التنوع التعبيري في القرآن الكريم وأثره في إبراز المعاني (الحلقة الثانية)

265

التنوع التعبيري في القرآن الكريم وأثره في إبراز المعاني (الحلقة الثانية)

الشيخ علي العبادي

دعاء نبي الله إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) انموذجا”

 

    تقدم الكلام في مقالات سابقة أن لكل صورة تعبيرية في كلام المتحدث لها دلالة خاصة بها بحيث يمكن القول أن المتحدث إذا تنوعت صيغه التعبيرية تنوعت غاياته وأهدافه في المراد من أقواله. وهذا أمر معلوم عند ذوي الاختصاص.

 وقد تناولنا سابقا” بعضا” من أدعية سيدنا إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) وما جاء فيها من التنوع التعبيري . واليوم نتناول موردا” آخر من تلك الصيغ المتنوعة التي وردت في القرآن الكريم من خلال صيغة السلام الذي دار بين النبي الخليل والملائكة (عليهم السلام أجمعين )على اعتبار أن السلام لون من ألوان الدعاء.

يقول الزمخشري في كشافه :

( معنى السلام هو الدعاء بالسلامة ) ( 1 ).

ويقول النووي الحافظ محيي الدين:

( وأما معنى السلام فقيل هو اسم الله تعالى. فقوله: السلام عليك معناه اسم الله عليك، أي: أنت في حفظه، كما يقول: الله معك، والله يحفظك. وقيل السلام بمعنى السلامة، أي: السلامة ملازمة لك.) ( 2 ).

    إذن السلام نوع من الدعاء ولون من ألوانه.  لذا فان سلام الملائكة على الخليل ( عليه السلام ) ورده عليهم صار محل نظر الباحثين والمفسرين بسبب التنوع في التعبير الذي بينته الآية المباركة في قوله تعالى:

        { وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ } هود69.

إذ لحظ هؤلاء الأعلام مغايرة أسلوب النبي الخليل ( عليه السلام ) عن أسلوب الملائكة. فبينما كان سلامهم  ( سلاما”)  بأسلوب الجملة الفعلية المحذوف فعلها. فالأصل (  سلمنا سلاما” أو نسلم عليك سلاما” ) كان رد الخليل( عليه السلام ) ( سلام ) بأسلوب الجملة الاسمية كما سيتبين لاحقا” إن شاء الله تعالى.

   ومما لاشك فيه أن في هذا التغاير الأسلوبي نوع دلالة قصدها النبي الخليل( عليه السلام ) . وإلا فما كان من القرآن الكريم المنزه عن العبث واللغو أن يذكره بهذا الأسلوب.

    و سنذكر في هذا البحث آراء العلماء التي تناولت هذا المطلب. وما دلت عليه الآية المباركة . وكيف أولوا ذلك التباين والمغايرة في سلام الملائكة ورد الخليل ( عليهم السلام )

  قال الداماد محمد الباقر الحسيني الأسترآبادي في رسائله :

( معنى سلاما”: سلمنا سلاما” ، ومعنى سلام: أمركم سلام ، أو السلام عليكم. لأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار. والنصب يدل على الحدوث لمكان تغير الفعل ) (3).

    وقال السيد علي خان في معرض حديثه عن ورود كلمة ( الحمد ) مرفوعة:

( وأصله النصب كما هو شأن المصادر المنصوبة بأفعالها المضمرة.واثبات الرفع عليه مع أنه الأصل للإيذان بأن ثبوت الحمد لذاته لا لإثبات مثبت وأن ذلك أمر دائم مستمر لا حادث ) ثم يقول: ( لهذا كانت تحية الخليل للملائكة أحسن من تحيتهم له في قوله { قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ } ) ( 4).

    أما السيد الطبأطبائي صاحب الميزان فقد اكتفى بقوله:

(وفي إتيانه بالجواب جملة اسمية دالة على الثبوت تحية” منه ( عليه السلام ) بما هو أحسن من تحيتهم بقولهم { سلاما” }فانه جملة فعلية دالة على الحدوث ) ( 5 )

    ومن هنا قد استدل بعض الباحثين * على الطابع التكاملي في الشخصية الإنسانية، وعلى طابع الثبات والاستقرار في الشخصية الملائكية من هذه الآية المباركة _ قيد البحث _ . أي انه لما كان الإنسان مستمرا” في تحصيل كماله من دون أن يكون قد حصل عليه دفعة واحدة سلم عليه الملائكة بأسلوب يدل على الحركة، خلافا” لما هو عليه الحال في الملائكة، إذ هم في حالة استقرار وثبات. ذكر ذلك بدر الدين عبدا لله الزركشي في برهانه، ولكنه لم يستحسنه لسببين :

 الأول: كونه غير مدلول عليه بالوضع اللغوي.

والثاني: كونه قريبا” من قواعد الفلاسفة. وانه لو كان كذلك لشرع لنا. ( 6 ).

هذه مجمل آراء العلماء الأعلام بهذا الخصوص.

  ونحن إن شاء الله سنعلق على هذه الآراء من خلال النقاط التالية:

أولا”:

    الدقة والإنصاف والأمانة العلمية تتطلب منا قبل إعطاء الرأي بشأن الآية المباركة قيد البحث ومدى دلالتها على ما ذهب إليه هؤلاء الأعلام  مراجعة النصوص القرآنية كافة التي وردت بهذا الشأن لمعرفة مدى دلالة التغيير بالسلام على ما ذهبوا إليه من الدلالة على الثبوت والاستقرارأوالحدوث. فقد راجعنا جميع الآيات المباركة التي تصلح لتقرير البحث لنخرج بمجموعة من المعطيات:

1-    لو كان السلام بالنصب من قبل الملائكة على النبي الخليل ( عليهم السلام ) دالا”على  الحدوث لمكان التكامل في شخصيته المباركة لكان سلام المولى تعالى على أنبيائه كذلك. والحال أن كل الآيات التي وجهت السلام من قبله تعالى عليهم كانت بالرفع كما في قوله تعالى :

{سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ }الصافات

{سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ }الصافات109

 

{سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ }الصافات120

 

{سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ }الصافات130

 

{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً }مريم15

 

{وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ }الصافات181.

2-    بل إن الله تعالى قد أمر النبي المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) أن يسلم على عباد الله المصطفين و المؤمنين بصيغة الرفع .قال تعالى:

 

 {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ }النمل59.

 

{وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام54

 

3- إن سلام أهل الجنة فيما بينهم وسلام الملائكة عليهم كله بالرفع. قال تعالى:

 

{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ }الأعراف46

 

{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }يونس10.

 

{سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }الرعد.

 

 {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ }إبراهيم23.

 

{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }النحل32.

 

{تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً }الأحزاب44.

 

4- بل حتى السلام على العاصين والجاهلين جاء بالرفع. فهذا النبي الخليل يسلم على أبيه { سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } مريم47

5-    و نرى المولى تعالى يطلب من نبييه موسى الكليم وأخيه هارون ( عليهما السلام ) أن يختما كلامهما مع فرعون بالسلام بصيغة الرفع. قال تعالى:

 

{فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى }طه47.

 

ثانيا”:

  يتضح مما سبق أن السلام بالنصب ليس له دلالة على اقترانه بشخصية الأنبياء التكاملية بدليل وروده بالرفع في جميع المواضع التي ذكرناها وحسب ما نصت عليه الآيات القرآنية المباركة.

 

ثالثا”:

    إن الله تبارك وتعالى قد خلق البشر، وجعل أنفسهم قابلة للتكامل من خلال مجموعة التكاليف الإلهية، تتسامى بها أرواحهم عند الالتزام بها حتى تصل إلى أعلى درجة ممكنة من الكمال الإنساني، كما هي أرواح الأنبياء والأوصياء والأولياء وعباده الصالحين ( عليهم الصلاة والسلام أجمعين). وقد تتسافل هذه الأرواح البشرية من خلال ارتكابها المعاصي ، وانغماسها بالملذات المحرمة التي نهى الله تعالى عنها، حتى تصل إلى درجة متدنية جدا” { أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179.

أما الملائكة ( عليهم السلام ) فقد خلقهم الباري تبارك وتعالى { غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }التحريم6. ولكن ليس للآية المباركة قيد البحث علاقة بهذا الأمر بل أن ذلك لعلة ورود التكاليف وتعلقها بذمة البشر.ولنا بحث مستقل عن أهمية التكاليف الإلهية وآثارها في الشخصية الإسلامية قريبا” إن شاء الله تعالى

 

رابعا” : وهنالك وجه آخر في رد هذه المقولة وهو: إن الذي تدل عليه الآيات عدم معرفة النبي إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) بحقيقة ضيفه، وهذا ظاهر من تقديم الطعام إليهم. وكذلك من قوله:  {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ }الحجر52. وغيرها من القرائن الأخرى. وهنا لنا أن نتساءل: كيف عرف النبي الخليل ( عليه السلام )  بالطبع الثابت والمستقر في ضيفه مع عدم علمه بحقيقتهم ومن هم.

 

ولعل القول الأحسن  في كل ماورد هو:

إن النبي إبراهيم الخليل ( عليه السلام) إنما تفضل عليهم بسلامه بالرفع كونه مأمورا” بالرد على التحية بالصيغة المعهودة التي يسلم بها المولى على الأنبياء والأولياء والأوصياء وكذلك البشر على اختلاف مستوياتهم. وهي الصيغة المتعارفة عند الجميع بشكل عام والمسلمين بشكل خاص وذلك بالأسلوب الاسمي ( السلام عليكم، وعليكم السلام). والأنبياء أولى من الجميع بإتباعها.

وأخيرا”…نرى من المناسب أن يكون أصل التساؤل عند الأعلام عن صيغة السلام التي ابتدأها الملائكة على النبي الخليل ( عليه السلام ) لم كانت بالنصب لا بالرفع ؟. والله هو العالم بحقيقة الأمور.

___________________________________

 ( 1 ) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري 515 \ 2.

( 2 ) شرح النووي لصحيح البخاري. الحافظ محيي الدين النووي: 14 \ 141 .

( 3 ) اثني عشر رسالة: الميرزا محمد باقر الحسيني المرعشي الأستر آبادي الداماد:

( 4 )   رياض السالكين في شرح صحيفة الساجدين: السيد علي خان المدني الشيرازي:1 \232

( 5 ) الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطبأطبائي:18\ 381 .

*    ذكر ذلك الزركشي في رهانه ولم يذكر اسمه ومن ثم لم يستحسنه كما بينا ذلك في المتن.

( 6 ) ينظر: البرهان في علوم القرآن:بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي4\71