همسات معرفية الحلقة الثانية ((يسألونك عن الروح))

340

همسات معرفية الحلقة الثانية ((يسألونك عن الروح))

بقلم السيد فاضل الجابري

ان من اهم الموضوعات التي شغلت فكر الانسان قديما وحديثا ولا زال حائرا فيها لم ترس سفينة عقله على ساحل تطمئن له النفس او يهدأ له البال هو معرفة حقيقة (الروح) . وعبثا حاول الانسان ان يعرف ذلك من الفلاسفة لانهم شرقوا وغربوا في الحديث عنها واستجلاء ماهيتها حتى ما بات في البين ما يقولوه ويرد عليه النقد والنقض منهم انفسهم . وهكذا لم يجد ذلك الجواب الشافي في الاديان والعقائد قديمها وحديثها سماويها ووثنيها وحتى عندما بعث خاتم الانبياء والمرسلين فان من اوائل المسائل التي سئل عنها صلى الله عليه واله هي الروح . ولكن الجواب القرآني كان مبهما ايضا حيث قال سبحانه : (وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَليلا) . الإسراء : 85 وهنا احتار المفسرون في هذه الآية فهل ان الله تعالى قد اعطى الجواب على هذا السؤال ام امرنا بعدم السؤال بسبب استحالة معرفة حقيقة الروح لان ما اتانا من العلم غير مؤهل لمعرفة الروح وبالتالي فيكفي ان يعرف الانسان انها من امر الله تعالى وحسب ويمسك عن السؤال ؟؟ وفي المقابل نجد بعضا اخر من العلماء قد استوحى من الآية الشريفة جوابا واضحا الا انه اجمالي او قل كلي غير تفصيلي وهو ان الروح من عالم الامر وهو عالم یقابل عالم الخلق والفرق بین العالمین ان الاول تكون فيه الموجودات مجردة عن المادة واثارها ذاتا وفعلا في حين ان عالم الخلق تكون الموجودات فيه مادية في مقام ذاتها او مقام فعلها . ويلزم من ذلك ان يكون وجود موجودات العالم الاول دفعي غير تدريجي في حين يكون وجود الموجودات في العالم الاخر تدريجي يخرج من القوة الى الفعل . قال تعالى : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏) يس : 82 وقال : (وَ ما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) القمر : 50 . وعلى هذا الاساس فان القران اراد ان يقول لنا بان الروح من عالم الامر الذي هو عالم المجردات وهي من عالم اخر غير عالم المادة . يقول صدرالدين الشيرازي : عالم الأمر و عالم الخلق، فعبّر عن عالم الدنيا و هو ما يدرك بهذه الحواس الظاهرة الخمس بالخلق، لقبوله المساحة و التقدير، و عبّر عن عالم الآخرة و هو ما يدرك بالحواس الخمسة الباطنة و هي النفس و القلب و العقل و الروح و السرّ بالأمر، لأنّه وجد بأمر كن دفعة بلا واسطة شي‏ء آخر، إذ وجوده غير متعلّق بالحركات و الاستعدادات، فيوجد بمجرّد الجهات الفاعلية لا بالجهات القابليّة الانفعاليّة، فكل ما يقع في تصوّر الفاعل أو يخطر بباله يوجد دفعة من غير استعمال آلة أو تهيّؤ قابل، فعالم الأمر هو الأوليات العظائم التي أوجدها اللّه تعالى للبقاء، كالعقل و الروح و القلم و اللوح و العرش و الجنّة، و آخرها الكرسي، وهنا يتجلى لنا ذيل الآية اعني قوله تعالى : (وَ ما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَليلا) فان نسبة ما نعلم الى ما لا نعلم من عالم الامر كنسبة الواحد الى المائة أي نسبة ما نعلمه من عالم المجردات نسبة ضئيلة جدا بالقياس الى عالم الماديات وسبب ذلك واضح لكوننا في العالم الدنيوي الذي تتجلى لنا فيه المادة والماديات في كل مجالات حياتنا وهي المرتبطة بالجسد فالأكل والشرب والجنس واللباس والسكن وغير ذلك كلها امور نسعى لها لإشباع حاجات وغرائز الجسد واما حاجات الروح وعالم الروحانيات بمعناه الحقيقي فنحن عنه بعيدون ولذا كلما اتسع علمنا بعالم المجردات وعالم الامر كلما استطعنا ان نفهم حقيقة الروح اكثر . ومما يجدر بنا ذكره ان الروح هي سفينة الانسان التي يسافر بها في رحلته في عالم الوجود حيث ينتقل من عالم الى عالم ومن طور الى طور حتى يصل الى هدف وجوده وغائية خلقته فهو في حالة كدح حتى لقاء الله لقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقيهِ) . الانشقاق : 6 ‏. ولذا يقول صدر المتالهين الشيرازي : اعلم أنّ الإنسان مركّب من جسد كالمركّب، و روح كالراكب، و هو منذ خلقه اللّه في سفر الآخرة و غاية سفره لقاء اللّه، لهذا خلق و عليه فطر و جبل و هو المقصود من الروح، و المقصود من الجسد اكتساب المنافع و اقتناء الخيرات و التخلّص عن الشرور و الآفات. و هو المعني بالعبادة و الخدمة . واخيرا فان الروايات الواردة عن اهل البيت عليهم السلام اكدت الحقيقة التي اشرنا اليها وهي بلا شك الفيصل في معرفة ذلك : ففي تفسير العياشي نقل الإمام الباقر و الصّادق عليهما السّلام أنّهما قالا في تفسير آية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ‏ ما نصّه: «إنّما الروح خلق من خلقه، له بصر و قوّة و تأييد، يجعله في قلوب الرسل و المؤمنين» . وفي حديث آخر عن الإمامين الباقر و الصادق أنّهما عليهما السّلام قالا: «هي من الملكوت، من القدرة» .