عبد الكريم سروش والخلط المعرفي 3

287

عبد الكريم سروش والخلط المعرفي

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

لقد وصف عبد الكريم سروش الوحي القرآني بأنه (منتج وحياني من النبي)([1])، في تجني واضح على شخص النبي الأكرم (ص)، وفي دلالة واضحة على ان عبد الكريم سروش أما لم يقرأ القرآن الكريم، أو لا يفهمه ولا يعرف ما جاء به، ذلك ان القرآن الكريم فيه (جرس ألفاظ) يحتاج إلى أذن (عربية خالصة) لكي تحدد وتميز كلماته التي تشابه باقي الكلمات بالأحرف وتختلف عنها بوقعها وبلاغتها وتذوقها.

ثم ان هناك الكثير من آيات القرآن الكريم قد أكدت ان النبي الأكرم (ص) عبد لله تعالى، وان القرآن من عند الله وحياً وكلاماً ونزولاً وتدويناً.

1ـ قال تعالى: ((وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ )) سورة الشعراء، الآيات (192) ـ (195).

2ـ قال تعالى: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ )) سورة الحاقة، الآيات (40) ـ (52).

3ـ قال تعالى: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)) سورة يوسف، الآية (3).

والعشرات من الآيات القرآنية التي أكدت على ان القرآن الكريم وحيٌ من عند الله تعالى، أنزله على النبي محمد (ص)، ولم يأت به النبي محمد (ص) من عند نفسه أبداً، ولم يأخذه من بشر عادي، ولا من ديانة سابقة، ولا من كتاب سابق، وليس هو عبقرية أو حالة نشوة مطلقاً.

إن دعوى عبد الكريم سروش ليست جديدة حول الوحي، فعلى سبيل المثال قد أجاب عن مثلها الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني (ت1948م)، بقوله: (وقد أسفّ بعض الناس فزعم أن جبرائيل كان ينزل على النبي ” ص ” بمعاني القرآن , و الرسول يعبر عنها بلغة العرب. وزعم آخرون أن اللفظ لجبرائيل, وأن الله كان يوحي إليه المعنى فقط. وكلاهما قول باطل أثيم, مصادم لصريح الكتاب, والسنة, والإجماع, ولا يساوي قيمة المداد الذي يكتب به)([2]).

إن عبد الكريم سروش يعد اشكالات (اليهود)، و(المشركين)، و(الملحدين)، و(المستشرقين)، ومن شاكلهم من جديد، بل هو يردد كالببغاء متماهياً مقولات الآخرين. لنجد بعد ذلك سفسطة واضحة منه حين يقول: (عندما نقول إن هذه الأمور ترتبط بشخصية النبي فليس معنى ذلك ان النبي هو مخترع هذا الكلام، بل معناه ان هذا الكلام يرتبط بقدرته ورصيده المعنوي والمعرفي)([3]).

انها بحق سفسطة ما بعدها سفسطة، وخليط متداخل، وتشويش كبير على عقول الأخرين، فمن جانب يقول ان الوحي (يرتبط بشخصية النبي)، ومن جانب آخر يقول (ليس معنى ذلك ان النبي هو مخترع هذا الكلام)، ليضيف ثالثاً قوله (ان هذا الكلام يرتبط بقدرة النبي ورصيده المعنوي والمعرفي)، فهل هناك سفسطة أكبر وأكثر من هذه التي بنيت على تعمد في تشويه شخصية النبي الأكرم (ص) من خلال اختراع (بديهيات) لا أصل لها، يريد مصادرتها على الآخرين بأنها بديهيات.

ثم نقرأ قوله: (ولكن بما أننا نعتقد ….)([4])، وقوله: (فإنني أعتقد أن النبي هو المشرع للأحكام الفقهية…)([5])، فمتى كان اعتقاد عبد الكريم سروش حجة؟ ومن هو ليعتقد أو لا يعتقد؟ ثم من هو ليفرض اعتقاده على الآخرين؟ وهل بالاعتقادات الشخصية الفردية للناس العاديين تقرر الحقائق؟!

 

((يتبع))



[1] – بسط التجربة النبوية، عبد الكريم سروش، ص95 ـ 96.

[2] – مناهل العرفان في علوم القرآن، الزرقاني , ج 1 , ص 49 .

[3]بسط التجربة النبوية، عبد الكريم سروش، ص137.

[4] – بسط التجربة النبوية، ص138.

[5] – بسط التجربة النبوية، ص120.