الحركة باتجاه الكمال… والكدح نحو الله ..

190

الحركة باتجاه الكمال… والكدح نحو الله ..

 

الشيخ محمود الجياشي

 

كلنا يسير … كلنا يتحرك … كلنا يكدح … ليس هناك من توقف في هذه المسيرة الكونية .. ولا من تباطء في هذه الحركة الوجودية …

ولاشك أن الانسان يمر في كل آن من حياته بلحظة اختيار .. في أكله .. ولباسه .. ونومه .. ومشيه … وعمله .. وعلاقاته … واتجاهه الفكري .. وجميع قرارته التي تحدد مسيرة وجوده .. سواء الخطيرة  او  اليسيرة  …. لان حياته متحركة .. متصرمة .. ومن المستحيل ان نتصور لحظة توقّف يعيشها الانسان .. بل ان حركة الانسان هي السرّ في حركة هذا العالم برمته !

لكن السؤال المهم هو :

الى أين نتجه ؟ وما هو الهدف والغاية التي تنتهي اليها قافلة حياتنا الطويلة؟

هذا بحاجة الى ( عناية ) و ( توفيق ) و ( بصيرة ) و ( حذر شديد ) !

قال الصادق عليه السلام :  العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة المشي الا بعداً !!

فليس المهم سرعة المشي ! ولاحظة الانطلاق ! بل المهم تحديد جهة الهدف والغاية ..

فكم من مسرع يبتعد عن هدفه في كل لحظة ! ويحسب انه يقترب !

قال تعالى : (( يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه ))

مسيرة الكدح نحو الله لابد انها ستنتهي بلقاء الله سبحانه  .. وهذا من الحتميات التي لا خيار للإنسان فيها .. كما ان مجيئه الى هذا العالم كان كذلك ..

لكن المهم أنك تلتقي الله سبحانه في الرضوان أم الغضب ؟!

كل المؤمنين يقصدون الله في حركتهم .. حسب دعواهم .. او هكذا يكون جوابهم عندما نسألهم عن الهدف من حركة حياتهم وغاية اعمالهم …

لكنهم يتقاطعون في كثير من منعطفات هذه الحركة الى حدّ التكفير  ! بالرغم من أن هدفهم واحد بحسب اعتقادهم 

حتى الاخرين الذين يتحركون في اطار آخر غير الايمان بالله … نراهم يتقاطعون في اتجاهات مسيرتهم .. بالرغم من أنهم ينشدون هدفاً واحداً .. كالسعادة .. أو الانسانية .. أو العقلانية .. أو راحة الضمير .. الخ ..

اذا كان هدف المؤمنين وغيرهم واحداً … وغاية مسيرتهم كذلك … فلماذا التقاطع .. والتناحر … ؟!

وإن قيل ان الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق ! فهذا لا يعني اختلاف هذه الطرق الى حد التقاطع … وانما يعود هذا التعدد الواسع الى أن مصدر الكمال الذي تؤدي اليه هذه الطرق لامتناهي .. فكمالاته لامتناهية .. والطرق الى هذه الكمالات لامتناهية بالضرورة …

لكن بجمعها مركز الكمال المطلق الذي لابد ان ينتهي اليه جميع السائرون نحو الله !

المشكلة في اختيار  الهدف والطريق نحو الهدف … وتحديد الجهة التي تنطلق فيها حركة الحياة …

لو كان الطريق الذي يسلكه كل واحد منهم صحيحاً لما  حصل  التقاطع أصلاً ..بل ستكون كل اتجاهات حركتهم تكاملية يعضد بعضها بعضاً … نحو الهدف الواحد الذي يمثل المثل الاعلى في مسيرة التكامل الحقيقي .

يشهد لذلك أننا لو قلنا – افتراضاً – باجتماع كل أنبياء الله ورسله – ال 124 ألف حسب بعض الروايات – في زمان واحد فمن المؤكد استحالة وقوع الاختلاف بينهم في الدعوة الى الله سبحانه لأن مثلهم الاعلى واحد (( ولله المثل الاعلى ))  فما بال هذا التقاطع والتناحر والاختلاف بين أتباعهم ؟!!

قال تعالى :

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۞ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا .  مريم 58 – 59 .