الدعاء والعمل- الشيخ علي العبادي

300

الدعاء والعمل

الشيخ علي العبادي

  نعلم أن الدعاء سلاح الأنبيـاء عليهم السلام . وهو كما قال الإمام الباقر عليه السلام من الله بمكان : ( ولا تمـل من الدعـاء فانه من اللـه بمكان ) (1) وكما قال الإمام الصادق عليه السلام : ( عليـكم بالدعاء فأنـكم لا تتـقربون بمثله )(2)

    ولكن ومع هذه المكانة المرموقـة للدعاء في المنهج الإسلامي، وفي حياة الناس إلا انه لابد أن يقترن بالعمل. فان لم يكن كذلك فلا فائدة مرجوة منه. لأن الإسلام دين علم وعمل وعبادة. و لابد من ضم العمل إليه ليعطي النتائج المرجوة منه.

    وإنما سقت هذه المقدمة لأن هناك من يعتقد بأن الدعاء مع ما له من مكانة في الإسلام إلا انه ينطوي على عدة مفاسد وإشكالات. ذكرنا بعض منها في مقال  سابق كان بعنوان ( فلسفة الدعاء ) وأجبنا عليه بقدر ما مكننا الله تبارك وتعالى.  ونذكر الآن إشكالا” آخر قد يرد عليه، مفاده:

    إن الإنسان سيصبح اتكاليا “، ولا يعتمد على العمل في قضاء حوائجه. بل سيعتمد على الدعاء والمناجاة والأذكار، من غير أن يحتاج إلى العمل. فلغرض الرزق يجلس في بيته ويدعو الله لكي يرزقه. وللشفاء من المرض لا يذهب إلى الطبيب بل يدعو الله تعالى لشفائه. وهكذا في جميع أموره، يدعو، والله يستجيب

    وقد يستدل هذا المستشكل على دعواه ببعض ما ورد في القرآن الكريم من النصوص المباركة التي تدل بظاهرها على ما ذهب إليه ، ومن ذلك :

 قوله تعالى:{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}الطلاق الآيات\2-3.

وكذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } البقرة \212.

   فحينئذ قد يقال: إذن لماذا أعمل وأكد وأجتهد ما دام الله تعالى يرزق من حيث لا يحتسب، وبغير حساب. ولماذا يجهد الإنسان نفسه؟؟ فقط يتقي الله تعالى ويدعوه، وسيرزقه عز وجل بغير حساب.

  وكذلك في مجال المرض لا يذهب إلى الطبيب، لأن الله تعالى يقول:

{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } الشعراء80. فيجلس المريض في بيته ويدعو الله تعالى لكي يشفيه. دون أن يذهب إلى الطبيب ليصف له الدواء. وهكذا في جميع أمور حياته. يتوجه إلى الله تعالى بالتضرع والدعاء ويطلب ما يريد والله تعالى سيعود عليه بالاستجابة.

وللجواب على ذلك نقول بعد التوكل على الله تعالى:

    إننا نعلم أن الله تعالى قادر على كل شيء. وأن الخلق والأمر بيده، وانه تعالى إذا تعلقت إرادته بإيجاد أي شيء فلا يمكن تأخر ذلك مطلقا “، فهو تعالى { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } البقرة117.  وهو القائل عز من قائل: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } النحل40. كل ذلك نؤمن به بشكل قاطع. وان الخير بيده تعالى. وكذلك الرزق والشفاء من عنده، لا من عند غيره. وإذا منع رزقه أو شفاءه عن أحد فلو اجتمع الجن والإنس على تأمينهما ما استطاعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وهذا ما لا يختلف عليه اثنان. ولكن هذا لا يعني أن يكتفي الإنسان به وبالإيمان بالله تبارك وتعالى وبقدرته ، فيقعد في بيته ويدعو الله تعالى لكي يرزقه أو يشافيه من المرض دون أن يسعى للعمل أو يقصد الطبيب.

    فالدين الإسلامي دين علم وعمل. ولا يمكن أن يتكل الإنسان على ما يعلم دون أن يقرن ذلك العلم بالعمل الجاد والمثابرة. وأن الاستعانة بالله تبارك وتعالى على قضاء الحوائج من باب إعانته في مسعاه. فالدعاء ليس بديلا” عن العمل. فمن أراد الشفاء من المرض فليدع الله تعالى ليشافيه، ولكن لابد من تناول الدواء لغرض العلاج لعل الله تعالى يبارك له ويشفيه. ومن أراد أن يوسع الله عليه في رزقه فليتوجه إلى الله عز و جل بالدعاء لأنه هو الرزاق الكريم وليسع لطلب وتأمين هذا الرزق.

    فالإسلام يأبى ويرفض فكرة الكسل والقعود عن العمل . وقد كرم العاملين وحث على العمل. ودعا إلى السعي في الأرض لتأمين الرزق .  يقول المولى عز وجل:

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}الملك15.  وقال تعالى :{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}الزلزلة7\8.

 وقال عز من قائل:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }النساء40

    وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (أربعة لا يستجاب لهم دعوة : الرجل جالس في بيته يقول: اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالطلب؟! ورجل كانت له امرأة فدعا عليها، فيقال له: ألم أجعل أمرها إليك؟! ورجل كان له مال فأفسده فيقول: اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالاقتصاد؟! ألم آمرك بالإصلاح؟! ثم قال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }الفرقان67، ورجل كان له مال فأدانه بغير بينة، فيقال له: ألم آمرك بالشهادة ؟!…) (3)

    وهذا الحديث المبارك الشريف يبين وبشكل واضح وصريح عدم جواز الاتكال على الدعاء فقط دون التقيد بالأسس السليمة التي رسمتها الشريعة السمحاء والمنهج الإسلامي المبني على أساس العمل بالأسباب والمسببات التي هي من أسباب نجاح حياة المؤمن وديمومة بقائه وحفظ حقوقه.

    وعن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبدالله) عليه السلام ): رجل قال: لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدن ربي، فأما رزقي فسيأتيني، فقال: هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم …)(4)

    وغير ذلك الكثير من الأحاديث المباركة الداعية إلى ضرورة اقتران الدعاء بالسعي والعمل. وعدم الاتكال على الأماني والتمني.

    فبقدر ما ينظر المولى تعالى لدعاء الإنسان ينظر جلت قدرته إلى سعيه لتأمين رزقه من خلال العمل والمثابرة والتسبب بما يكون مقدمة لتحصيل النتائج.

    إن الأمم المتمدنة والمتقدمة إنما يقاس نجاحها بالإنجازات التي قدمتها لخدمة البشرية من خلال عملها الدؤوب في شتى المجالات. وأستطيع أن أجزم بأنها قطعت شوطا ” بعيدا” عنا لاهتمامها الكبير بالجانب العملي .بينما نرى أن شعوبنا بقيت تهتم ببعض الجوانب وتركت هذا الجانب الهام مما جعلنا نحتاج الغير في كل شيء وللأسف الشديد . ورخم الله أمير الشعراء عندما قال :

       وما نيــل المطالب بالتمنـــــي          ولكن تؤخـذ الدنيـا غلابــــــا

    وهنا لابد من التطرق إلى أمر في غاية الأهمية ، ويكاد يكون محل جدل عقيم . وهو الجدل القائم بين النظرية المادية المجردة من التدخل الغيبي في حياة الإنسان والتي تنتهجها الفلسفة المادية القائلة باستقلالية سير الحياة عن التدخل الإلهي. فتعزي تصرفات الإنسان وما يحصل بهذا الكون الواسع هو بمحض إرادة الإنسان ، وان السماء ليس لها أية علاقة بما حصل أو يحصل للعباد . فعند القائلين بهذه النظرية إن الإرادة البشرية هي التي تتحكم بكل مفاصل الحياة حتى الكونية منها. وذهبت بذلك بعيدا” دون أن تترك للسماء مجالا” للتدخل في تغيير أو تثبيت أية حال من أحوال هذا الكون وأهوال هذه الحياة. وبين النظرية القرآنية التي جعلت كل ما يحصل للإنسان في هذا الكون متعلق بمشيئة الله تبارك وتعالى . والتي عبرت عنها الآية المباركة بقوله تعالى:

 {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }التكوير29.

    فلا استقلالية للإنسان فيما يحصل له أثناء وجوده في هذه الحياة. وما من شيء يتحرك أو ينمو أو يصعد إلى السماء أو ينزل إلى الأرض إلا بمشيئته تبارك وتعالى . هذا من جهة ،

   ومن جهة أخرى أن السنن الكونية إنما تتحرك من بين يدي الإنسان . ولا تمر من فوق رأسه – أي بمعزل عن وجوده -، فبسبب توجهات وتحركات الإنسان تسير الأمور الكونية جميعها.

   وبمعنى آخر : مثلما نعتقد أن السماء لها علاقة بتحرك الإنسان . وأن جميع تصرفاته وتوجهاته ترتبط بمشيئة الله تبارك وتعالى ،كذلك ما يحصل في هذا الكون من سنن وتغيرا ت في الطبيعة إنما تحدث وللإنسان علاقة كبيرة في حدوثها وتغيرها. لا أنها تحصل اعتباطا من غير أن يكون للإنسان دخل في حصولها.

صحيح أن الله تعالى يفعل ما يريد. وأنه يحرك مخلوقاته ويتحكم بها متى ما يشاء وكيفما يشاء لكنه جلت قدرته لا يفعل ذلك بمعزل عن توجهات الإنسان وتحركاته وسلوكه. بل أن كل ما يحصل من تغيرات مناخية  أو أرضية من عواصف وزلازل وبراكين تحدث بسبب سلوك البشر وتصرفاتهم.

   يقول المولى تعالى :

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96.

{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً }الكهف59.

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }القصص59

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41.

فقد ربط المولى تبارك وتعالى بين سلوك الإنسان واعتقاده من جهة ، وبين سننه الكونية وتحرك الطبيعة وخيراتها من جهة أخرى.

   على هذا تسير الأمور في هذه الحياة وفي هذا الكون وفق نظام خاص أوجده الله تعالى . لا يختلف ولا يتخلف مهما تعددت الأماكن واختلفت الأزمان.

   فتبين مما سبق اختلاف النظرية القرآنية عن غيرها من النظريات الوضعية في عدم استقلالية سلوك الإنسان عن السماء .بل بينهما ارتباط وثيق يكاد يكون أحيانا” من باب العلة والمعلول إلا ما شاء الله رب العالمين.

  وعودة منا على ذي بدء نقول:

 لابد للإنسان إذا أراد من الله تعالى أن يغير ما في حاله كالفقر والمرض أن يدعو الله تعالى ولكن مشروطا” بالسعي لطلب الرزق ولطلب الشفاء من مضانه. مع الأخذ بنظر الاعتبار أن ما موجود من أسباب مادية نتوسل بها لبلوغ غايتنا إنما سببيتها محدودة جدا” ومشروطة بما قدر لها الله تبارك وتعالى من الحد. لا على ما يتصور المرء من أن لها استقلالها بالتأثير. بل ماهي إلا طريقة و وسيلة لبلوغ الغاية. أما الأمر الحقيقي والتأثير الحقيقي إنما هو بيد الباري عز وجل. والواجب التوجه إليه  أولا” وبالذات. وان كان جلت قدرته أبى إلا أن تجري الأمور وفق أسبابها. ولكن لابد من الانتباه على إننا حينما نتوسل بالأسباب لابد أن نعي أن الله تعالى هو الذي أفاض عليها السببية. مع الأخذ بنظر الاعتبار أيضا ” إننا لا نريد أن نلغي الأسباب بمقدر ما نريد إلفات النظر إلى كونه تعالى هو موجد هذه الأسباب والمفيض عليها من وجوده المقدس. *

  وأخيرا” نقول:

 لو أن المولى أراد منا التوصل للغايات عن طريق الأسباب فالدعاء أحد هذه الأسباب ، بل هو من أهم هذه الأسباب. فمقدار عدم إمكان الاستغناء عن الدعاء إلى الله تبارك وتعالى ، فكذلك لا يمكن الاستغناء عن التوسل بالعمل لتحقيق الغايات المنشودة. فكلاهما من الله والى الله.

   اللهم اجعلنا من الدعاة العاملين ولا تمقتنا انك أنت السميع العليم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين وجميع الأنبياء والمرسلين وعباده الصالحين العاملين المخلصين.

________________________________________

(1)  (2) وسائل الشيعة:ج7ص37.        

(3) وسائل الشيعة:ج7.الباب:50.حديث :89.08.

(4) المصدر السابق: حديث:8910.        *ينظر الميزان: 2 \ 42