السمات الدلالية في استعمال (من) التبعيضية في أدعية الخليل عليه السلام

251

السمات الدلالية في استعمال (من) التبعيضية في أدعية الخليل عليه السلام

الشيخ علي العبادي

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

    إن المتتبع لأدعية نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام في الواردة في كتاب الله القويم القرآن الكريم يجد أن لأسلوب الربط ب( من ) حضورا” واسعا” وملفتا” للنظر. والمعروف أن الربط بحروف الجر من الظواهر الأسلوبية التي امتازت بها اللغة العربية. وأن حرف الجر يفيد علاقة بين مجروره ومتعلقه. وله دلالته الخاصة معه.

    وكان لأدعية نبي الله الخليل عليه السلام نصيب وافر من استعمال حرف الجر (من) حيث ورد في عدة مواضع، منها :

أولا”: ما جاء في قوله عليه السلام بعد أن منحه الله تبارك وتعالى مقام الإمامة في قوله عز من قائل:

{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } البقرة124.

حيث نلاحظ أن المولى تبارك وتعالى أخبر الخليل عليه السلام بأنه جاعله للناس إماما”.ولما طلب النبي إبراهيم  عليه السلام الإمامة لذريته قال: { وَمِن ذُرِّيَّتِي} .

وهذا فيه دلالة قصدها النبي الخليل عليه السلام. فقد أراد من ذلك أن الإمامة التي أرادها إنما أرادها لبعض ذريته وليس لجميعها. إذ ليس من أدبه عليه السلام أن يدعو للبر والفاجر بهذا المنصب الإلهي الخطير. لأنه يعلم وبكل تأكيد أن ذريته سوف لن تكون جميعها مستحقة لها.

 يقول السيد عبد الأعلى السبزواري في تفسيره :

(وإنما طلب الامامه لبعض ذريته كما تقتضيه من التبعيضية ولم يطلبها لهم جميعا” لأنه كان يعلم بحسب العادة أن ذريته مختلفون في الصلاح وعدمه. وقد طلبها للصالحين من ذريته. لأن طلب هذا المقام الخطير لغير أهله لايليق بمقام إبراهيم عليه السلام) (1).

وقال الزمخشري في كشافه:

( وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذريته كفار، وذلك قوله: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } البقرة124) (2)

    ويمكن الاستدلال على الذرية التي قصدها إبراهيم عليه السلام في دعائه أنه كان يريد بها ولده إسماعيل عليه السلام وهو أكبر ولده والذي تركه مع أمه هاجر لقوله تعالى: { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}.  وكذلك ولده الآخر إسحاق عليه السلام وذلك لحمده عليه السلام الله تبارك تعالى بقوله: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء }إبراهيم39.

    كما أنه فيه دلالة على أنه سيولد لإسماعيل عليه السلام ذريه صالحة .حيث ذكر السيد الطبأطبائي في ميزانه ( ومراده ببعض ذريته ابنه إسماعيل ومن سيولد له دون إسماعيل وحده بدليل قوله  { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ } ) (3).

     إشكال بأن أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم أجمعين هم من هذه الذرية المباركة التي أقامت الصلاة. وجاهدت بأرواحها الطاهرة في سبيل المحافظة عليها. وقد نقل عن الإمام الباقر عليه الصلاة والسلام قوله : ( نحن بقية تلك العترة ) (4).

ثانيا”: ومن ذلك أيضا”ما جاء في دعائه المبارك لأهله في قوله تبارك وتعالى:      { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ  } إبراهيم37. إذ انه لم يقل أفئدة الناس إنما استعمل (من) التبعيضية . ومجيئها في سياق دعائه دال على أن المراد من الناس بعضهم لاجميعهم.

     قال الطبرسي في مجمع البيان:

( قال سعيد بن جبير : لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس، فهم المسلمون . وروى مجاهد أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم) (5).

ومثله ماذكره صاحب الكشاف حيث قال: ( لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم، وقيل : لو لم يقل { من } لازدحموا عليه حتى الروم والترك والهند ) (6).

    فتبين مما تقدم الدلالة التي أراد إبرازها النبي الخليل عليه السلام من استعماله (من) التبعيضية في أدعيته المباركة. والله تبارك وتعالى هو العالم بحقيقة الأمور.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على رسوله الأمين وآله الطاهرين وجميع الأنبياء والمرسلين.

__________________________

(1) مواهب الرحمن في تفسير القرآن للسيد عبد الأعلى السبزواري:2\12.

(2) الكشاف للزمخشري:2\527.    (3) الميزان للسيد الطبأطبائي:12\77.

(4) مجمع البيان في علوم القرآن للطبرسي:6\94.   (5) المصدر:6\96.

(6) الكشاف :2\524.