همسات معرفية الحلقة الثالثة ((يسألونك عن الروح))

384

همسات معرفية الحلقة الثالثة ((يسألونك عن الروح))

بقلم السيد فاضل الجابري

قال امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام : (الروح‏ حياة البدن والعقل حياة الروح).

بعد ان عرفنا عالم الروح من خلال المقال السابق وقلنا : بان الروح تنتمي الى عالم الامر الذي هو العالم المجرد المحيط بعالم الخلق المرتبط بالمادة والماديات . وقلنا : ان الذي يصلح أن يكون معرفا لها في كلامه تعالى ما في قوله: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي»: إسراء: 85 حيث أطلقها إطلاقا و ذكر معرفا لها أنها من أمره , و قد عرف أمره بقوله: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ»: يس: 83 فبين أنه كلمة الإيجاد التي هي الوجود من حيث انتسابه إليه تعالى و قيامه به لا من حيث انتسابه إلى العلل و الأسباب الظاهرية  .

نريد في هذا المقال ان نسلط الضوء اكثر على هذه الروح لنعرف ماهي وظيفتها وما العلاقة بينها وبين الانسان .

وهنا كلمة جامعة لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) يبين بها ذلك , حيث يقول : (الروح حياة البدن ) .

كلمة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان ، أو قُل : صغيرة في ألفاظها كبيرة في معانيها : الروح حياة البدن ، أي أن البدن يبصر بعينين ويسمع بأذنين وينطق بلسان ويشم بأنف ويحس بسائر جوارحه ويعقل بجَنانه ، كل ذلك ما دامت الروح فيه فإذا خرجت منه الروح مات فلا يبصر كما كان يبصر ولا يسمع كما كان يسمع ، وهكذا بطلت جميع حواسه الخمسة بل لا يحتاج إلى كل ما كان يحتاج إليه من طعام وشراب وغيرهما .

نعم لا يحتاج البدن بعد خروج الروح منه إلا أن يقبر ويدفن وإلا يكون جيفة مؤذية ، فحياة البدن إذاً بالروح وموته هو إخراج الروح منه لا أكثر ولا أقل .

أما حياة الروح فيقول ( ع ) : والعقل حياة الروح ، ومعنى هذا أن الإنسان إذا تخلى عن العقل وإرشاداته وتركه وراء ظهره واسترسل إلى شهوات نفسه الأمارة بالسوء باستمرار فهو إنسان ميت وإن كنت تراه يأكل ويشرب ويقوم ويقعد ويقول ويفعل ولكنه ميت الأحياء .

هذا من حيث المعنى العام , واما من حيث المعنى الخاص فان هذه الكلمة تبرز لنا بجلاء وظيفة الروح بالنسبة الى الانسان فهي التي تمنحه  طاقة الحياة أي تجعله حيا . فالحياة تحتاج الى طاقة وهذه الطاقة هي الروح الانساني وهي بمثابة السيتوبلازم بالنسبة الى الخلية وهي كالطاقة الكهربائية بالنسبة الى الاجهزة الكهربائية فالنور الذي في المصباح مستند اليه ولكن ذلك في الحقيقة يعود الى الكهرباء الموجودة فيه أي الى الطاقة التي اعطته القدرة على الاضاءة . وهذا المعنى هو الذي اشار اليه تعالى في قوله : ( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي ، فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ . . . ).

قال الإمام علي ( ع ) : عن خلق آدم ) ثمّ نفخ فيها ( أي التربة ) من روحه ، فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها . . . )  فهذه النفخة الالهية هي التي اعطت لهذا الجسد الطيني المصنوع من حمأ مسنون طاقة الحياة فاصبح حيا مدركا سميعا بصيرا وبالنتيجة فان كل الاجهزة التي منحها الله تعالى لهذا الانسان واودعها في جسده سوف لن تعمل الا مع وجود الروح فيها واما مع مفارقة الروح فسوف تتعطل عن العمل .

ومن الجدير بالذكر : ان لكل شيء روحا يعيش ويحيا فيه  سواء اكان شيئا ماديا او معنويا فبدون الروح لن يكون له وجود ولن يتحقق له اثر .

قال اللّه تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ‏ [الأنعام: 122]».

فهذه الآية تشير الى انه من كان ميت القلب، بعدم روح العلم و الهدى و الإيمان. فأحياه الرب تعالى بروح أخرى، غير الروح التي أحيا بها بدنه.

و هي روح معرفته و توحيده، و محبته و عبادته وحده لا شريك له. إذ لا حياة للروح إلا بذلك.

و إلا فهي في جملة الأموات. و لهذا وصف اللّه تعالى من عدم ذلك بالموت، فقال: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ‏ [الأنعام: 122] و قال تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ [الرّوم: 52] و سمي وحيه روحا. لما يحصل به من حياة القلوب و الأرواح. فقال تعالى: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [الشّورى:52]

فأخبر: أنه «روح» تحصل به الحياة، و أنه «نور» تحصل به الإضاءة. و قال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ‏ [النّحل: 2] و قال تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ‏ [غافر: 15] فالوحي حياة الروح، كما أن الروح‏ حياة البدن، و لهذا من فقد هذه الروح: فقد فقد الحياة النافعة في الدنيا و الآخرة. أما في الدنيا: فحياته حياة البهائم، و له المعيشة الضنك. و أما في الآخرة: فله جهنم، لا يموت فيها و لا يحيا.

و قد جعل اللّه الحياة الطيبة لأهل معرفته و محبته و عبادته. فقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ [النّحل: 97] و قد فسرت «الحياة الطيبة» بالقناعة و الرضى، و الرزق الحسن و غير ذلك. و الصواب: أنها حياة القلب و نعيمه، و بهجته و سروره بالإيمان و معرفة اللّه، و محبته، و الإنابة إليه، و التوكل عليه فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، و لا نعيم فوق نعيمه، إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمرّ بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. و قال غيره: إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا.

و إذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح، فإنه ملكها. و لهذا جعل اللّه المعيشة الضّنك لمن أعرض عن ذكره، و هي عكس الحياة الطيبة  .

و لهذا يرى الإنسان كلّما كمل عقله و ازداد في عمره و حصل له تجاربه التي كانت في قوّته ازداد في بدنه وهناً و في قواه كلالًا و ضعفاً، لاستغنائه عنه شيئاً فشيئاً؛ فكلّما ازداد الرّوحُ‏ حياةً بتحصيل الكمال ازداد البدنُ موتاً إلى أن يحيى هذا كملًا و يموت هذا كملًا ، سواء كانت كمالاته مُسعِدةٌ له أو مُشقِيةٌ.

فإنّه كما يكون الحركة الذاتية في السعادة و يكون التّكامل فيها، كذلك تكون فى الشقاوة و الازدياد فيها، على حسب ما غُرِزَ في جبلّة الرّوح؛ فللإنسان حركة طبيعية ذاتية من لدن نشوه و وجوده و مبدئه إلى آخر بعثه و لقاء بارئه و معاده، و إليها الإشارة بقوله (عز و جل): «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ‏» .

والشاهد على ذلك ايضا قوله تعالى : (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) ( 15: غافر )

و قال ابن عطاء في قوله: يُلْقِي الرُّوحَ‏: حياة الخلق على حسب ما ألقى إليهم من الروح؛ فمنهم من ألقى إليه روح الرسالة، و منهم من ألقى إليه روح النبوة، و منهم من ألقى إليه روح الصديقية، و منهم من ألقى إليه روح الشهادة، و منهم من ألقى إليه روح الصلاح، و منهم من ألقى إليه روح العبادة و الخدمة، و منهم من ألقى إليه روح الهداية، و منهم من ألقى إليه روح الحياة فقط فهو ميت في الباطن، و إن كان حيّا في الظاهر .