صدر الدين الشيرازي وشبهة القول بالجسمية (الحلقة الثانية)

348

صدر الدين الشيرازي وشبهة القول بالجسمية (الحلقة الثانية)

الشيخ مازن المطوري

 

بسيط الحقيقة كلُّ الأشياء

استفادَ صدرُ الدين الشيرازي من قاعدة “فاقد الشيء لا يعطيه” في تقرير القاعدة المعروفة: (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وليس بشيء منها), واثبات أن الحق تعالى جميع الأشياء وليس بشيء من نقائصها. قال في الأسفار:

(إنّ العرفاء قد اصطلحوا في اطلاق الوجود المطلق والوجود المقيّد على غير ما اشتهر بين أهل النظر. فإن الوجود المطلق عند العرفاء عبارة عما لا يكون محصوراً في أمر معين محدود بحد خاص, والوجود المقيد بخلافه كالإنسان والفلك والنفس والعقل. وذلك الوجود المطلق هو كل الأشياء على وجه أبسط, وذلك لأن فاعل كل وجود مقيد وكماله ومبدأ كل فضيلة أولى بتلك الفضيلة من ذي المبدأ. فمبدأ كل الأشياء وفيّاضها يجب أن يكون هو كل الأشياء على وجه أرفع وأعلى.. فهكذا حال أصل الوجود, وقياس احاطة الوجود الجمعي الواجبي الذي لا أتم منه بالوجودات المقيدة المحدودة بحدود يدخل فيها أعدام ونقائص خارجة عن حقيقة الوجود المطلق الداخلة في الوجود المقيد)(1).

ويعتبر الشيرازي أن قاعدة بسيط الحقيقة من غوامض العلوم الإلهيّة, ويرى أن إدراكها لا يتحقق إلا لأولئك الذين يهديهم الله تعالى لمنابع العلم والحكمة(2). إذ لا بد من أفق فسيح فُسحةَ المحيط, وقريحة لطيفة لُطفَ نسيم الصبا, لكي يستطيع الإنسان أن يهضم مضمون هذه القاعدة, دون أن يلحق الأذى بنفسه أو بالقاعدة(3).

إذن بسيط الحقيقة كلّ الأشياء الوجودية وليس شيئاً من نقائصها والأعدام, والواجب تعالى بسيط الحقيقة واحد من جميع الوجوه, وحدته حقّة, فهو كلّ الوجود, كما أن كلّه الوجود.

العلامة الطباطبائي وقاعدة بسيط الحقيقة

يرى العلامة الطباطبائي رحمه الله أن الاستدلال على قاعدة بسيط الحقيقة بما تقدم من كون “فاقد الشيء لا يعطيه”, وإن كان تاماً في نفسه, ولكن يوجد مسلك وبرهان آخر على ذلك, أشرف وأعم نفعاً. ومحصّل البرهان الذي ذكره في حاشيته على الأسفار:

إن الهوية البسيطة الإلهية إذا لم تكن كلّ الأشياء الوجودية وكمالاتها, يلزم من ذلك كونها مركبة من الايجاب والسلب, من كون شيء ولا كون شيء. والمفروض أن الهوية الالهية بسيطة محضة حسبما قام البرهان على ذلك, وليس فيها شائبة التركيب العقلي فضلاً عن الفعلي والخارجي. إذن الهوية الالهية كل الأشياء.

توضيح المطلب: إن أي هوية صح أن يسلب عنها شيء فهذا يعني أنها متحصّلة من ثبوتها لنفسها وسلب ذلك الشيء عنها, بمعنى أنها ستكون مركبة من ايجاب (ثبوت نفسها لها), وسلب (نفي غيرها عنها), فتكون نتيجة ذلك أن كل هوية يسلب عنها شيء فهي مركبة, أي أن (س) هي (س) وليست (ص), فتكون لهوية (س) حيثيتان: حيثية أنها (س) وحيثية أخرى أنها ليست (ص), وهاتان الحيثيتان متغايرتان, إذ لو لم تكونا متغايرتين لكان مفهومهما واحداً, وهذا بديهي البطلان لضرورة ثبوت الشيء لنفسه وسلب نقيضه عنه.

إذن كل هوية يسلب عنها شيء هي مركبة.

فإذا جئنا لهذه القضية, وعكسناها بعكس النقيض, ستكون: كل ذات بسيطة الهوية فإنها لا يسلب عنها شيء, أي بسيط الحقيقة كل الأشياء(4).

حمل الحقيقة والرقيقة

لكي يتضح المطلب بصورة تجنبنا الخلط, لابد لنا من معرفة نوع الحمل في قاعدة بسيط الحقيقة, إذ من الواضح أنها قضية حملية موضوعها: بسيط الحقيقة, ومحمولها: كل الأشياء.

ومن الواضح أن الحمل هنا ليس حملاً أولياً ذاتياً, لأن ملاك هذا الحمل هو الاتحاد المفهومي بين الموضوع والمحمول, ومن البيّن أن مفهوم بسيط الحقيقة ومفهوم كل الأشياء متغايران ولا يوجد اتحاد ذاتي بينهما.

أما بشأن الحمل الشايع الصناعي, فقد ذكروا في المنطق أننا حينما نقول: زيد إنسان أو زيد قائم, ففي هذه القضايا الحملية, يحمل المحمول على موضوعه بكلتا حيثيتيه الثبوتية والسلبية, وذلك لأن هوية الموضوع (زيد) مركبة تركيباً عقلياً – وفق قانون ضرورة ثبوت الذات للذات وامتناع صدق النقيض- من حيثيتين, وهاتان الحيثيتان هما ايجاب وسلب. والايجاب هو ضرورة ثبوت الشيء لنفسه, والسلب هو ضرورة سلب النقيض عنه.

ومن الواضح أننا في الحمل الشايع الصناعي نريد القول بالاتحاد المصداقي والوجودي بين الموضوع والمحمول, بين زيد والقيام, وزيد والإنسانية, في كلتا الحيثيتين.

وأما قاعدة بسيط الحقيقة كل الأشياء, فالحمل هنا ليس حملاً شايعاً صناعياً, إذ لو كان كذلك للزم منه تركب بسيط الحقيقة, لأننا إذا حملنا شيئاً من الأشياء وفق هذه القاعدة وكان الحمل شايعاً صناعياً, فالمفروض أن ذات الأشياء مركبة من حيثيتين كما تقدم, حيثية ايجاب وحيثية سلب, فهذا يعني صدقُ حيثية السلب على بسيط الحقيقة, فكان مركباً لا بسيطاً, وهذا خلاف الفرض.

وإنما في هذه القاعدة نحمل من الأشياء جهاتها الوجودية والكمال الوجودي فقط, وليس ذات الأشياء المتحصلة من الايجاب والسلب, فلا نريد القول وفق هذه القاعدة بالاتحاد المصداقي الخارجي بين الموضوع (بسيط الحقيقة) والمحمول (كل الأشياء), والذي هو – أعني الاتحاد المصداقي- ملاك الحمل الشايع الصناعي. ومنه يتضح أن الحمل في قاعدة بسيط الحقيقة ليس شايعاً صناعياً كذلك, وإنما هو نوع حمل يختلف عن أنواع الحمل المعروفة في المنطق, يعبّر عنه بحمل الحقيقة والرقيقة, والذي له عدة تطبيقات منها حمل المشوب على الصرف وحمل المحدود على المطلق والعلة على المعلول.

وهذا النحو من الحمل مختص بالحكماء ولا يعرفه المناطقة, قال العلامة الطباطبائي في نهاية الحكمة: (وهاهنا نوع ثالث من الحمل, يستعمله الحكيم, يسمى بحمل الحقيقة والرقيقة, مبني على اتحاد الموضوع والمحمول في أصل الوجود, واختلافهما بالكمال والنقص, يفيد وجود الناقص في الكامل بنحو أعلى وأشرف, واشتمال المرتبة العالية من الوجود على كمال ما دونها من المراتب)(5).

يتضح من كل ما تقدم أننا في قاعدة بسيط الحقيقة نريد القول: أن بسيط الحقيقة واجد لكل كمال وجودي, ومهيمن عليه, إما لقاعدة فاقد الشيء لا يعطيه ومفيضه واجد له, وإما للمسلك الذي قرره العلامة الطباطبائي حسبما تقدّم.

الصفات الإلهية السلبية

يعرف المطّلعون على علم الكلام أن الصفات الالهية نحوان فهي إما ثبوتية وإما سلبية. والسلبية عبارة عن سلوب ونفي. حيث نسلب صفات النقص عنه تعالى فنقول: ليس بجسم, ليس بمركب, ليس جوهراً ولا عرضاً.. وهكذا. ولكن بناءً على قاعدة بسيط الحقيقة المتقدم بيانها سوف نقع في إشكالية, مفادها:

إننا إذا قبلنا بقاعدة بسيط الحقيقة كل الأشياء فعند ذلك لا يمكننا تبرير الصفات السلبية لبسيط الحقيقة تعالى. لأن القول بوجود صفات سلبية يعني أنه ليس بكل الأشياء, إذ وفق ذلك نقول ليس بجسم وليس جوهراً.. وحينئذ لا يخلو الأمر إما أن نقول بوجود صفات سلبية, وهذا يقتضي رفض قاعدة بسيط الحقيقة, أو نقبل بالقاعدة وهو يقتضي رفض وجود صفات سلبية؟

وقد تفطن صدر الدين الشيرازي لهذه الإشكالية, واستعرضها في غير مورد من كتاباته وقاربها بما حاصله: إن الصفات السلبية في واجب الوجود الذي هو هوية بسيطة واحدة, ترجع الى سلب العدم والنقص. ومن الواضح أن سلب العدم ثبوت, وسلب النقص كمال. لأن سلب السلب وجود. فنحن حينما نسلب الجوهرية والعرضية والجسمية والتركيب عن الواجب تعالى, فإننا في الواقع نسلب مجموعة من الأعدام والسلوب عن هويته البسيطة, ومرجع ذلك إلى وجود(6).

ووفق هذه المقاربة لا يوجد أيّ تناف بين القول بقاعدة بسيط الحقيقة وبين القول بوجود الصفات السلبية, إذ ستكون الصفات السلبية في واقعها نفس الذيل الذي تتحدث عنه القاعدة: وليس بشيء منها, أي: من أعدامها ونواقصها.

 

الهوامش:

(1) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة, صدر الدين محمد الشيرازي 6: 101- 102, دار احياء التراث العربي, بيروت.

(2) الحكمة المتعالية 6: 96.

(3) أصول الفلسفة والمنهج الواقعي, السيد محمد حسين الطباطبائي 2: 548, تقديم وتعليق: مرتضى مطهري, ترجمة: السيد عمار أبو رغيف, بتصرّف, المؤسسة العراقية للنشر والتوزيع.

(4) الحكمة المتعالية 6: 96, تعليقة الطباطبائي, حاشية رقم (1).

(5) نهاية الحكمة, السيد محمد حسين الطباطبائي 2: 546- 547, صححها وعلّق عليها: غلام رضا الفيّاضي, انتشارات مؤسّسة الإمام الخميني- قم, الطبعة الخامسة 1388هـ ق.

(6) الحكمة المتعالية 6: 100 ؛ المبدأ والمعاد: 175- 176.