المرجعيات اللغوية وواقعية النص في القرآن الكريم (الحلقة الاولى)

188

المرجعيات اللغوية وواقعية النص في القرآن الكريم (الحلقة الاولى)

الشيخ علي العبادي

    بعد أن بحثنا وبشكل تفصيلي الانسجام الدلالي الداخلي للقرآن الكريم المسمى بوحدة النص, وكيف أنه يمثل وحدة موضوعية واحدة وذلك من خلال دراسة تحليلية لبعض النصوص المباركة التي تناولتها أدعية نبي الله وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام سنتناول الآن وبشكل تفصيلي نوع آخر من الانسجام للنصوص المباركة في القرآن الكريم وهو الانسجام الخارجي. ونقصد به المرجعيات اللغوية ،وهل أن ما جاء على لسان سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام من أدعيةٍ لابد أن يكون له واقعٌ خارج النص؟ أم هي كالنصوص الأدبية لاتعتني بذلك الانسجام ولا تجد له ضرورة. بل ذهبت أكثر من ذلك كما بينا في بحوث سابقة من أن الأدب لايهتم بالواقع ،بل يعتبر ذلك من شؤون العلوم الطبيعية. وكما عبر أمبرتو ايكو مقتبسا” من تودوروف:

( النص نزهة سيقوم بها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القارئ بالمعنى) (1).

وكما قال الدكتور فائق مصطفى :

( إن وضيفة الفنان ليست تسجيل الواقع الموضوعي بل تصوير انفعاله وإحساسه تجاه هذا الواقع) (2).

وقد ذهب بيكاسو إلى أكثر من ذلك حين قال:

( إننا نعرف أن الفن ليس هو الحقيقة، بل هو كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة ) (3).

    وعند الدراسة والمتابعة سيتحصل عندنا أن للقرآن الكريم مرجعية لغوية تطابق الواقع.لا كما هو في النصوص الأدبية. وإن القرآن الكريم حقٌ لاباطل فيه، وجد لاهزل فيه، وعلم لا لغو فيه، وتعد هذه المقالة من المقالات البديهية في الفكر الإسلامي.

    وقد أشار المولى تعالى إلى هذا المعنى في قوله تعالى :

{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } البقرة2. وقال عز من قائل :

{ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ } الطارق14.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام في فضل القرآن الكريم أنه قال :

( اعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لايغش والهادي الذي لايضل والمحدث الذي لايكذب ) (4).

    وعلى هذا الأساس فإن مطابقة القرآن الكريم للواقع أمر مفروغ منه. ولنا الحكم ابتداء” بأن جميع ما ورد فيه مطابق للواقع. ومن ذلك ما جاء من أدعيةٍ على لسان خليل الرحمن عليه السلام ،فلابد أن تكون خاضعة” لهذا القانون.

    وفي ما يلي وقفة تحليلية مع أدعيته عليه السلام لنبين وجه انسجامها مع الواقع الخارجي.حيث سنتناول ذلك في قسمين نطلق على الأول الانسجام المباشر، والذي لا يحتاج إلى توجيه دلالي لاكتشافه بل مجرد الظهور البسيط فيه كافٍ لذلك. وسنطلق على الثاني الانسجام غير المباشر،حيث يحتاج إلى وقفة تأملية نستظهر من خلالها حقيقة ما في هذا الدعاء من انسجام مع الواقع.

القسم الأول: الانسجام المباشر

_________________

    وسنتناول ذلك في موضعين اثنين:

الأول: 

  وهو نظير ما نجده في الاستجابة الفعلية والواضحة لدعائه عليه السلام الذي طلب من ربه عزوجل أن يبعث في ذريته رسولا” منهم عند بيته الحرام، يتلو عليهم آياته ويزكيهم وذلك في قوله تعالى حكاية” عن لسان إبراهيم عليه السلام:

{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } البقرة129. فقد تحققت هذه الدعوة المباركة واقعا”. وجاء من هذا النسل الطاهر النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله حيث آثر عنه صلى الله عليه وآله قوله: ( أنا دعوة أبي إبراهيم ) (5).

ويخبرنا القرآن الكريم باستجابة هذه الدعوة وبشكل عجيب، حيث أعاد الباري تعالى مع استجابتها نص الكلمات التي دعا بها الخليل سلام الله عليه بقوله عز وجل:

{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }ا لجمعة2. ليؤكد الله تعالى انه صلى الله عليه وآله دعوة أبيه إبراهيم عليهما آلاف التحية والسلام.

الثاني:

 دعوته عليه السلام الرزق لأهل مكة في قوله عز وجل:

{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ } البقرة126.

يقول السمرقندي في تفسير هذه الآية المباركة:

( فاستجاب الله تعالى دعاءه، فتحمل الثمار إلى مكة من كل جهة، فيوجد فيها في كل وقت من أنواع الثمار ) (6).

ويقول الرازي في ذيل الآية :

( فالمعنى إنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم فاستجاب الله تعالى له، فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ) (7).

نكتفي الثاني:قدار من القسم الأول لوضوحه جليا” لننتقل إلى القسم الثاني والذي أسميناه بالانسجام غير المباشر والذي قلنا أنه يحتاج إلى نظر وتأمل حتى نلحظه.

 القسم الثاني : الانسجام غير المباشر.

______________________

    قد يتوهم في بعض الأحيان أن هنالك تعارضا” ما أو عدم انسجام بين أدعية الخليل عليه السلام وبين الواقع. مما يحتاج إلى عناية كافية لإحراز ذلك الانسجام. حيث لا يمكن إدراكه بسهولة وبدون نظر. وهذا ما أسميناه بالانسجام غير المباشر. أي: إننا نعتقد إن هذه الأدعية قد تحققت خارجا” ولكن بعد إمعان النظر والعناية التحليلية الكافية لإثبات تحقيق ذلك المدعى.

ومن بين تلك المواضع ما جاء في دعائه عليه السلام على ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى :

{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً }البقرة126.

    فقد تساءل الرازي في تفسيره الكبير قائلا”:

( أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وضرب الكعبة وقصد أهلها بسوء، وقد تم له ذلك ) (8).

ومفاد هذا الاعتراض هو أن مقتضى ظاهر الآية المباركة يشير إلى ضرورة تحقق الأمن لمكة بناء” على ما أدعينا من وجوب الانسجام بين الدعاء والواقع الخارجي. والحال أن الواقع الخارجي ينفي ذلك ، لوقوع خرق صريح لهذا المدعى على يد الحجاج وغيره ممن تجاوز على مكة المكرمة بشكل عام وعلى بيت الله الكعبة المباركة بشكل خاص وذلك بضربه بالمنجنيق، وحصول المذابح فيها في عصر خلافة الأمويين وتحديدا” يزيد بن معاوية . إذن فكيف يدعى الانسجام الخارجي؟

    وقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة نذكر منها:

الأول : ما اختاره الرازي.

 والواضح أن جوابه هذا يرتكز على أساس (القصد والهم). وليس البحث في دلالة ظاهر الآية المباركة حيث يقول:

( لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها بل كان مقصوده شيئا” آخر ) (9).

ولا يخفى ضعف هذا الوجه. إذ هو تحايل واضح على الواقع، وافتراض أمر غيبي وهو قصد القائم بالفعل. وهذا ما لايستطيع أحد تحديده ومعرفته. وعلمه موكول إلى الله تعالى. ولا أدري كيف فرق الرازي بين متعلق دعاء الخليل عليه السلام فيما لو كان مقصوده مكة بما هي جدران وبناء بدون أهلها وساكنيها أو هم من ضمن الدعاء؟ فتأمل!!.

الثاني: إن المجاب من دعوته عليه السلام هو الأمن التشريعي لا التكويني. فيرتفع بذلك الإشكال . سواء أكان ذلك هو مقصود النبي الخليل عليه السلام في دعائه،أي: الأمن التشريعي، أو الأعم منه بحيث أنه عليه السلام كان يقصد التشريعي والتكويني معا”، فإن تحقق الاستجابة في واحد منهما وهو الأمن التشريعي يتحقق الانسجام ويكفي مطابقته للواقع. وهذا التحكم في الدلالة من قبل الله تعالى وارد في أدعية الخليل عليه السلام.

ولعل هذا ما استظهره السيد الطبأطبائي، إذ يقول :

(…وكذا ما وقع في دعاء إبراهيم المحكي في قوله تعالى: { رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً } إبراهيم35 وقوله:  { رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً }البقرة126.حيث سأل الأمن لبلد مكة، فأجابه الله بتشريع الأمن وسوق الناس ملبية ذلك وقبوله زمنا” بعد زمن) (10) وهذا ما عنيناه من أن الخليل عليه السلام حتى لو قصد في دعائه الأمن الأعم من التشريعي والتكويني ، فإن المولى تعالى استجاب له الأمن التشريعي فقط. وقد بين معنى ذلك السيد الطبأطبائي بقوله :

سوق الناس ملبية ذلك وقبوله زمنا” بعد زمن. أي : اتخاذ مكة المكرمة قبلة” للناس ملبية نداء الحج سنة من بعد أخرى إلى يون الدين، دون أن تتغير هذه السنة وهذا التشريع مهما حصل من خلاف في تفسير التشريع ، واحترام الناس له لا من جهة تكوينية بل تشريعية ومن الجميع دون استثناء.

بل ذهب إلى أكثر من ذلك عندما قال:

( والدليل على أنه (عليه السلام) يريد بالأمن الأمن التشريعي الذي هو معنى اتخاذه حرما دون الأمن الخارجي من وقوع المقاتلات والحروب وسائر الحوادث المفسدة للأمن المخلة بالرفاهية قوله تعالى:{أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }القصص57 فإن في الآية امتنانا عليهم بأمن الحرم وهو المكان الذي احترمه الله لنفسه، فاتصف بالأمن من جهة ما احترمه الناس لا من جهة عامل تكويني يقيه من الفساد والقتل، والآية نزلت وقد شاهدت مكة حروبا مبيدة بين قريش وجرهم فيها، وكذا من القتل والجور والفساد ما لا يحصى) (11).

    فقوله هذا صريح على أن الذي طلبه النبي الخليل عليه السلام هو الأمن التشريعي لا التكويني.واستدل بنزول النص المبارك ومكة تشهد حروبا” بين قريش ، وجرهم المعنية خصوصا” كانت فيها. فلا يستفاد من الأمن الذي طلبه الخليل عليه السلام إلا الأمن التشريعي.

وهذا من أفضل وجوه دفع الإشكال.

    وهنالك مجموعة أخرى من الاعتراضات على الانسجام الخارجي سوف نتناولها إن شاء الله تعالى في حلقات لاحقة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه الكريم وآله الطاهرين وجميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما” كثيرا.

________________________

(1) التأويل بين السيمائيات والتفكيكية:أمبرتو ايكو:22    

(2) في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات: الدكتور فائق مصطفى والدكتور عبد الرضا  علي: 19.

(3) مشكلة الفن: زكريا إبراهيم:65. نقلا” عن المصدر في هامش2.

(4) شرح نهج البلاغة: الشيخ محمد عبده:52.

(5)من لايحضره الفقيه: الشيخ الصدوق:4\ 369. والأمالي للطوسي:379.

(6)تفسير السمرقندي:نصر بن محمد السمرقندي:10\119.

(7)(8)(9) التفسير الكبير: الفخر الرازي:4\59.    (10)(11) سنن النبي : 51،52