طاعة القيادة وسيلة النجاة

11

 

ان الكلمات القرآنية التي هي محور التشريع الاسلامي ومنار البصيرة الرسالية ومصنع الايمان الصافي يجب أن تفسر وفق السياق القرآني ذاته وما نستنبطه منه، ومن أبرز الكلمات التي تعتبر مفتاحاً لفهم القرآن ومدخلًا لطريق فهم الحياة هي الكلمات التي تؤكد عليها آيات القرآن الحكيم وتجعلها محوراً لسائر الافكار والتشريعات. ومنها كلمة الشرك والكفر والفسق، والطاعة والتقوى.

ورسالات الانبياء تلخصت في هذه الكلمات، إذ أنها تنهى الناس عن الشرك أساساً، وعن الكفر والفسق والفجور أحياناً، والتأكيد على تقوى الله وطاعة رسوله كما سنجد كل ذلك في الآيات الموجودة في سورة الشعراء.

معنى الشرك.

والسؤال الذي يوجه هنا وهو في ذات الوقت سؤال أساسي وخطير:

ما هو معنى الشرك؟ وما هو معنى الكفر؟

وعندما نعرف معنى هاتين الكلمتين الاساسيتين سيتضح أيضاً معنى كلمتي الطاعة والتقوى على طريقة معرفة الاشياء بأضدادها، ولقد وضحنا مسبقاً ان القرآن الحكيم لا يطلق كلمة الكفر على جحود الله سبحانه وتعالى راساً، وكلمة الشرك على الخضوع والسجود المباشر للاصنام البشرية أو الحجرية، بل عادة ما تأتي كلمة الكفر في القرآن الحكيم لبيان الجحود العملي والجحود السلوكي لله، يعني أن يدعي الانسان الايمان بالله وعبادته .. وأنّ الله خالق السموات والارض ولكنه عملياً وتشريعاً وسلوكياً يخالف هذه الفكرة، ويسير في الطريق المغاير لها. والشرك عادة ما يطلق في كتاب الله على عبادة الاصنام والخضوع للطغاة. والعبادة في القرآن بدورها تطلق على الخضوع والتسليم سواء كان في نمط السجود والركوع وتقديم القرابين والذبائح للاصنام أو في نمط الخضوع التشريعي والسلوكي.

من هو الكافر؟

آراء الفلاسفة والعلماء المسلمين في الكفر.

قال بعضهم بأن الكافر هو من يترك أي فريضة من الفرائض الالهية، كتارك الصلاة وتارك الصوم وتارك الحج ومن أشبه.

والبعض الآخر قال، كلا إنما هو الجحود المباشر المعلن لوجود الله سبحانه.

فمن قال لا أؤمن بالله فهو كافر، ومن لم يقل فهو مسلم سواءاً وافق قوله فعله أم لا. وكل فريق من هذين الفريقين أستند في كلامه على دليلين عقلي ونقلي. فالذي قال بأن الكفر ترك أي عمل من الاعمال الواجبة أستند على القرآن الحكيم فيدعم برهانه بالآية الكريمة التي تبين أن الذي لا يحج فهو كافر.

﴿ … وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ 1.

وآيات مشابهة لهذه الآية كمااستندت بأن فائدة الايمان وروحه هو العمل فاذا فقد الانسان العمل فماذا ينفعه أيمانه؟ وكيف نستطيع أن نسميه بأنه مؤمن؟.

وهناك دليل آخر عن الامام الرضا (ع) يقول فيه: «الايمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال»2

وفي حديث آخر عن الامام الرضا (ع): «الايمان عقد بالقلب، ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح»3

بينما استند الفريق الثاني الذي قا ل بأن الكفر هو الجحود اللفظي لوجود الله، استند هو الآخر على مجموعة أدلة ونصوص منها قول الرسول (ص): «الاسلام ما جرى على اللسان». «من شهد الشهادتين فهو مسلم».

أو من قال: «لا إله إلا الله ختم له ودخل الجنة».

وعن الامام الباقر (ع) انه قال: «الاسلام اقرار بلا عمل»2

حتى أن ابا ذر راوي الحديث قد سأل النبي مرة أو مرتين أو ثلاث مرات قال: وإن زنا وإن سرق، قال الرسول (ص): «وإن زنا وإن سرق».

فكرر السؤال ثلاث مرات فأجابه بذات الجواب ثلاثاً.

إذن فمن يقول لا اله إلا الله، ولا ينكر ربه أنكاراً مباشراً فهو مسلمٍ، برأي هذا الفريق، كافر برأي الفريق الآخر. والواقع ان النصوص الشرعية، والادلة العقلية متشابهة في مثل هذا الموضوع المشكل المعقد، والسبب ان هوى الانسان ومصالحه تحدو به الى أن يدّعي بأن الكفر ليس إلا مجرد الجحود اللفظي لوجود الله سبحانه وتعالى. حتى يريح كل انسان نفسه من وصمة الكفر وعار الشرك، ويجعل الآيات القرآنية والنصوص التي تبحث عن الكفر بعيدة عنه، ومتوجهة الى أولئك البعيدين الذين يعيشون في عمق غابات افريقيا المظلمة ويعبدون الاصنام الحجرية والمنحوتة بصورة مباشرة فأولئك هم الكفار، أما نحن فمسلمون ولله الحمد.

ان شهوة الانسان تأخذ مجراها في قنوات ذاته بشكل طبيعي لا ريب، فللإنسان قدرة المخادعة حتى مع ذاته بشكل غريب، فاذا لم يصل أويزك أو يصم فأن هناك في نفسه قوتين:

1- قوة تلومه على ما فعل وهي المسماة بالمنطق القرآني:

«النفس اللوامة».

2- قوة أخرى تبرر له ما علمه، وما يعمل وما سوف يعمل، فيبدأ التحدث مع آفاق نفسه: الصلاة غير واجبة عليك. فأنت متعب والمتعب لا صلاة عليه أو أنك كنت مريضاً والمريض لا حرج عليه، أو كنت مسافراً والمسافر صعب عليه أن، يصلي ولا يجب عليه اصوم .. وهكذا. تراه بشتى الوسائل يريح ضميره الايماني الذي يوخزه وخزاً كالابر، وهذه القوة هي القوة المبرّرة التي تسمى في لغة القرآن بالمسوّلة: «كذلك سولت لي نفسي».

كما قال السامري لموسى (ع)، فالنفس تسول الامر وترتبة بشكل يجعل الانسان مرتاحاً، كما أنه سبحانه وتعالى جعل في جسم الانسان هذه الحالة فحينما يشتد الالم في جسم الانسان فان هناك جهازاً في المخ يحاول اعطاء افرازات معينة تفصل الاعصاب عن المخ، فتحمل عند الانسان حالة من الغيبوبة، فتغيب الروح ومن ثم يرتاح فلا يحس بالالم مهما كانت شدّته هذا فيما اذا أشتد الالم بجسم الانسان، كذلك في روح الانسان، فهناك جهاز لخلاص الانسان من العذاب النفسي حينما يعذّب

الانسان وتصبح لديه نفسية صعبة يأت ذلك الجهاز ليفصل بين الالم النفسي وبين الانسان وهذا ما يسمى في علم النفس الحديث [حالة الاحباط النفسي].

الانسان الذي يشعر بمهانة في ذاته، وانه ذليل صغير، تحدث عنده هذه الحالة حيث تأتي هذه القوة فتقول له [أنت أكبر] [أنت ضخم] [أنت جبار] فتحدث عنده حالة الكبر، وحالة الكبر رد فعل لحالة الصغر ولمركب النقص. هذا هو التبرير وخداع النفس. والقرآن الحكيم يقول: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ … 4.

وفي آية أخرى يقول القرآن الحكيم: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ … 5.

وهذا هو الخداع الذاتي الذي يتجه اليه النصوص الاسلامية، حيث يجرب الانسان نفسه بكل جهده لكي يفسر الآيات والأحكام والتشريعات بما لا يعارض أهواءه وشهواته أو لا يعارض ما فعله وارتكبه سابقاً، وآنئذ تتمحور وتتركز هذه الحالة في كلمات الشرك والكفر، والتقوى والطاعة.

جائني شاب ذات يوم وقد بدت على ملامحه علامات الاستفهام، وقبل أن يسألني قال لي بأن قلبي نظيف ومؤمن وصادق، قلت له: تفضل، ولكنه عاد مؤكداً ذات الكلمات فلم أعرف السبب إلا بعد فترة من محاورتي معه ثم ذكر سؤاله: هل تجب عليّ الصلاة؟

قلت له: نعم الصلاة واجبة عليك. قال قد أكون نجساً، فرددت عليه: لماذا أنت نجس؟ [وقد كان يعيش في بعض البلاد الغربية]، قال لي: لا نني دائماً مع الفجور .. قلت له: أبتعد عن ذلك قال: مع ذلك أنا نجس، ودائماً أشرب الخمر!. قلت له: أبتعد عن ذلك. قال أيضاً أبقى نجساً!

من خلال هذا الحديث بدى لي أن هذا الانسان كان يفعل الكثير من الموبقات، ولكي يؤكد على نظافة قلبه وعدم خلوه من الايمان أخد قبل السؤال، يكرر تلك الكلمات؟

ان أي فرد منا يسعى ليكون أفضل المطيعين وأخلص المتقين لكي يبقى الشرك والكفر بعيداً عنه، ان هذه حالة نفسية لذلك يصبح هذا الموضوع شائكاً ومعقداً، وحتى لو كانت الآيات والادلة العقلية واضحة، في مثل هذا الموضوع لحاولنا ابعاد هذا الوضوح ومحاولة التشويش عليها بصورة وبأخرى.

أيها المسلمون: اصغوا وأستمعوا الى الآيات التي تتلى عبر أبواق الاذاعات، ستجدون ان هذه الآيات عادة ما تنتخب من سور معينة كسورة يوسف وقسم من سورة النور وقسم من قصار السّور أيضاً .. لماذا؟

الجواب، انهم يختارون الآيات التي لا تختص بازالة الستار عن مكامن الانحراف، فاذا جاءوا بآيات الربا، والزنا، والآيات التي تدور حول التشريع وما أشبه فأنهم بذلك يزيلون الغبار من على المرآة التي تعكس حقيقتهم المنحرفة. لذلك نجدهم يبعدون تلاوة هذه الآيات ولحنها.

وبعد هذه المقدمة لا بأس أن نقول بأن كل ذلك التقصير المصطنع في الادلة التي تدور حول موضوع الكفر والشرك، والتقوى والطاعة، ولابد أن يزول عند اطلاق النفس من ضغط الهوى ودراسة القضية دراسة موضوعية.

ما هو واقع الكفر؟

ان الكفر في الواقع ليس فقط الجحود اللفظي. كلا انه كما ذكرنا سابقاً أن قليلًا من الناس عبر التاريخ كانوا بهذا المفهوم والآيات القرآنية شاهدة على ذلك، وهناك آيات كثيرة بهذا المضمون: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ … 6.

واذا ركبوا السفينة في وسط البحر مع تلاطم الامواج بعضها البعض وأشرفت السفينة على الغرق، رفعوا أيديهم بالدعاء الى الله سبحانه وتعالى، ونسوا الشركاء وأتباعهم، وفي القرآن توجيه الى الله وتذكرة به ولكن هذا التوجيه كان يأتي مع التشريعات العلمية. قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ 7.

كل ذلك يدل على ان فئة قليلة من الناس كانوا يجحدون بالله، ذلك الجحود اللفظي، ولو ان القرآن نزل على هذه الفئة القليلة لكان القرآن معزولًا عن الجماهير الاخرى.

ان القرآن الحكيم قد تضمن علاج هذه المشكلة النفسية والعقائدية والتشريعة المتجذرة عند أغلب الناس المؤمنين بالله لفظاً ايماناً حقيقاً إذ ليس هذا الجحود اللفظي هو الكفر بمعناه الصحيح، وأنما الكفر في الحقيقة بالذي يدور حول هذه القضية، فهو أما ترك التشريع الاسلامي الى التشريع غير الاسلامي، أو ترك القيادة الاسلامية والاعتبار بالقيادة الغير اسلامية. هذا هو الكفر أو الشرك ولا فرق بينهما، فاذا أهملت التشريع الاسلامي بمجمله، ومضيت الى تشريع آخر ترسم به خارطة حياتك، فأنك لابد أن تضع نفسك سلفاً في خانة الكفار والمشركين بالله وبالعكس قبولك التشريع الاسلامي كنظام متكامل وقبولك بالانصياع لقيادة اسلامية صحيحة فانك تستحق أن تكتب في قائمة المؤمنين.

وقد تترك جانباً من النظام، أو تمتنع عن طاعة القيادة في أمر من الامور بعد أن تقبلها قبولًا أولياً مبدئياً، فأنك مؤمن.

فنحن لا نقول ان الذي يترك الصلاة كافر كما قال الفريق الاول من العلماء والفلاسفة، فهذا غير صحيح، لان الذي يترك الصلاة وهو يؤمن أنها واجبة ليس بكافر، كذلك الذي يترك الصوم وهو يؤمن بوجوبه فهو ليس بكافربل، هو فاسق. ولكن الذي يترك الاقتصاد الاسلامي، فيقول أنه ليس هناك وجود لنظام اقتصادي في الاسلام، أو الذي يترك النظام الاجتماعي في الاسلام معللًا بأفضلية النظام الغربي أو النظام الشرقي، أو الذي يترك قانون الاحوال الشخصية الاسلامية ويركن الى أتباع قوانين الاحوال الشخصية الغربية أو الشرقية .. الذي يفعل هكذا هو الكافر حقاً بالاسلام.

الانحراف عن القيادة الصحيحة مصداق للكفر.

ان الذي يترك القيادة الاسلامية الرسالية ويتجه الى قيادة الطغاة والجبت، هو كافر بلاريب. بينما لو لم يطع الانسان القيادة الاسلامية الرسالية المنبعثة من روح التعاليم الالهية في أمر معين، فان ذلك لا يعدو كونه شركاً خفياً أو فسقاً. ورسول الله (ص) يقول: «من ختم له بلا إله إلا الله دخل الجنة وأن زنا وأن سرق».

انه لا يعني تلفط كلمة [لا إله إلا الله] وإنما يعني من لا إله أي لا ولي له ولا قائد ولا مشرع إلا الله أي: قبول القيادة الاسلامية، وفي اطار هذا القبول اذا زنا أو سرق يغفر له ان تاب، أما من يدعي بأن الزنا حلال وانّ السرقة التي تكون عبر البنوك والنظام الرأسمالي والنظام الشيوعي حلال هذا الانسان ليس ممن يقول: لا إله إلا الله، بل هو ممن يؤمن بألوهية النظام الاشتراكي والشيوعي والرأسمالي، من دون النظام الاسلامي.

معنى الشرك في القرآن.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ 8.

ان تبريراً بسيطاً ونظرة خاطفة على هذه الآيات تكشف لنا معنى الشرك، بعد أن ذكر الاحكام الشرعية. يبين القرآن الحكيم في بداية قوله: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾9

ثم يقول في آية أخرى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ … 10

ونتابع مع سياق الآيات: ﴿ … وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ 11

ومثل هذه الآيات كثيرة في القرآن الحكيم كالآية الكريمة التي تقول: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ 12.

وجاء في الجزء العاشر من تفسير المنار بصدد حديثه عن الآية السابقة نقلًا عن الرازيوهو من كبار المفسرين المسلمينفي كتابه مفاتيح الغيب: (ان الاكثرية من المفسرين قالوا: ليس المراد من اتخاذ الارباب من دون الله الاعتقاد بهم فقط، بل الطاعة في الاوامر والارتداع عن النواهي).

ونقلًا عن عدي بن حاتم الذي كان نصرانياً فأنتهى الى رسول الله (ص) وهو يقرأ سورة براءة فوصل الى هذه الآية، فقال للرسول (ص) [لسنا نعبدهم] قال:

«ألستم تحرمون ما أحل الله فتحرمونه وتحلون ما حرم الله فتستحلونه؟!».

قلت: بلى. قال: [فتلك عبادتهم] ويعلق صاحب المنار على الآية والمفسرين فيها بما يلي: وجملة القول ان الله تعالى أنكر في كتابه حسب رأيه وفهمه هذا حلال، وهذا حرام، هذا أيضاً ما يقوله الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب وهو حجة في التفسير كما هو حجة في نقله عن أغلب المفسرين الاسلاميين في عصره.

الآن وبعد اتضاح الرؤية وانكشاف الغبار عن وجه الحقيقة .. لنطرح هذا السؤال على أيدي الاستعمار المتلبسة بشعارات الاسلام [علماء البلاط ووعاظ السلاطين] ماذا تعني هذه الآية وهل هي ترتبط بواقعكم وخضوعكم للانظمة الغربية والشرقية؟

في ذلك العصر عرف المفسرون المسلمون المعنى الحقيقي لهذه الآية،

والمعنى الحقيقي للشرك، الذي يقع في قبالة التقوى، والتي تعني الايمان بالوهية الله في التشريع، والتصميم على قبول النظام السياسي للقيادة الاسلامية الرسالية، أي قبول قيادة النبي (ص) والائمة من بعده عليهم أفضل الصلاة والسلام.

الطاعة والتقوى هما ما كانت تهدف اليهما رسالات الانبياء، فالتقوى في مقابل الكفر، والطاعة في مقابل الشرك.

اذا عرفنا ذلك فلنعرف قصة النبي ابراهيم عليه السلام.

ان النبي ابراهيم (ع) كغيره من الانبياء عليهم السلام، كانوا يؤكدون على هذه الفكرة، حيث بعث الى قومه وأخذ ينهاهم عن عبادة الاصنام كما جاء في القرآن الحكيم: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ 13

يأتي نوح (ع) فيقول: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ 14.

ثم يأتي هود ويقول:﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ 14.

كذلك ثمود حينما أرسل صالح اليهم قال لهم: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ 15.

ان رسالات الانبياء عليهم السلام خط واحد يمتد عبر التاريخ، مهما طال وبعد، والامام الحسين عليه الصلاة والسلام تجسيد لهذه الرسالات الالهية، وقيامه كقيام أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن بالرغم من ذلك فلابد أن نوف الكلام عن هذه الثورة.

ان الثورة الامام الحسين- عليه الصلاة والسلامأشبه ما تكون بثورة موسى (ع)، فدم الامام الحسين (ع) بمثابة عصى موسى، هذا الدم أريق ظلماً على صحراء كربلاء وأما السحرة الذين سجدوا لرب موسى وآمنوا به في لحظات قليلة رغم كل الضغوط فمثلهم كمثل من التحق بالامام الحسين عليه الصلاة والسلام، ومنهم من تغير في ظرف أيام أو ساعات كوهب الذي ترك دينه السابق بعد أن تفجرت في قلبه ينابيع الايمان التي اجتاحت تاريخه الماضي وأمحت سلوكه القديم من الوجود، وكذلك الحر بن يزيد الرياحي الذي انتقل فجأة من مستنقع الشرك ونصرة الباطل الى جنة الايمان ونصرة الحق. فكل أصحاب الامام الحسين (ع) هم رمز البطولة التي تتحدى كل الضغوط انّى كان حجمها ومصدرها.

ولنتدبر في هذه الآية الكريمة لكي نعرف كيف كانت حركة الامام الحسين عليه الصلاة والسلام امتداداً لحركة رسالات السماء عبر التاريخ. إذ يقول الله سبحانه: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ 16.

هكذا تحدوا طغيان فرعون .. كما تحدى أصحاب الامام الحسين عليه الصلاة والسلام فرعون زمانهم [يزيد] فالحركة الاسلامية عبر تيار التاريخ، أنما بنيت وارتفع منارها على مثل هؤلاء الابطال، الذين تحدوا كل أسباب الضغوط بأرادتهم الرسالية الصلبة 17.