الصدق مفتاح النبوة الخاتمة – الشيخ علي العبادي

211

الصدق مفتاح النبوة الخاتمة

الشيخ علي العبادي

بسم الله الرحمن الرحيم

 في البدء لابد أن نقف عند مقدمــة نرى من المناسب سوقها، وهي أن الاحتفاء بذكــرى ولادات العظمــاء ووفياتهم إنما يكون باستحضار القيم والمبادئ والأهداف والغايات التي عاشوا من أجلها، و الأخلاق النبيلة التي اتصفوا بها وبالسلوك الذي مارسوه في تفعيل وتحقيق تلك القيم والأهداف والغايات التي حققوها في مجتمعاتهم. لنستخلص منها الدروس والعبر ولتكون لنا منهجـا” ومنهلا” نغترف منه ما يصلح حياتنا الخاصة والعامة وعلى جميع المستويات. تلك المبادئ والأفكار والسلوكيات التي عالجوا بها أنفسهم ومشكلات مجتمعاتهم، وأسسوا بها خلافة الله في ارضه وإرادته لخلقه.

وأشرف الخلق على الإطلاق هم الأنبياء والأولياء والأوصياء عليهم آلاف التحايا والسلام. فهم حجج الله على خلقه، اجتباهم واصطفاهم ليكونوا مبلغين لرسالته وأمناءه على خلقه وحفظة” لسره وعيبة علمـــه. ولعل أفضلهم منزلة وأرفعهم درجـــة هو نبي الرحمــة ومنقذ الأمة المصطفى المؤيد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. اختاره من بين خلقه ليكون  شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً { 45، 46الأحزاب} ولــــ { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } الجمعة2 و{ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } المائدة16.

    وقد تحقق كل ذلك على يده الشريفة المباركة ليحـــول في بضعة سنين مجموعة أفراد كانوا أعداء” يتقاتلون على الشاة والإبل مئات السنين إلى أخوة متحابين وأمـــة متمدنة ومتحضرة صنعت التاريخ من جديد بالانتقال من الحياة الجاهلية بكل ماتعني الكلمة من معنى كما وصف ذلك الله تبارك وتعالى بقوله عز من قائل: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران103. إلى أخوة في طريق الهداية والصلاح والإصلاح.

بهذه المبادئ وهذه الروح والقيم النبيلة وهذه النفس الزكية العالية الخلاقة التي كان يتصف بها سيد الخلق صلى الله عليه وآله التي واجه بها المجتمع البدوي الجاهل الغارق في الرذيلة ربــى الأمة لــيكون عليهم شهيدا” ، ويكونوا شهداء على الناس { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ  }ا لحج78.

    وها نحن اليوم بعد مرور أكثر من ألـــف عام نستذكر هذه الشخصية العظيمة الخلاقة لنقف أمامها بإجلال وإكبار آملين أن يتلطف علينا الله تبارك وتعالى بأن نستحضرها بكل ما تحمل من تلك الصفات والأخلاق والمبادئ والقيم والمثل العليا، ليكون لنا أسوة” حسنة كما أمرنا الله تعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } الأحزاب21 ولنحقق من خلالها ما نربوا إليه من تفعيل إرادة الله تعالى وشريعته السمحاء التي بها حياة الناس. والتي تحتاجها البشرية جمعاء في هذا الوقت وهذا الزمان أكثر من أي زمن مضى. كيف لا؟ وهي تعيش حالة التردي والضياع وشريعة الغاب، والفقر والحرمان . بل تعيش الجاهلية الأولى وبكل امتياز إن لم تكن أكثر.

وكان لابد لنا في ذكرى ولادته العطـــرة أن نتبرك بشذرات من هذه الحياة المليئة بالعطــاء والسخاء التي ملأت الدنيا. ولاتكاد تخلو منها أي بقعة من بقاع هذه المعمورة المترامية الأطراف بغض النظر عن معتقداتها وألوانها وطريقة تفكيرها. أذ لا تخلو ملة ولا جماعة ولا فئة الا وترنمت بخصاله الحميدة حتى قيـــل :

    بلغ العلا بكمـــــــــــاله     كشف الدجى بجمــــــاله

    حسنت جميع خصاله       صلوا عليه وآلـــــــــــله

اللهم صل على محمد وآل محمـــــــــــــــــــــــــــــــــد

   فلعلنا جميعا” نتفق على تلك المزايا والأخلاق الربانية التي اجتمعت في شخصيته المباركة ، باعتباره نبي الرحمة ومنقذ البشرية المصطفى محمد صلى الله عليه وآله والتي اختصرها المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم في قوله جل وعلا { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } القلم4.

    فقد اجتمعت فيه صلى الله عليه وآله الرحمة والرأفة والحرص على المؤمنين { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } الأنبياء107{ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }ا لتوبة128. وكان صلى الله عليه وآله طيبا” رقيقا” مع الناس ، يأنس بكلامه واسلوبه حتى الذين حاربوه { وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } آل عمران159.

 ولعل الثبات على المبـــدأ وعدم التلون والتغير وفق المصالح الضيقة كانت من أوضح تلك الصفات الربانية التي خلدها التاريخ له، كيف لا وهو الذي أجاب عمه أبا طالب رضوان الله تعالى عليه مصرا” على الاستمرار في تبليغ رسالة السمـــــاء السمحــــاء مهما بلغ من الأمر تنفيذا” لأوامر الله تعالى ،غير مكترث بتهديد الظالمين، ومهما كانت النتائج:

 (( والله ياعم لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بشمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ماتركته ))

    لذا لا تجد صفة” حسنة تخطر في ذهن البشرية الا وكانت عنده وفيه ، ولا صفة” ذميمة وسيئة تمقتها النفس الا وفارقته. كيف لا وهو القائل:

    (( إنـمــــــــــــــا بعثت لأتمـم مكـارم الأخـــــــــــــلاق ))

فلايمكن أن يبعث صلى الله عليه وآله ليتمم مكارم الأخلاق مالم يكن متصفا” بها وعلى أتم وجه. ويتضح ذلك جليا” من خلال النص المبارك الذي صدر عن الإمــام الصــادق عليه السلام بقوله:

(( إن الله عز وجل أدب نبـيه فأحسن أدبه، فلما أكمل الأدب قال: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }

    وليس ذلك بخاف على أحد اطلاقا”، ولست في صدد بيان صفاته وأخلاقه وما تميزت به روحه وذاته المباركة ، فهو الأقدس على الاطلاق ما خلا الخالق عز وجل .ولكن ما يلفت النظر ويثير الدهشة هو ما افتتح به رسالة السمــــاء عندما نزل الأمـر الإلـهي بالصدع بها والدعـوة الى الله عز وجل والإيمان به وتوحــيده بقولــه  تبارك وتعالى :

{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } الحجر94-95.

 فما الذي فعله صلى الله عليه وآلــه ؟ أي طريقة يا ترى اتبع في تبليغ الرسالة المباركة؟ ما الذي سيقوله لهؤلاء القوم الذين عاش معهم ويعرف صفاتهم . عاش معهم أربعين سنة ويعلمهم جيــدا” ولا تخفى عليه ردود أفعالهم. هل سيقول لهم : أرسلني الله تعالى اليكم رسولا” فليؤمن من يؤمن وليكفر من يكفر؟ هل سيخرج لهم مخطوطا” من السماء يأمر الناس باتباعه لأنه نبي الله إليهم؟.

كلا… لم يتبع صلى الله عليه وآله  أية واحدة من هذه الأساليب والطرق، بل اعتمد على صفة واحة فقط من صفاته المباركة ألا وهي الصــــــــدق . نعم الصدق. كيف لا ،وقد اشتهر بين ذلك المجتمع بالصادق الأمين.

    تشير المصادر التي بين ايدينا أنه صلى الله عليه وآله وقف على الصفا ونادى قريشا” من كل ناحية وصوب، ولما أقبلوا عليه قال صلى الله عليه وآلـــه :

( أرأيتكم أن أخبرتكم أن العدو مصبحكــم أو ممسيــكم ما كنتم تصدقـــونــي ؟ ) . قالـــوا : بــــــلى ،

نعـــم يارسول الله، نصدقك، فأنت الصادق المصدق… أنت الصادق الأمين الذي عاش بيننا أربعة عقود من الزمن دون أن يسجل عليك التاريخ والبشرية زلة لسان، ولاهفوة في كلام… عندئـــذ أجاب وبكل ثقــة واطمئنـــان :

( فـــإنـي نـذيـر لـكـم بيـــن يـدي عــــــذاب شديـــــد ).

نعم يارسول نصدقك ويصدقك العالم أجمع… فأنت الصادق المصدق. صادق القول والوعـــد. لاحظوا أيها الأخوة أنه صلى الله عليه وآله اعتمد في تبليغ رسالة الله وهـدف جميع الأنبيـــاء على خصلة واحدة من خصاله وصفة واحدة من صفاته ألا وهي الصـــــدق لاغيرها.

ويبدو أنه صلى الله عليه وآله يعلم بعلم الله تعالى أهمية هذه الخصلة والصفة عنده، وكل صفاته وخصاله مهمة، ولكن من حيث سيكون لها الدور الفعال في تبليغ رسالة الإسلام المباركة. لذلك عمل على ان يكون الصدق هو ما يشتهر به بينهم بحيث لا يمكن أن يدخل الشك لأي أحـــد في اتصافه بها صلى الله عليه وآله. والغريب أن المكابرين والمستهزئين كان يعلمهم الله تعالى قبل ردهم عليه ،فطمئنه بقوله تعالى  { إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } الحج95.والتي جاءت بذيل آية الصدع بالأمــر.

وللصدق أهمية كبيرة في حياة الناس لذلك بين الله تعالى مكانة الصدق والصادقين في كتابه الكريم لما لهذه الصفة الحميدة من مكانة عالية ولآثارها الإيجابية حينما يتحلى بها الأفراد والمجتمعات، قال تعالى :

{ وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } الزمر33. وقال تعالى:

{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } آل عمران17.

وقد وضح الباري عز و جل أن للصادقين منازل قد لا يمكن تحصيلها الا به، قال جل وعلا:

{ قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ …..} حيث أكمل الباري قوله مبينا” جزاءهم بسبب صدقهم…..{ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } المائدة.

119. وسمـــى غير الصاقين منافقين بقوله تعالى:

{ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }الأحزاب24. وذكر تعالى صفات الصادقين بقوله تعالى:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }الحجرات15.

و{ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } الحشر8.

    حتى أنه تيارك وتعالى ندب الناس اجمعين والمؤمنين ليكونوا مع الصادقين، حيث قال جل وعلا:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }التوبة119

    وكم أتمنى أن يلتفت جميع المتصدين لرعاية شؤون الناس من رجال دين وسـاسـة ورجال أعمال وفي أي موقع كان ، و لأي جهة ينتمي الى ان الصدق في الحديث صفـــة يمتدحها الجميع مهما اختلفوا ، وقد تخلق فارقا” كبيرا” في بعض المعادلات السياسية منها على الأخص. ولعل هذا ما رآه العالم أجمع  واضحا” جدا” في شخصية السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله إلى درجة أن أعداءه من الصهاينة على اختلافهم يستمعون الى خطاباته ويعملون وفق ماتقتضيه لشهرته بينهم وعند الجميع بصدق الحديث. وهذا من المفارقات العجيبة، لأن أغلب ،إن لم نقل جميع ساسة العالم لم يثق بعضهم  ببعض لتفشي الكذب والنفاق بينهم ولإشتهارهم فيه ،حتى الذين ينتمون الى نفس الجهة ويقفون في ذات الخندق.

فسلام عليك يارسول الله أيها الصادق الأمين يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.