سيد الشهداء المعجزة الخالدة

231

سيد الشهداء المعجزة الخالدة

الشيخ مازن المطوري

{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون} [سورة الروم, الآية 56].

الكتاب الإلهي كتابان, كتاب تدويني وكتاب تكويني.

والتدويني هو المؤلّف من ألفاظ ومعاني واعتبارات وتواضعات, فتدل الكلمات فيه على المعاني على اختلاف انحاء الدلالة, الحقيقية والمجازية, والمطابقية والتضمنية والالتزامية, والمنطوقية والمفهومية.

والكتاب التدويني الإلهي الذي يهدف إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم له تجلّيات كثيرة وظهورات متعددة؛ فهو زبور وصحف وتوراة وإنجيل وقرآن عظيم.

والقرآن الكريم هو أكمل تجلّيات الكتاب التدويني, لمجموعة خصائص:

1) إنه محفوظ من التحريف والتغيير: {لا يَأْتِيه الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت, الآية: 42].

2) إنه حاوٍ لجميع الحقائق الكليّة والجزئيّة: {ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [سورة النحل, الآية: 89].

3) فيه تفصيلُ كلّ حقيقة: {ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ} [سورة الأنعام, الآية: 59].

4) ومُصدّق ومهيمنٌ على جميع الكتب السماوية: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه} [سورة المائدة, الآية: 48].

5) إنه مبين وواضح لا لبس فيه ولا غموض: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [سورة المائدة, الآية: 15], {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} [سورة الحجر, الآية: 1], {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [سورة النحل, الآية: 103], {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة الزخرف, الآية: 3].

أمّا الكتاب التكويني فهو مجموع الصَفَحات المؤلِّفة لعالَم الإمكان, أي هو تمام عالم الوجود الإمكاني من الدُرّة( ) إلى الذرّة. فهذا العالم الإمكاني بمراتبه المختلفة في الشرفية والأخسية والشدة والضعف والتقدم والتأخر وفي قوسي النزول والصعود, يمثّل بمجموعة كتابَ الله تعالى, ولكنّه كتاب تكويني, كتبه بيده, وأحصاه بعلمه, وأمسكه بقدرته أن يزول, فالواجب تعالى القيّوم القائم بذاته وهذا الكتاب التكويني قائم بغيره معلولٌ لسواه, فهو وجود رابط.

وكما أن الأسماء اللفظية التدوينية المؤلِّفة لصفحات الكتاب تدلّ على الذات وما فيها من الصفات الجمالية والجلالية, كذلك الأسماء التكوينية الوجودية المؤلِّفة لصفحات الكتاب التكويني, فهي تدلّ بوجودها على وجود خالقها, وبما فيها من كمال على كماله الذي يختلف عن كمال مخلوقاته شدّة وعُدّة ومُدّة.

فكل صفحة في الكتاب التكويني تدلّ بنحو الإن على وجود خالقها وتوحيده وصفاته الجمالية والجلالية. {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [سورة يونس, الآية: 101], {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة العنكبوت, الآية: 20], {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} [سورة آل عمران, الآية: 191], {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الرعد, الآية: 3], {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة النحل, الآية: 69].

فللواجب تعالى في كلّ شيء آيةٌ, وفي كلّ صفحة آياتٌ, وأن مطالعة كلّ صفحة منها والتدبر في كل آية فيها يقودنا إلى وجود نظام موحّد, وارتباط وثيق بين أجزائه, وصانع واحد, إذ {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنبياء, الآية: 22].

وهذه الأسماء التكوينية وإن اشتركت في دلالتها على وجود خالقها وتوحيده وصفاته, ولكنّها مع ذلك تتفاوت في الدلالة, ومرجع هذا التفاوت إلى اختلاف مراتبها الوجودية في الشدة والضعف والتقدم والتأخر والكمال والغني. فالموجود الإمكاني كلّما كان أتم كانت دلالته على خالقه وموجده أقوى.

وكذلك تختلف في قربها من الحِس والعقل, فكلّما قربت من الحس كانت أتم دلالة عند عامة الناس, لأنهم يأنسون بالمحسوسات دون المعقولات التي هي أقرب لأهل الفكر الدقيق والمزاج الرقيق. وأهل الفكر الدقيق لا يتوقّفون عند ظاهر المحسوسات بل يتعمّقون فيها ليصلوا إلى حقائقها الوجودية وما فيها من ارتباط عام وأحكام وقوانين ذلك الإرتباط.

وهذه الحقيقة الفلسفية قد أشارت إليها الروايات الكثيرة الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام والتي نقلها الشيخ الكليني في باب نوادر التوحيد, حيث أطلقت الأسماء الحسنى على الأئمة الهداة عليهم السلام:

1) عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} [سورة الأعراف, الآية: 180], قال: >نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا.

فكما أن الإسم يدل على المسمّى ويكون علامةً له, كذلك الأئمة عليهم السلام أدلاء على الله تعالى يدلّون الناس عليه سبحانه, وهم علامة لمحاسن صفاته وافعاله وآثاره.

2) عن مروان بن صباح قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: >إن الله خلقنا فأحسن صورنا, وجعلنا عينه في عباده, ولسانه الناطق في خلقه, ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة, ووجهه الذي يؤتى منه, وبابه الذي يدل عليه, وخزانه في سمائه وأرضه.

3) أسود بن سعيد قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فأنشأ يقول ابتداء منه من غير أن أسأله : نحن حجة الله، ونحن باب الله، ونحن لسان الله، ونحن وجه الله، ونحن عين الله في خلقه، ونحن ولاة أمر الله في عباده.

وغيرها من الروايات مما يمكن مراجعتها في الكافي وغيره.

وهذه الأسماء التكوينية أعني النبي والأئمة الهداة عليهم السلام هي أوّل ما ابتدأ الله تعالى بها كتابه التكويني كما ابتدأ بلفظ الجلالة والرحمن والرحيم كتابه التدويني. وهذا ما دلّت عليه الروايات الكثيرة:

1) عن مرازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: >قال الله تبارك وتعالى: يا محمد إني خلقتك وعلياً نوراً يعني روحاً بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري, فلم تزل تهلّلني وتمجدني، ثم جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة فكانت تمجدني وتقدسني، وتهلّلني، ثم قسمتها ثنتين وقسمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة محمد واحد وعلي واحد والحسن والحسين ثنتان، ثم خلق الله فاطمة من نور ابتدأها روحاً بلا بدن، ثم مسحنا بيمينه فأفضى [فأضاء] نوره فينا.

2) عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: >يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته, ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها…

3) عن المفضل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة؟ فقال: >يا مفضل كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا، في ظلة خضراء، نسبحه ونقدسه ونهلّله ونمجده وما من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا حتى بدا له في خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم، ثم أنهى علم ذلك إلينا.

4) عن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله كان إذ لا كان فخلق الكان والمكان وخلق نور الأنوار الذي نورت منه الأنوار, وأجرى فيه من نوره الذي نورت منه الأنوار وهو النور الذي خلق منه محمداً وعلياً. فلم يزالا نورين أولين ، إذ لا شيء كان قبلهما…

5) جابر بن يزيد قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمداً صلى الله عليه وآله وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله…

وهذه المخلوقات أكمل وأشرف صفحات الكتاب التكويني, ففيها تبيان وتفصيل كلّ شيء, ومتلازمة الوجود مع الكتاب التدويني بمقتضى حديث الثقلين.

ويمثّل سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام صفحةً من صفحات هذا الكتاب التكويني. وهي صفحة استوعبت خصائص كثيرة من خصائص الكتاب التدويني قد تصل إلى حد التطابق كما ستأتي الإشارة إليه. بل هما واحد حقيقة إثنان اعتباراً فهم القرآن الناطق.

افتراق وتطابق الكتابين

في كلا الكتابين التدويني والتكويني يوجد خطاب, ولكن سنخ الخطاب في الكتاب التدويني يختلف عن سنخ الخطاب في الكتاب التكويني. إذ خطاب التدويني خطاب لفظي, أما خطاب التكويني فهو خطاب وجودي.

وبتعبير آخر إن خطاب الكتاب التدويني من سنخ الوجود اللفظي (العبارة) والكتبي (الخط والرسم), أما خطاب الكتاب التكويني فهو من سنخ الوجود في الخارج الذي له مراتب ثلاثة: مرتبة العقل ومرتبة النفس ومرتبطة الطبيعة. أو المُلك والملكوت والجبروت.

وحقيقة الفرق أن الخطاب اللفظي وجوده فرع وجود المخاطَب قبل الخطاب إذ لا يصح خطاب لفظي وكتبي إلا بوجود مخاطَب له.

أما الخطاب التكويني فالأمر فيه معكوس, بمعنى أن وجود المخاطَب فيه فرع وجود الخطاب. لأن الخطاب فيه هو الإيجاد, ومن المعلوم أن الوجود فرع الإيجاد {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [سورة يونس, الآية 82]. فكينونة الشيء المشار إليها بقوله (فيكون) متفرعةٌ على كونه (كن). وأمره التكويني واقع, لأن إرادته تعالى فعله, فكينونة الأشياء بلا لفظ ولا نطق بلسان.

وعلى الرغم من وجود هذا الفرق بين الكتابين والخطابين إلا أن الكتاب التكويني يطابق التدويني في صفحته المعصومة من جهة كونه {تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين} [سورة النحل, الآية 89]. فالإمام تبيان وهدى ورحمة وبشرى. فضلاً عن تلازمهما في الوجود بمقتضى حديث الثقلين كما مرّ الإلماح إليه.

وكما أن فريقاً من الناس اتبع متشابهات القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله, كذلك الإمام الحسين عليه السّلام وحركته المباركة, فهناك من اتّبع المتشابهات فيها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها بما ينسجم مع هواه وتصوراته القبْليّة عنها. وهناك فريق اتّبع المتشابهات في هذه الحركة لا عن وعي فأساء لتلك الصورة المضيئة من حيث لا يشعر.

مناهج تفسير الكتابين

للكتاب التدويني (القرآن الكريم) مناهج تفسيرية متعددة بتعدد المشارب والمذاهب, وأساليب مختلفة في التفسير بتبع اختلاف الأغراض والغايات والأهداف.

فهناك من المفسرين من اكتفى بالشرح اللغوي لألفاظه, ومنهم من جدَّ ليعرف سرَّ بلاغته.

ومنهم من أخذ في تجويده وترتيله دون التدقيق في أسراره وحقائقه.

ومنهم من عدّه كتاب أدبي قد مضى وقته وأفل زمانه. ومنهم من ظنّه لتهذيب القابلية الفنية فقط.

ومنهم من حاول أن يجاري الفن الحديث في فهمه ساعياً لتأويل آياته على حسب مقتضيات العصر الحاضر ومكتشفات العلوم الحديثة.

ومن الغربيّين المستشرقين من نظر إليه كوثيقة تاريخية فاشتغل عن حقيقته وسعى ليعرف سرَّ تأثيره على العواطف.

وفي بعض من هذه الأساليب مسحةٌ من الحقيقة ولم يصلوا إليها كاملة, لاشتمال القرآن الكتاب التدويني على عظيم المعارف الربوبيّة, وأمّهات العلوم الإلهيّة, فالجميع في أنواره منطمس, والكل من نوره مقتبس.

وأمّا الذين أدركوا وجهاً واحداً من هذه الحقيقة فأولئك الذين تلقّوه بعقولهم وأفئدتهم من الراسخين في العلم, فاقتبسوا من نوره واستضاءوا بضيائه, وبعد ذلك كلّه لم يعرف حقيقته من جميع الوجوه إلا من خوطب به وخلفاؤه المعصومون عليهم السلام.

وكذلك للكتاب التكويني مناهج ورؤى ومشارب متعددة في تفسيره, فلقد تشعبّت أساليبُ المؤرّخين حين تكلّموا عن سيد الشهداء عليه السلام.

فمنهم من اكتفى بسرد وقائع الطف وأسبابها وما يتصل بها من أمور تاريخية. مقتفياً كلّ غث وسمين ما يناسب سموّه ومقامه وما لا يناسبه, فأسهم في تشويه صورته وثورته المعطاء.

ومنهم من جعل السياسة الحسينية متغلغلة في علل تلك الحوادث وأسبابها.

ومنهم من وصف تلك المجزرة الوحشية ورثى قتلاها فأفلق في الرثاء والإبكاء وأبدع, مع العلم بأنَّ الحسين لأن يكون عِبرة أولى من أن يكون عَبرة.

ومنهم من أدهشته شجاعته ورباطة جأشه وإباءه وتضحيته البليغة في سبيل سيادة العقل والدّين واضمحلال الأوهام والخرافات.

ومنهم من كبر فيه الشرف العسكري وفي جيشه اتحاد النفسيات, إذ كانت الروح الصادقة لهم واحدة كأنها أفرغت في قالب واحد وذات مقياس واحد وملهمة بإلهام فارد. فكان جيشه القليل قدوة حيّة للفضيلة والنظام والتضحية والشرف, وقوة منيعة تؤمن بالمثل العليا متوجة بحب الله وحب لقائه.

ومنهم من عرف أن قلبه كان ضمير الإنسانية, ووصف أعماله الجبارة بأنها كانت تأييداً لقضية الحق والعدل والدين والتضامن الاجتماعي وتحطيماً لسياسة القوة والغاشمة التي جعلها خصومه شعاراً لهم.

ومنهم من زعم أنه أراد أن يقيم دولة الحريّة استناداً إلى المبدأ الأدبي السامي من دون تعزيزه بالقوة المادية فلم ينجح!

ومنهم من رأى فيه وفي ثورته انتفاضةَ النُبَلاء, فأرجع تفسير مقتله عليه السلام إلى أن الأمويين لم يحتملوا النُبْل الذي كان يحمله سيد الشهداء في سموه وعلمه ومُثُله وقيمه فأجهزوا عليه!

ومنهم من رأى فيه وفي حركته ثورةَ المقدِمين على الاستشهاد لأجل تنبيه المجتمع الغافل الغارق في سبات طويل, ولم يكن له هدف أو مطمح الوصول الى السلطة ومسك زمام المبادرة.

ومنهم من رأى في تحرّكه ثورةَ الإصلاح الديني والاجتماعي, دون النظر من قريب أو بعيد للحكم.

وهذه الآراء قد يوجد في بعضها شيء من الحقيقة, ولكنّها وآلاف من نظائرها لا يمكن أن تفسر هذا الكتاب التكويني والمعجزة الخالدة.

إنَّ كل ما ألّف من الكتب فيما مضى والتي ستبرز إلى عالم الوجود في المستقبل, لا يمكنه أن يصوّر لنا الحسين الخالد! فهو الذي احتاج إليه الإسلام في بقائه كحاجته إلى جدّه الأعظم في حدوثه, فالإسلام كان محتاجاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حدوثاً وإلى سيد الشهداء بقاءً. وكما أن القرآن الكريم (الكتاب التدويني) يمثّل معجزة الرسول الخالدة في مرحلة التشريع, فالحسين (الكتاب التكويني) يمثّل معجزة الرسول الخالدة في مرحلة التطبيق.

وفي الأبحاث القادمة سنتعرض لما قيل في تفسير حركة سيد الشهداء المعجزة الخالدة وبيان هدفه. وبيان المقاربة الأكثر انسجاماً مع بيانات الإمام الحسين عليه السلام وما سجّله لنا من نصوص خالدة.

——————————————

  1. الدرة باصطلاح أهل العرفان هي العقل المجرد ذاتا وفعلا، وتارة يقال الدرة البيضاء ويقصد بها العقل اﻷول.
  2. لم نجر في عرض هذه الروايات وغيرها في هذه المقالة على طريقتنا في التشدد السندي على الرغم من ضعف بعض رجال أسانيدها ﻷمور: منها ما يرتبط بكون بعض هذه الروايات كانت في مقام اﻹستئناس والتأييد للدليل العقلي. ومنها كون بعضها مما اتفق عليه الفريقان سنة وشيعة كما في روايات خلق نور النبي صلى الله عليه وآله. ومنها أن بعض هذه الروايات كثيرة وباسانيد كثيرة قد تتجاوز الاستفاضة أو قد يدعى فيها التواتر.
  3. اﻷصول من الكافي، الشيخ الكليني 1: 110، الحديث 3 باب اﻹرادة