فلسفة الفقه

592

فلسفة الفقه

 

بقلم: الشيخ قيس الطائي

 

يبدو لأول وهلة أن هذا المصطلح غريبا نوعا ما فما معنى الفلسفة مقابل الفقه؟ وللتوغل في عمق نظريات هذا العلم الحديث ـ القديم ـ لابد لنا من مقدمة بسيطة  لتتضح الصورة لدى الدارسين والفضلاء.

الفقه: كما هو معروف لدى الجميع أنه علم أستنباط الاحكام الشرعية من الادلة التفصيلية، وبيان الوظيفة العلمية أزاء أي واقعة سواء توفر فيها أو أزائها نص قراني أو سنة مطهرة أو أصل عمليّ كبيان للدليل الفقاهتي. ويقع تحت خانة هذا التعريف الكثير من الاراء، والتوجهات، والبيئات، والثقافات المتنوعة التي تؤثر بشكل مباشر في النتاج الاخير وهي الفتوى أو الاحتياط فيها أو الفتوى بالاحتياط.

أما فلسفة الفقه وهو موضوع بحثنا وإن لم تتبلور الى الان  فكرة تعريف جامع مانع لدى الباحثين على غرار التعاريف المنطقية إلا اننا نعرض تعريفين نتصور أنهما الاقرب الى الصحة.

الاول: العلم الباحث في مناهج تستخدم للبحث الفقهي فلا نبحث في هوية الفقه التاريخية ولا جذور وزمن تأسيسة ومراحل تطوره بل نبحث في كل عنصر من عناصر منهجية البحث الاستنباطي الفقهي من حيث أنها ادراكات عقلية كمقدمة الواجب مثلا امتناع اجتماع الامر والنهي أو نقلية من قران أو سنة وماهي مصادراته وتوقع نتائجه وما نتنج عنها من حيث كون هذه المصادرات عرفية أو فلسفية أو غيرها.

وفية تساؤلات ان لم نقل اشكالات

1.يتداخل هذا التعريف مع بعض موضوعات علم الاصول.

2.يعتبر الفقيه في بعض موضوعاته مقلدا لغيره.

الثاني: دراسة فقهية تعمل على رصد علم الفقه رصداً توضيحيا وتحليليا ومعياريا لهوية ومسارات ومصادر ومناهج ومساحة وعلاقة كل هذه الفقرات بعملية الاستنباط الفقهي، يعني ألنظر الى الفقه بنظرة فوقية خارج اطر الايمان وبدون التدخل في عملية الاستنباط نفسها …

يعني يمكن القول انه العلم الذي يهتم بدراسة ورصد وتحليل اساليب الاستنباط ونقدها نقدا بناءا

    ويبقى التعرف مفتوح لحين تبلور النظرية واطروحة فلسفة الفقه وتطورها.

 

موضوع علم فلسفة الفقه:

يتحدد موضوع فلسفة الفقه بالفقه نفسه لأن موضوع كل فلسفة مضافاة (تمييزاً عن الفلسفة المطلقة التي تبحث عن الوجود المطلق بما هو وجود ) لابد وأن يكون موضوعه هو ما اضيف اليه. فالفقه يدرس علومه من زاوية داخلية أما فلسفة الفقه فيدرسها من زاوية فوقية خارجية أي أننا ندرس الفقه كمجموعة متراكمة من الجهود البشرية التي حاولت وعملت خلال قرون أن تكتشف اعماق الشريعة وفهمها وتحليلها وقرائتها من زوايا متعددة ، إذا هو مجموعة الدراسات الفقيه التي تحتمل الصواب والخطأ معا ولا يرجح الباحث في فلسفة الفقه اي من الاحتمالين على الاخر لأن هذه ليست من وظيفتة بل وظيفة علم الاستنباط نفسه إلا انه يمكن ان يكون له دور في أما التصويب أو التخطئة.

 

وظيفة علم فلسفة الفقه:

يكون الجواب عن هذا المصطلح من تحليل ماهية الوظيفة. أن وظيفة هذا العلم تتحدد في الاسس التي يقوم عليها علم الفقه خارج الاطار الذاتي فالفارق بينها وبين دراسة الفقه نفسه ان الداخل في أعماق مسائل علم الفقه لا يمكن ان يتجرد عن هذه الخصوصية وينظر لمسائل العلم من الخارج ولا يتحسس علاقاته الخفية بباقي العلوم.

 

هذا وان وجدنا الكثير من الفقهاء قد اشار الى مثل هذه الوظائف والموضوعات في طيات بحثه الا انه لم يقننها ولم يرتبها كنظرية مستقلة يمكن للباحث وطالب العلم ان يعتمد عليها في دراساته الفقهية الاستنباطية للأحكام الشرعية.

ويأتي دور هذا العلم لكي يبين للفقيه أنه لابد أن يقرأ النص كتاب أو سنة من زوايا متعددة داخلية كونه فقيه مستنبط ويقرأه من زاوية خارجية  كونه ناقد بنّاء . وتحديد المباني التي يرتكز عليها في عملية الاستنباط فالمعايير عند الفقهاء تختلف والفهومات تتعدد كما هو معلوم.

فالمباني الفقهية المطبوعة والمدروسة الان لا تبين لنا كيف أستند الفقيه في بيان فتواه لمقلديه وهل ناظر الى العمل في المسالة مستقبلا وهل تصلح هذه المسالة لجميع المجتمعات مع اختلاف الطبايع والاعراف وهل تدخل الفكر الحداثوي في مقدماتها أو استند الى نظرية علمية أو لفق بينها وبين نظرية اخرى والى أي مدى تم تحقيق هذه الاسس والى اي مدى ممكن التعديل عليها وهل يمكن تطبيقها خارجا وهكذا.

والحوزات العلمية لم تألف هذه البحوث إلا من خلال الدروس الاصولية والمباني الكلامية التي تؤخذ على نحو التسليم تقريبا بل غالبا. ولكنها لم تبحث هل هذه هي البنى الاساسية الاولى أو توجد بنى قائمة وأسس أخرى وهل هذه المباني من المسلمات أو المقبولات وهل هي يقينيات او بديهيات أو تجريبيات.

وباختصار، علم فلسفة الفقه يبين لنا ماهية الفقه ويتولى في الواقع فك رموزه ونسيج مبانيه لنرى كيفية صياغته. ويمكنك القول انه علم نقدي بنّاء يظهر لك الصورة الواضحة في خط مستقيم وهل هنالك طرق أخرى لم تألفها (ايها الباحث) قد غفل عنها باقي الفقهاء ولم يعيروا لها أهمية في أبحاثهم .

والسؤال الاخير الذي يمكن ان يطرح نفسه وهو هل يمكن من خلال بحث فلسفة الفقه التعويل الى نتاج عملي فقهي أو لا ؟

وهل توجد لمباحث نظريات علم فلسفة الفقه فائدة في التطبيقات الفقهية؟ الحقيقة هي أن فلسفة كل علم لا يمكن الاستفادة منها في ذلك العلم فمسائل نفس العلم تقع في أطاره أما الفلسفة تقع خارجه أي خارج هذه الافكار اذ لا يمكن أن تكون المسألة الفلسفية كمسألة تطبيقية في علم الفقه فهو ليس قاعدة فقهية ولا اصولية حتى ، ولكن هي تقدم رؤية صحيحة عن تكوين علم الفقه وترشدنا الى علم فقه أكثر غنى وثراء ومنطقية . ويمكن أن تنتج فقهاء ذوي منهج أفضل في الاستنباط فيدرك الفقيه من خلال العلاقة بالعلوم الاخرى أن عمله لابد أن يقوم على مباني معينة فإذا ما عثر على ضعف هذا المبنى تحقق منه ثم يصدر الفتوى على اساس ذلك واذا حصل هذا الانسجام بين الفقه والعلوم الاخرى فيصبح الانسجام بين الفقه والحياة ويتلاشى تدريجيا تعارضه مع الحياة الانسانية

.مسائل علم فلسفة الفقه

المسائل التي يطرحها علم فلسفة الفقه على قلتها ولكنها يمكن ان تتبلور وتتطور تباعا ويمكن ان يحذف منها ويضاف عليها وعلى الاجمال نذكر مجموعة منها:

*  مجال الفقه وحدوده وما يبحث عن المساحات التي يستوعبها الفقه من الفردية الى الاجتماعية و السياسية والاقتصادية ومدى قدرته على أدارة حياة البشرية ككل.

*  تأثير العوامل الخارجية على الفقه وعلى جهوده على المستوى الفكري والاجتماعي والسياسي والتطبيقي كالتطور في مجال علوم التكنلوجيا والمعلوماتية وعصر العولمة والحداثة مما يؤدي سلبا او ايجابا في تصور الموضوعات والاحكام تبعا لها سعةَ وضيقاً وكيف يمكن التفاعل معها وماهي النتائج المتوقعة من تغيير الحكم تبعا لتغير موضوعاته او حاكميتها بعضها على البعض الاخر وهكذا .

* مكانة الفقيه ورصد شبكة العلاقات الفردية والاجتماعية بينه وبين سائر العلوم الدينية الاخرى الانسانية وسعة تأثير الفقه فيها وتأثيرها في الفقه نفسه وتحليل نظمها وتقنيتها.

* لغة الفقه وهل هي لغة عرفية أو رمزية أو ماذا؟ وهل لغته أي الفقيه لغة واجبات أو حقوق وماهي علاقة هذه اللغة بأخلاقيات الفقه وهل تنسجم معها أولا؟ ….

* منشأ الالزام والولاية وحق الطاعة والمصالح العامة والاحكام التدبيرية المجتمعية والاحكام الشخصية وأطار تشخيصها وطرحها .

*  قوة علم الفقه او ضعفة في معالجة الظواهر وكيفية الاختبار الميداني ومدى الاستجابة لمسائله والموانع المفروضة لعدم الالتفات الى بعض التداخلات المهمة  ولتوضيح هذه النقطة نذكر مثالا نظريا : مسألة التعبدية في الفقه ونظام الحجية والمعذرية وهل تناقض هذه المفاهيم مع النظم العقلائية للمجتمعات فالإدارة العقلائية مثلا لا يمكنها ان تعرف شيء أسمه التعبد مع الجهل بالملاكات والمصالح ولسير عمل قانون الحجية والتعذير والتنجيز, فكيف يمكن أن تطرح اقتصاد وسياسة أو احكام قضائية جزائية وجنائية واحكام أحوال شخصية مثلا من دون بيان لماهيتها والهدف منها ومدى مطابقتها للعقل البشري الذي أصبح يدرك كل شيء ويحلل كل شيء، هل الجواب هو مصلحة ومفسدة فقط ؟!.

 

علاقة فلسفة الفقه بمقاصد الشريعة:

أفرد البعض من العامة ممن كتب في مقاصد الشريعة وأعتبرها علما مستقلاً. وادخلها أخرون في علم فلسفة الفقه ذلك أن ملاكات الاحكام والغايات التي من اجلها والاهداف المتوخاة منها تندرج ضمن مسائل علم فلسفة الفقه .

إلا أننا لو لاحظنا تعريف مقاصد الشريعة لوجدنا ان الاجدران تندرج ضمن مسائل أصول الفقه ولكن الرفض- تبعا للذهنية السائدة من رفض القياس والاستحسانات رفضا تعبديا- الحاصل في المدرسة الشيعية لمثل طرح هكذا مصطلحات فضلاً عن الخوض فيها حال دون ذلك.

فالمقاصد تعرف بأنها مسائل تبحث عن العلاقات الحقيقية للأحكام الشرعية تبعا للمصالح والمفاسد بشكل عام أو الدخول في عمق كل حكم وبيان ملاكه وغايته والهدف منه فالمقاصدي مجتهد أصولي يهدف الى اكتشاف أهداف الشريعة وغايتها ومقصدها بالاعتماد على الادلة والحجج الكاشفة ليحول هذه النظرة الى وسيلة يمكن من خلالها أن يستنبط حكما ويفهم الشريعة بشكل أدق حسب وجهة نظره .

وبتصوري هل يمكن الاعتماد عليها كدليل لاستنباط حكم معين او ان  تبقى مسألة أصولية نظرية يمكن ان تندرج وتدون ضمن مسائل علم الاصول كباقي المسائل التي أدخلت في هذا العلم تباعا فكلنا يعلم ان علم الاصول قد تطور تدريجيا حتى وصل الى ما وصل أليه الان مع الاخذ بنظر الاعتباران هذا التصور لا على  اساس التشريع وإدخال ما ليس من الدين في الدين وإنما على أساس الطرح النظري الذي يمكن أن يتطور وينضج أكثر وأكثر وتجده يوما ما داخلا ضمن الدراسات الاصولية.

أما علم فلسفة الفقه فلا يتدخل في استنباط حكم شرعي بل هو يرصد الفقه ويحلل قدرته من حيث مكوناته ومنطلقاته على إدارة الحياة بشكل تام في جميع مجالاتها ومساحتها.

وبعبارة اوضح أن المقاصدي يدرس أهداف التشريع وفقاً لعملية الاجتهاد في الشريعة نفسها.

أما فيلسوف الفقه فهو يدرس تلك الاهداف وعلاقتها بالفقه نفسه ، فالفقه  نفسه -كما تقدم- جهد بشري لابد وأن يرصد له أهداف وغايات ينبغي النظر اليها وما تؤول اليه بعد ذلك .

  تاريخ البحث في غلم فلسفة الفقه:

 بحسب تتبعي لكثير من مصادر الفريقين لم اجد مصطلحاً يُعبر عنه بفلسفة الفقه إلا أنه يمكن أن أقتنص بعض المفردات الواردة في كلمات الفقهاء المتأخرين الاوائل في عصر العلامة الحلي (قدس ) المتوفي سنة (725هـ) وما بعده والاشكالات من قبل الأخبارين على التقسيم الرباعي للحديث الذي بدأ يأخذ حيزه الفعلي من زمن العلامة الى يومنا هذا فضلاً عن تدوين مسائل في أحوال الفقه والتأثير السني على الطرح الفقهي لعلماء الشيعة -حسب تعبيرهم- فهم درسوا التجربة من خارجها ولاحظوا العوامل التي أثرت وكان لها البصمة الواضحة على توجهات الفقه الشيعي في ذلك الوقت مما ادى الى القول بتخطئة الاصوليين فيما بعد . ويعد الامين الاستربادي (قدس ) في ممارسة النقد الخارجي والداخلي معاً على تجارب الاصوليين ونظرياتهم المتلاحقة المضافة أصلا على عملية الاستنباط الفقهي الجعفري يعد(0قدس) من اول المنظرين لطرح هذه النظرية النقدية .نعم في مجال مقاصد الشريعة كان المظنون أن العامة متقدمون فيها إلا أن العكس هو الصحيح فقد دون الكثير من علماء الشيعة وقرآئهم من زمن الائمة الكثير من المدونات في مجال البحث عن علل وملاكات الاحكام وأهداف التشريعات ولكن بقيت هذه العناوين مجهولة الاين والواصل ألينا منها فقط علل الشرائع لشيخنا الصدوق (قدس ).

    أما في العصر الحديث فقد كتب الشهيد الصدر الاول (قدس ) في العامل الذاتي في الاجتهاد وانه قد يكون عاملا مؤثراً يجر الفقيه في مجال استنباطه الى  مكانه الخطأ، عبر عنه بعاملين مهمين عامل الهدف بمعنى الاثر الذي نتوخى من عملية الاجتهاد في واقع الحياة وعامل الفن أي درجة التعقيد والعمق في أساليب الاستدلال التي تختلف في مراحل الاستنباط وتبعا لتطور الفكر العملي. جاء هذا في مقال منشور في مجلة الاضواء النجفية.

    ثم كتب الشهيد مطهري بصراحة في التمييز بين الفقيه الذي يعيش في غرفته وذاك الذي يعيش في واقع الحياة ومتغيراتها ، ويعتبر أنه المناخ والرؤية التي تحيط بالفقيه لها الاثر الواضح في وعيه واستيعابه لمسائل الحياة وكيفية انعكاس ذلك على استنباطاته فالذي يعيش في قم لقلة مياهها ليس كالذي يعيش في طهران وفي وفرة مياهها ، فذاك يفكر في كيفية تطهير ماء البئر لاستخدامه في الشرب والاخر يفكر مثلا في استثمار وفرة المياه. وتحدث ايضاً عن قضية عربي وآخر أعجمي ومدني وقروي.

وكتب الشيخ شمس الدين (قدس ) في فقه ادارة الدولة (نظام الحكم والادارة في الاسلام عام 1955م ) وفقه المرأة بالإرشاد الى بعض المسائل سوف يتم ذكرها.

ولا ننسى ما سطره سيدنا الشهيد الصدر الثاني في موسوعته ما وراء الفقه وبعض ما تناوله بعض تلامذته وهو شيخنا الاستاذ اليعقوبي في فقه الخلاف من طرح علمي جديد لاحظ فيه التطورات العمرانية للبلاد الاسلامية وكيف ان لهذا مدخلية في احكام عديدة والتطور الفلكي والطبي وغيرها مما هو مسطر بشكل واضح في بحثه الاستدلالي الفقهي وسوف نذكر امثلة توضح ذلك

 

أمثلة من الواقع الفقهي

الفقيه الاول ويعتقد بتأسيس الدولة ومشروعها وبناء نظام سياسي اسلامي عام يقود البشرية ككل.

    والثاني عكس الاول تماماً، ولنأخذ مثالاً على كيفية مواجهة كلا الفقيهين لمسألة واحدة وهي الخمس في أرباح المكاسب فعندما واجه الفقيه الثاني وأطلع على أدلتها وانه لاوجود لدليل يدل على وجوب الخمس قبل الصادقين عليهما السلام ـ مع التحفظ ـ أجاب بأن الخمس ضريبة شخصية وملك شخصي للإمام واقربائه فلم يكن مناسبا في عصر من العصور ساد فيه الفقر والعوز ان يجبيها من الناس على خلاف الزكاة وهذا يعني تفسير الظاهرة طبقاً لذهنية الفقيه وفهمه لأدلتها بعدم قيام الامام بجمعها ولم ينظر الى أحوال المجتمع والمصالح المترتبة على جباية مثل هكذا ضريبة حسب تعبيره وهذا معناه تعطيل لفريضة لفترة ليست بالقصيرة  وهذا غير متوقع أصلا  حسب ما هو محقق في محلة في كتاب الخمس فليس كل المسلمين فقراء وهذا ما نلاحظه الآن إذ حتى الفقير يجب أن يعيين لنفسه سنة خمسية.

أما الاخر فيعبر أن الخمس ضريبة دولة لسد قسط من حاجاتها وميزانيتها وأن الملكية ملكية منصب لا ملكية شخص, ويأتي دور فلسفة الفقه ليحلل كلا الرأيين على ما عندهم من الادلة على ذلك من دون ان يتدخل في عملية استنباطهم فيضع أمام الاول سلبياته وإيجابياته ويضع الاخر أمام سلبياته وإيجابياته ايضاً.

مثال أخر :

في إدارة الدولة وكيفية معايشة الناس للناس بعضهم مع البعض على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم حين يسأل سائل من الامام سلام الله عليه ما مضمونه اننا في بلادنا نؤاكل المجوس فيقول الامام أن لا أؤاكلهم. ويفهم من كلمه الامام أنه بالنظم الاجتماعية التي عندكم يمكن أن تتعايشوا فيما بينكم أما هو سلام الله عليه فعتبرهم نجسين ولكن تبقى أعراف الناس وأعتيادهم على شيء بالإمكان ان يستمر على حاله فهو يخلق حالة من الآلفة والمحبة والتعايش الطبيعي بين أفراد المجتمع فالإمام ميز نفسه باعتباره إماما وتبقى عادة المجتمع على حالها.

ومثال أخر: أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم قد نهى عن ذبح الحمر الاهلية وفسره الامام الباقر عليه السلام بانه كان الغرض عدم فنائها لاقتضاء مصلحة مجتمعية ببقائها.

أذ يصلح هذا التعبير أن كل ما فيه مساس سلبي على حال المجتمع في كل وقت من الاوقات لا يجوز تجاوزه وهذا مثال لنمط فقهي في دائرة الفراغ لمنع صيد أنواع معينة من الاسماك والطيور والحيوانات .

وعلى غرار ذلك المنع من تخريب الآثار وسرقتها وبيعا باعتبارها كنزا من الكنوز بل المحافظة عليها ومداراتها لأنها تثبت روح الوطنية وحب الوطن والتمسك بحضارته والافتخار بها، وهكذا.

وعندنا مثال أخر أكثر مساسا في حياتنا وهي مسألة حقوق المرأة وانها كانت لها حقوق وعليها واجبات حالها حال الرجال ويأتي البعض ليجعلها مديرة منزلة وآلة تناسل فقط فنجد أن الرجل أذا أنفق عليها فلا يجوز لها ان تطلب الطلاق منه ونسي حاجتها كبشر له حياته ومتطلباته الخاصة به ايضا

وفي العصر الذي عايشناه في مسألة بيع وشراء الدولار بالدينار العراقي وما حدده السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس)في النسبة 5%بينما غيره وحسب القواعد العامة للفقه- حسب فهمه وذهنيته- لم يحددها في شيء فنشأ عندنا طبقية واضحة فأصحاب رؤس الاموال يحتجون بقوله والمتضررون يتوجهون الى كلام السيد الشهيد وهكذا في عصرنا الحاضر من الوقوف في عرفة وحال الامة الاسلامية ككل في عرفات وان الامام قد طبق هذا عمليا حسب ما ورد من الادلة اما الفقيه الاخر فقد جعل الادلة الواردة في مسالة ثبوت الهلال طبقا للميزان الشرعي حسب طرحة حاكمة على تلك الادلة وهكذا فالأمثلة كثيرة جدا لمن اراد ان ينظر اليها بنظرة نقدية خارجية

الاعتراضات على البحث (علم فلسفة الفقه )

أولا: أن فلسفة الفقه عبارة عن ذهنية خاصة واطار فكري لتحليل الفقه والتأمل فيه والشاهد على ذلك أن مسألة لا تزيد على أصابع اليد.

هذه الاشكالية صحيحة من جهة أن مسائله المطروحة حاليا قليلة نعم. إلا أننا لو رجعنا الى التاريخ نشأة علم الاصول لرأينا مسالة كانت أقل  مما طرحه الباحثون هنا ولكنه تطور وتبلورت النظرة فيه تدريجياً الى أن وصل الى ما وصل أليه. فليست العلوم بكثرة مسائلها بل في الاهداف من هذه المسائل والتفريعات التي يمكن أن تتفرع عنها وما يمكن أن تقدمه امام الفقيه في النظرة الشمولية الفوقية والاحاطة بجميع جنبات المسألة الفقهية الواحدة فضلا عن أبواب الفقه ككل ولا أقل من ابواب المعاملات باعتبار التعبد في اكثر ادلة العبادات ونحن في عصر الحداثة والعولمة وصندوق النقد الدولي. واما كونه ذهنية خاصة فيمكن لهذه الذهنية الخاصة ان تقنن بقوانين هذا العلم وموضوعاته سعة وضيقا .

ثانيا: لا نريد أن نتحدث عن اهداف هذا العلم وجدوانيته وإنما نتحدث عن مخاطر الخوض في مجمل مسائل هذا العلم لآنه يفضي الى النزاعات التشكيكية بالمنجز الفقهي خلال الفترة التأريخية المنصرمة الى يومنا هذا لأنه يحاول أن يعطي للفقيه بوصفه عالما وللفقه بوصفه علماً بشرياً علوما اضافية ويقدم بين يدية دراسة نقدية مما يؤدي الى التعرض الى قدسة هذا المنصب الإلهي وبالنتيجة  الى تضعضع مكانة الفقيه الدينية وفقدانها للتأثير في النفوس.

والجواب لو أردنا أن نعتبر القداسة بعداً ألهيا كما تزعمون فما بال التفكير الفقهي يمر بالظن وينزله منزلة الحجية الواجبة العمل وهذا لا يختص بالشيعة بل عند العامة أيضا وكان الاجدر أن نطالب الاصوليون والمخطئة بنفس هذه الطريقة . بل أن الاوضح من ذلك أن البحث في فلسفة الفقه يضفي على الفقيه قداسة أكبر وأعمق لأنه سوف يكون محيطا بكل العوامل الدخيلة في استنباطاته الخارجية منها والداخلية ويراعي فيها الوضع المجتمعي والوضع الفردي مما يؤدي الى النظرة الشمولية في المسائل وهذا مالا توفره النظرة الاجتهادية الضيقة

 

الخلاصة :

  1. تقدم أن علم فلسفة الفقه علما مستقلاً نقديا ينظر الى العلوم الاجتهادية والاستنباطية الاخرى من خارجها ويحاول تحليلها والاشارة الى نقاط الضعف والقوة فيها . فموضوعه نفس الفقه ومسائله متعلقة بكل ما من شأنه أن يقع في طريق الاستنباط الفقهي .
  2. فلسفة الفقه علم أعم من مسائل مقاصد الشريعة وأن عده البعض مساوياً لها إلا أننا أشرنا الى أن المقاصد يمكن أن تدرج من ضمن مسائل أصول الفقه وليس فلسفة الفقه باعتبارها لو _تمت _عنصر مشترك في عملية الاستنباط
  3. إن لعلم فلسفة الفقه جذوراً تأريخيه قد سجله بعض علمائنا القدامى ثم قدر له أن ينهض من جديد على يد مفكري الامامية الشهيد الصدر الاول والشهيد مطهري والشهيد الصدر الثاني في ما كتبه في ما وراء الفقه وما يطرحه شيخنا الاستاذ اليعقوبي في بحثه الاستدلالي الفقهي حاليا
  4. الامثلة المطروحة آنفاً تبين لنا النظرة الشمولية للفقيه المحيط بجميع جوانب المسألة وكيفية تنقيح المناطات فيها مع الحذر من الوقوع في القياسات الباطلة والاستحسانات المرفوضة .
  5. مسائل فلسفة الفقه يمكن أن تطرح على نحو المجموع إلا انها تبقى أطروحة جديدة قابلة للرد والنقض والزيادة والنقصان وهذا ما سنحاول بيانه في ندوتنا التخصصية اللاحقة أن شاء الله .

والحمد لله أولا وأخراً…. وصلى الله على محمد وأله الطاهرين