وليس الرجوع اليه في حكمها، لأن السؤال عن الأحكام أمر شائع آنذاك ولا نظن ان مثل اسحاق يُشكل عليه هذا الأمر الواضح البيّن حتى يسأل الامام (عليه السلام) عنه، فالسؤال كان بعنوان ارجاع الحادثة الى الفقهاء لا حكمها، هذا مضافا الى أن السائل سأل عن عدة حوادث، فمن البعيد أن يجيب الامام (عليه السلام) بأن جميع ما ذكرت من الحوادث ارجعوا فيها الى الفقيه، لأن بعض الذي ذكرها ليست من الاحكام.
واما من ناحية التعليل (انهم حجتي عليكم وانا حجة الله) فان معنى ان الامام (عليه السلام) حجة الله ليس مبيّنا للأحكام فقط بل معناه ان الله يحتج بوجودهم وسيرتهم وأعمالهم وأقوالهم على العباد في جميع شؤونهم ومنها العدل في شؤون الحكومة، ولا سيما ولي الله الأعظم (عليه السلام) الذي يسلطه الله على البلاد والعباد لإقامة العدل، فالمراد من الحديث أن ما للامام (عليه السلام) من قِبلِ الله تعالى ومن جعله فهو للفقهاء من قِبلِ الامام (عليه السلام) وهذا كبرى كلية لا معدل عن الخروج عنها.

المناقشة فيـه
إن الظاهر من التوقيع المبارك أن السؤال فيه كان عن مرجع تلك الأمور والحوادث في زمن الغيبة وهي الفروع الفقهية المتجددة من حيث الأحكام واقعاً، وإن كان لسانه بلحاظ الحوادث نفسها، وهذا السؤال عن مثل ذلك ليس أمراً واضحا بيّنا حتى لا يسأله من مثل اسحاق، لأنه من المحتمل ان يكون الامام (عليه السلام) قد جعل المرجعية في بعض الأمور بيد نوابه من دون بقية الفقهاء، فليس هناك من اطلاق في هذا التوقيع ليشمل الرجوع في كل شيء للفقيه ليعطيه الزعامة والرئاسة العامة بل فقط مختص بالاحكام فلا يدل التوقيع على أزيد من ثبوت المرجعية للفقيه في عصر الغيبة، والذي يرشدك الى ذلك لفظ (الحجة) الوارد فيه، لأن الحجة معناها قطع العذر وهي بمناسبة الحكم والموضوع تناسب وظيفة تبيين الأحكام وتبليغها للعباد بأجلى مناسبة، كما في قوله تعالى (فلله الحجة البالغة)( )ولا تناسب الرجوع الى الحادثة نفسها، فلا ملازمة بين الحجية وبين الولاية، لأنه لا معنى للحجية في الولاية في التصرف، فدلالة التوقيع على المدعى غير ناهضة جداً، فلا نستطيع إثبات ولاية الفقيه المطلقة به.

تذكير وتنبيـه
البعض منهم رمى هذا الحديث بالضعف مدعياً أن الراوي اسحاق بن يعقوب لم يوثق عند الرجاليين، بل وغير معروف وليس له روايات.
والجواب: إن إسحاق بن يعقوب من الفضلاء بل من العلماء الأجلاء نص على ذلك جملة من علمائنا والذي يدلك على ذلك تعبيره (بان هناك مسائل أُشكلت عليه) وهذا التعبير من مختصات الفقيه، وقد عاش في زمن الغيبة وعاصر السفارة المباركة وتوفي سنة 320هـ وقد روى عن محمد بن عثمان العمري السفير الثاني، وروى عنه محمد بن يعقوب الكليني، وهذا التوقيع الشريف قد رواه الشيخ في كتابه (الغيبة) عن جماعة عن جعفر بن محمد بن قولويه وأبي غالب الزراري عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال سألت محمد عثمان العمري…الخ، ومن تَسالُم المشايخ الثلاثة الطوسي والصدوق والكليني على نقله مع أنهم حريصون كل الحرص على النقل الصحيح نستكشف أن اسحاق بن يعقوب كان مرضياً مقبولاً مركوناً الى قوله مأموناً منه عند الأصحاب، بل قد نُقل هذا التوقيع بطرق مختلفة نعلم إجمالاً أنه صحيح ويمثل بياناً معصومياً مما يجعلنا نطمئن بصدوره منه (عليه السلام) ولكن أقصى ما يدل عليه هو قيام الفقيه مقام الامام (عليه السلام) بلحاظ الوظيفة المهمة وهي تبليغ الأحكام وهداية الأنام واما غير ذلك فيحتاج الى دليل آخر.

الدليل الخامس
ما رواه محمد بن يعقوب بالسند المعتبر عن عمر بن حنظلة، قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا تنازعا في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان أو الى القاضي أيحل ذلك؟ قال (عليه السلام): (من تحاكم اليهم في حق أو باطل فانما تحاكم الى الطاغوت..الى أن قال: ينظر من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فيرضوا به حكماً، فاني قد جعلته حاكماً)( ) ومثلها رواية بل مشهورة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال، قال: (قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (أياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم، يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فأني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا اليه)( ).
بتقريب بيانه: إن الامام (عليه السلام) أطلق على الفقيه عنوان الحاكم وهو يقتضي عنوان السلطان والقاضي والولي، وهذا عنوان يتلازم مع الولاية المطلقة والتصرف بالاموال والأنفس.
المناقشة فيـه
ولكن لا يمكننا المساعدة على هذا التقريب لأن ذكر الحاكم لا يتلازم مع الولاية المطلقة للحاكم كي يقال بالاطلاق، بل ان الرواية صريحة في ان الحاكم هو من يُرجع اليه في المرافعات وفض النـزاع بدليل صدر الرواية (تنازعا في دين أو ميراث) لا المراد منه السلطان والرئاسة العامة، فالمسلّم من الرواية هو ثبوت الولاية للفقيه في خصوص القضاء والمرافعة وفض النـزاع، وقد ثبت له منصب التقليد والمرجعية بدليل خارجي آخر.

الدليل السادس
مقتضى الحكمة في أدلة تشريع الخمس هو من أجل قيام الدولة والحكومة، وأن الخمس ليس لأجل سدّ حاجات السادة فحسب إذا نصف خمس سوق كبير من أسواق المسلمين كافٍ لذلك بل الخمس هو لجميع نواب الوالي، فان قلت: إن رواية (لا يخرج منهم الى غيرهم) مختصة بالسادة، قلنا: إنها تدل على ذلك بالتشريع الأولي أو ظاهرة في عدم كفاية الخمس وقلته.

المناقشة فيـه
أما قولهم بأن نصفَ خمس سوقٍ يكفي للسادة فهذا عجيب، وهؤلاء السادة بباك وكم فيهم من الفقراء والمعوزين مع أن الأخماس تجبى بالعملة الصعبة ومن أسواق المسلمين الكبيرة، وإن كان ذلك بسبب التلاعب بأموالهم وضياع وحقوقهم بين أيدي الجهلاء.
واما أن الخمس لا لأجل سد حاجات السادة فحسب، فغريب، كيف يكون ذلك؟ والإسلام انما شرع الخمس لهم صونا لهم من الحياة الذليلة، بل أراد لهم الحياة السعيدة بالنحو المتعارف ودفعا لنوائب الدهر وهذا لابد فيه من اموال طائلة لا تسدها أسواق كبيرة.
واما الإشكال على حديث (لا يخرج منهم الى غيرهم) فليس في محله، لأن التشريع الابتدائي باقٍ على وضعه مدى الزمان طالما لم تدل قرينة على صرفه الى غيره، فلسان الحديث والجعل الأول ي يرفض تماماً تخصيصه بزمان من دون زمان، ولو شككنا في ان هذا الأصل هل يجري دائماً أم هو مختص بزمان معين؟ فأصالة الاستصحاب تحتم انه يجري دائماً وهو باقٍ على تشريعه الأول ي، ويؤيده قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة) ولا توجد أي قرينة تدل على انه ظاهر في قلة الخمس أو في عدم كفايته.
فالنتيجة على هذا القول: إن ولاية الفقيه التي يروم القوم إثباتها بالشكل الذي ثبت للمعصوم (عليه السلام) وأن الفقيه يتصرف بالإستقلال دون إثباته خرط القتاد بل لمس السحاب، نعم: الثابت عند البعض ولعلهم الأكثر وهو الصحيح إن الولاية للفقيه ثابتة في خصوص موارد معينة سنذكرها بالتفصيل بعد قليل:

ولاية الفقيه في نظرنا:

وبعد استعراض قصير لسير ولاية الفقيه سأتعرض الآن الى رأيينا في المسألة وهو الرأي نفسه ليسيدنا الأستاذ المعظم الشهيد السعيد السيد محمد الصدر (رضوان الله عليه)فأقول:

هناك قول قوي لبعض الأصحاب بالولاية العامة للفقيه إذا كان في حكمه مصلحة عامة أو خاصة منهم الشيخ الكركي والشيخ صاحب الجواهر والشيخ النائيني والسيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد الخميني (رضوان الله عليهم) حيث كانوا يقولون بالولاية المطلقة للفقيه وأنه يجب على العباد طاعته لو كان هو الأعلم، وله الحق بالتصرّف في اموال الناس وأنفسهم وأعراضهم والولاية عليهم بحدود المصلحة بأن يطلق زوجة زيد أو يبيع داره أو يزوّج بنته لأحد، وله الحق أن يأمر الناس بوجوب جلب الحقوق الشرعية ودفعها، وله الحق أن يتصرف في أمور المجتمع ويأمر بالجهاد الإبتدائي والدفاعي، ولا تجوز مخالفته لأي أحد كائناً من كان.
وكان سيدنا الأستاذ الشهيد السعيد الأكرم (رضوان الله عليه) يميل الى ذلك القول ولكن ليس على إطلاقه بل يرى ان الفقيه ولي عام لأمور المسلمين وله الحق في التصرف بكل أمورهم الإجتماعية والسياسية بما هي في حدود الدليل الدال على مساحة تصرفاته وليس مطلقاً، فلا يرى أنه من حق الفقيه أن يتصرف بالأنفس والأعراض من دون مصلحة عامة ولا خاصة، وهذا القول هو الصحيح في نظرنا ايضاً ، وأقصى ما استدل به على هذا القول هو:
هي ما و رد من المضامين في مقبولة عمر بن حنظلة التي ذكرناها والتي جاء فيها (فاني قد جعلته حاكماً) وقد وصف سيدنا الشهيد (رضوان الله عليه) هذه الرواية بـأنها صحيحة وهو على حق بعد توثيق عمر بن حنظلة، وقال بأن المفهوم العرفي من عنوان (الحاكم) هو ليس المطبّق للأحكام الشرعية والمنفّذ للقانون الديني الذي يمكن الإستدلال عليه قوله (عليه السلام): (فإذا حكم بحكمنا) والمعلوم ان حكمهم هو حكم الله سبحانه وتعالى، بل المراد هو الإشراف على جميع المصالح الاجتماعية الوقتية طبقاً للحكم الشرعي المناسب لها فهو اذن مالئ لساحة الفراغ فهذه هي الوظيفة الأساسية والمهمة الرئيسية للحاكم الشرعي، واما إطلاق معنى الحاكم ليشمل كل أمر ونهي بحيث يكون كلامه هو القانون، والقانون هو كلامه وامضاءه فلا يمكن الإعتماد عليه، لأنه معنى واسع جداً للولاية، ولابد من تقييده بالمقيدات التالية:
أولاً: التقييد بتطبيق الإحكام الشرعية العامة فان عصيانها حرام، بحيث إذا لم يحكم بالحكم الشرعي يجب الرد عليه ورفضه.
ثانياً: التقييد بالمرتبة السفلى عن مرتبة المعصومين (عليهم السلام) الذين لهم تمام الولاية على الاموال والأنفس، فلا تكون للفقيه تلك الصلاحية.
ثالثاً: التقييد بالمصلحة، فلابد أن يكون حكمه مطابقاً للمصلحة ولا ينفذ من دونها، وهذا لابد من معرفة واقعه لأن الفقيه متمسك بالمصلحة نظرياً وفي حدود دليله.
ومن هذا كله صحت تسمية الفقيه بالحاكم الشرعي وليس بالولي الشرعي أو الولي العام الاّ مجازاً، لأن صفات الحاكم تختلف عن صفات الولي كما هو واضح جلي.
صلاحيات الولي الفقيه
ومن هذا البيان كله نستطيع الآن أن نحدد صلاحيات الولي الفقيه أو الحاكم الشرعي على مذاق سيدنا الشهيد السعيد (رضوان الله عليه) وهو الصحيح، وهي:
الأولى: هو المطبّق للأحكام الشرعية مطلقاً سواءٌ أكانت من الأحكام الخاصة أم العامة لدلالة قوله (عليه السلام): (فإذا حكم بحكمنا) وهو حكم الله سبحانه وتعالى.
الثانية: هو المفتي العام وتكون فتواه هي القانون لو كان هو أعلم الأحياء ويجب تقليده لو تصدى لذلك وأمر الناس بالرجوع اليه، وقد بيّنا ذلك في بداية هذا الشرح الشريف.
الثالثة: له حق ممارسة القضاء الشرعي وتطبيق نتائجه وتطبيق حدوده الشرعية وعقوباته وأخذ الحقوق، ودليله واضح بعد التمسك بصحيحة عمر بن حنظلة بعد تصحيح سندها ودلالتها، لأن من يقوم بالقضاء لازمه ان يقوم بالتطبيق والتنفيذ صوناً لكلام الشارع من العبثية واللغوية، بل لا معنى للقضاء من دون التطبيق وهذا هو المطابق للإرتكاز المتشرعي وللتباني العقلائي العام، وهو الموافق للسيرة القطعية لمن مارس القضاء من ائمتنا (عليهم السلام) وهي تمثّل سنة قطعية.
الرابعة: له حق الإشراف على جميع المصالح العامة الموكولة اليه شرعاً وتطبيقها في ساحة الفراغ كبناء المؤسسات الدينية والإجتماعية وإدارة الحوزات العلمية ونحوها، بدلالة جعل الولاية له ليملأ الفراغ الموكول اليه شرعاً، بدلالة قوله (عليه السلام): (إنظروا الى رجل منكم عرف حلالنا وحرامنا) وما ورد بهذا المضمون.
الخامسة: له الولاية على الآخرين ولكن لا على نحو الاطلاق بل في حدود ما دل عليه الدليل الشرعي وهي:
أ- الولاية على الممتنع وهو الخصم الممتنع عن أداء الحق كالمديون الممتنع عن أداء دينه، والزوج الممتنع عن نفقة زوجته ونحو ذلك ومعنى ولايته أي يجوز له أن يأخذ من أموال هؤلاء بالإجبار ويعطيها لمستحقيها.
ب- الولاية على الغائب وهو الذي لا وجود له في البلد ولا يمكن استقدامه معجلاً، فيحق للفقيه أن يأخذ من اموال الغائب ليسدّ بها أداء الحقوق المترتبة عليه.
ج- الولاية على من لا ولي له وهو الشخص القاصر المحتاج الى الولاية عليه وادارة شؤونه كالطفل والمجنون الذي لا ولي ولا وصي لهما.
السادسة: له حق الولاية الحسبية العامة وهي الولاية على ما يكون خالياً من الولاية وتعلقت بها المصلحة العامة كالولاية على الاوقاف وعلى القاصرين والأيتام والمجانين وبناء المؤسسات الاجتماعية العامة، والدليل على ذلك هو عموم دليل عدول المؤمنين والفقيه هو أعلاهم وأرفعهم إن لم نقل بالولاية العامة.
السابعة: له الولاية على كل الاموال العامة قبضاً وصرفاً سواءٌ أكان منسوباً للامام (عليه السلام) كحق الامام والأنفال وميراث من لا وارث له، أم كان منسوب لغيره كالزكاة وحق السادة من الخمس والخراج وسائر الكفارات وموارد النذور.
اما قبض وصرف أموال الامام (عليه السلام) فنقول:
إن هذه الاموال هي ليست ملكاً شخصياً للامام (عليه السلام) كما هو الصحيح، ولكنه الولي الفعلي عليها وهو المتصرف شرعا بها ولم تنتقل الولاية منه الى غيره إلاّ إذا قلنا بالولاية العامة للفقيه، فلا يجوز التصرف فيها الاّ بما يُحرز رضا الامام (عليه السلام) فالتصرف هنا لابد أن يكون في حدود اذن الولي على المال.
واما وجوب دفع هذه الاموال للفقيه أو تعيّن صرفها من قبل الفقيه أو بإذنه فان قلنا بالولاية المطلقة للفقية فاتجه الكلام حينئذ، وإن لم نقل بها فلا يوجد أي دليل على وجوب دفعها اليه، ولا يختلف الفقيه في ذلك عن غيره من المكلفين الذي يقع مال الامام تحت يده، فان كل أحد ومنهم الفقيه يتصرف فيه بما يحرز رضا صاحب المال، نعم: يبقى الدليل على وجوب التصرف فيها من قبل الفقيه بما اثبتناه من نحو من أنحاء الولاية بصحيحة عمر بن حنظلة المتقدمة.
واما الأموال العامة كحق السادة والزكاة، فان قلنا بالولاية العامة فلابد من اطاعة الفقيه لو طلب المال ودفعها اليه أو الى وكيله، ولكن المكلف إذا أعطاها من دون اذن الفقيه فقد عصى ولكنه بريئ الذمة من العمل ولا يجب عليه التعويض نعم إذا لم يطلبها الفقيه جاز للمكلف أن يعطيها الى مستحقيها مطلقاً قلنا بالولاية أم لم نقل، وإن لم نقل بالولاية العامة فالأمر سهل، ويجوز التصرف فيها مطلقاً وإيصاله الى مستحقيه حاله حال أي مال له مستحق بيد شخص آخر.
الثامنة: له الولاية على الموارد العامة الخالية من الأولياء الشرعيين كالمساجد القديمة والاوقاف والمشاهد المشرفة والعتبات المقدسة بل وجميع المزارات، ودليلها واضح فهي من الأمور الحسبية.
التاسعة: له الحق أن يأمر بالجهاد للدفاع عن بيضة الإسلام وبالإعلان عن الحرب المقدسة، وهذا لا يحتاج إلى دليل خاص أو عام لأنه مع الخوف على بيضة الإسلام من الأعداء فهناك وجوب كفائي بالضرورة على كل مستطيع للحرب والجهاد أن يتصدى له، وهذا عام شامل للفقيه ولغيره.
العاشرة: له الولاية العامة على الأموال مجهولة المالك قبضاً وتصرّفاً، فان قلنا يثبوت الولاية العامة فلا إشكال، وان لم نقل بها فلا يوجد دليل صالح للتصرف فيها من قبل الفقيه لأنها غير مشمولة بأدلة عدول المؤمنين، لأنه لا ولاية لهم على هذه الأموال، فلا مصحح لها إلا القول بالولاية العامة.
وهذه الصلاحيات هي الحقيقية للحاكم الشرعي سواءٌ أكان دليلها هو دليل الولاية العامة أم دليلاً أخص منه، وهي كلها تحت تصرّفه إما مباشرة بنفسه أو بوكيله أو بإيعاز منه إلى الغير للقيام بها كلياً أو جزئياً ما عدا الفتوى فإنها لا تكون لا بالوكالة ولا بالإيعاز، بل بالمباشرة بنفسه، والحمد لله أولا وآجرا ..

(فاضل البديري 21صفر1433هـ)