المرجعيات اللغوية وواقعية النص في القرآن الكريم (الحلقة الثانية)

198

المرجعيات اللغوية وواقعية النص في القرآن الكريم (الحلقة الثانية)

الشيخ علي العبادي

    ونذكر هنا اعتراضا” آخر، وهو نظير ما نجده في دعائه عليه السلام لنفسه وبنيه بالإسلام.

 فمع أنه كان مسلما” لقوله تعالى :

{ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } آل عمران67. لكننا نجده يطلب الإسلام لنفسه ولبنيه عليهم السلام أجمعين في قوله تبارك وتعالى :

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } البقرة128.

فالنظرة السطحية للآية المباركة هي طلب الإسلام بالمعنى المعروف من قبله عليه السلام. أو قل هذا ما قد يقال بأنه عليه السلام كيف يطلب الإسلام وهو أمر متحقق وحاصل له بالفعل كما بين ذلك الرازي بقوله: ( الدعاء طلب الحاصل الممتنع ) (1).

    وقبل الذهاب إلى إمكانية توجيه ذلك من قبل الأعلام لمعالجة هذا الاعتراض أود الإشارة إلى إنني ومن خلال متابعاتي لما يرد على النصوص الشريفة للقرآن الكريم من إشكالات وطعون وجدت وفي أحد المواقع وتحت عنوان ( الإلحاد هو الحل ) اعتراضا” أوسع من هذا بكثير موجها” للقرآن الكريم ولشخص النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم مفاده :أنه كيف (يدعي محمد أنه أول المسلمين مع أنه إدعى ذلك غيره قبله ، ومن قبل الكثيرين.؟) وأورد المستشكل النصوص المباركة من القرآن الكريم التي ساقها كأدلة.وإن شاء الله تعالى سنقوم بالرد بما يمكننا الله تبارك وتعالى . ولكني وشعورا” بالمسؤولية وشرف الانتماء للدين الإسلامي الحنيف ودفاعا” عن نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله أجد من اللازم علي دعوة الأخوة الكتاب المخلصين إلى أخذ المبادرة والرد بما يجود الله تبارك وتعالى عليهم من فضله ومنه وهي فرصة طيبة للجميع. ولغرض الفائدة أضع بين أيديكم المباركة رابط الموقع الذي وردت فيه تلك الإشكالات وهو: 

 

    وأعود الآن إلى الاعتراض الموجه إلى النص المبارك والمتضمن وجه الانسجام المتصور بين طلب الإسلام من قبل الخليل عليه السلام مع كونه مسلما” بالفعل. ولأنه كذلك فقد وجه معنى الإسلام توجيها” ينسجم مع واقع إسلامه وإيمانه الفعليين عليه السلام، ففسره الطبرسي في تفسيره بالإخلاص والتسليم لله تعالى لنيل الدرجات الرفيعة عنده عز وجل حيث قال :

( أي : مخلصين لك أوجهنا ،من قوله: ( أسلم وجهه لله ) أو مستسلمين لك خاضعين منقادين، ومعناه: زدنا إخلاصا” وخضوعا”وإذعانا” ) (2).

    بينما يرى أبو حاتم الرازي بأنه عليه السلام طلب الثبات حيث قال:

( كانا مسلمين ولكنهما سألاه الثبات ) (3).

ومثله ما جاء في مجمع البيان للطبرسي :

( إذ قال واجعلنا مسلمين في مستقبل أعمارنا كما جعلتنا مسلمين في ماضي أعمارنا بأن توفقنا، وتفعل بنا الألطاف التي تدعونا إلى الثبات على الإسلام، ويجري ذلك مجرى أن يؤدب أحدنا ولده ويعرضه لذلك حتى صار أديبا” إلى أن يقال جعل ولده أديبا” ) (4).

وكما ترى أن هذا التوجيه مبني على أساس حمل الإسلام حملا” مجازيا”. فمراده إعداد المقدمات المؤدية للإسلام لا نفس الفعل ( الإسلام).

    ويبدو أن الطبرسي بتوجيهه هذا أراد دفع إشكال مقدر آخر مفاده أن الإسلام فعل اختياري . وطلبه من الله تعالى يعني سلب الاختيار . ولكن بلحاظ هذا التوجيه منه لا تبقى قيمة لهذا الإشكال الوارد على دعائه عليه الإسلام لأنه سوف يكون ليس للإسلام الظاهري كما هو واضح.

    وما توجه به الطبرسي رضوان الله عليه استبطن ردا” على ما استدل به الرازي من الآية المباركة من ( كون الأعمال مخلوقة) (5)… فتأمل…

    وللسيد الطبأطبائي في هذه المسألة تحقيق كبير ووافي، إذ حمل الإسلام كونه من المعاني المشككة الذي فيه عدة مستويات من الانطباق، فهو على هذا الحمل ليس إسلاما”واحدا”. أو قل: ليس له مستوى واحد. بل للإسلام مراتب متعددة. فعلى المستوى الأول:

 يكون معناه الانقياد للأوامر والنواهي الإلهية الظاهرية بتلقي الشهادتين لسانا”، سواء وافق القلب أو خالفه، قال تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } الحجرات14.

 

ثم يليه التسليم والإيمان، وهو الانقياد القلبي لكل الاعتقادات الحقة وما يتبعها من الأعمال الصالحة كما في قوله تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ } الزخرف69.

 ثم المستوى الثالث الذي لايجد المرء معه في باطنه وسره ما لا ينقاد إلى أمره ونهيه، كما قال المولى عز و جل :{ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } النساء65.

ثم ينتهي به إلى أن تأخذه العناية الإلهية الربانية ، فتشهده أن الملك لله وحده، لايملك شيءٌ سواه لنفسهِ شيئاً إلا به. وهذا المعنى وهبي وإفاضة إلهية. لا تأثير للإرادة الإنسانية فيها، لذلك تطلب منه تعالى.

وهذا هو المستوى الرابع، وهو الذي طلبه النبي الخليل له ولولده إسماعيل عليهما السلام في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } البقرة128.(6)

    وبذلك يرتفع الإشكال الموجه باعتبار أن ما طلبه عليه السلام ليس الإسلام الذي كان بالفعل موجودا” عنده وهو الإسلام الظاهري وإنما إسلاما” من مستوى آخر لم يكن موجودا” حين الدعاء.

    ولعل السيد الطبأطبائي أوضح ذلك في ميزانه بشكل غاية في الانسجام والروعة حينما قال :

( إن الإسلام على ما تداول بيننا من لفظه ويتبادر إلى أذهاننا من معناه أول مراتب العبودية. وبه يمتاز المنتحل من غيره ،وهو الأخذ بظاهر الاعتقادات والأعمال الدينية، أعم من الإيمان والنفاق. وإبراهيم عليه السلام وهو النبي الرسول أحد الخمسة أولي العزم، صاحب الملة الحنيفية أجل من أن يتصور في حقه أن لا يكون قد ناله إلى هذا الحين . وكذا ابنه إسماعيل رسول الله وذبيحه. أو يكونا قد نالاه ولكن لم يعلما بذلك، أو يكونا علما بذلك وأرادا البقاء على ذلك. وهما فيما هما فيه من القربى والزلفى. والمقام مقام الدعوة عند بناء البيت المحرم. وهما أعلم بمن يسألانه، وأنه من هو، وما شأنه. على أن هذا الإسلام من الأمور الاختيارية التي يتعلق بها الأمر والنهي كما قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }البقرة131. ولا معنى نسبة ما هو كذلك إلى الله سبحانه، أو مسالة ما هو فعل اختياري للإنسان من حيث هو كذلك من غير عناية يصح معها ذلك) …..   ثم خلص إلى القول : ( فهذا الإسلام المسؤول غير ما هو المتداول المتبادر عندنا منه، فإن الإسلام مراتب. والدليل على أنه مراتب قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }البقرة131. ثم علق قائلا”:

( حيث يأمر إبراهيم بالإسلام وقد كان مسلما”. فالمراد بهذا الإسلام المطلوب غير ما كان عنده من الإسلام الموجود) …وبعد هذا يصل إلى تحديد المراد من الإسلام، فيقول : ( وهو تمام العبودية، وتسليم العبد كلُ ما له إلى ربه ) (7).

    وبهذا البيان نكون قد وصلنا إلى معنى الإسلام المدعو به من قبل سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام والذي ينسجم مع الواقع الذي عليه هو من القرب الإلهي.

    وعلى وفق هذا الأسلوب يمكن فهم وتوجيه وحمل ما جاء في أدعيته عليه السلام من طلبه للتوبة ، أو اجتناب عبادة الأصنام، أو غير ذلك من المعاني الأخرى التي يفترض أن قد تحصل عليها قبل دعائه عليه السلام فأن ما يطلبه من المولى تعالى سيكون من مراتب أخرى غير حاصلة عنده، وليست هي على ما عند بقية الناس . فإن للذنوب مراتب وللخطيئة مراتب تقدر بحسب حال العبد في عبوديته، وكما قيل: ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) .وقد قال الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله : { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } محمد19.

    وهنالك كلام آخر عن الإسلام ومراتبه وأقسامه تطرق إليه السيد عبد الأعلى السبزواري في مواهبه بعد أن أورد حديث أمير المؤمنين عليه السلام :

( إن الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو العمل ، والعمل هو الأداء…..) (8) فعلق قائلا:

( وعليه يكون للإسلام مراتب. والمرتبة العليا منها هي المؤثرة في السير التكاملي الإنساني فيما يرد عليه من العوالم. وهذه المرتبة هي مراد الله تعالى ومورد دعاء الأنبياء عليهم السلام….ويمكن أن يراد بالإسلام المعنى الأعم الشامل لجميع مراتبه، فيكون للمخلصين مرتبته العليا، ولغيرهم سائر المراتب. فيصير الانطباق بحسب المراتب قهريا”، كما هو الشأن في جميع الحقائق التشكيكية إن ذكرت بنحو الإطلاق ) (9)

فعلى هذا إما أن يكون النبي إبراهيم الخليل عليه السلام دعا الله تعالى طالبا” المرتبة العليا من الإسلام بذاتها دون غيرها، أو أنه قصد كل المراتب فتنطبق عليه المرتبة العليا قهريا” بحسب مرتبته.

وبذلك يتحصل عندنا أن ما طلبه ليس الإسلام الموجود عنده حال الدعاء، بل هي مرتبة منه لم تكن موجودة. فيرتفع حينئذٍ الإشكال بلا ريب.

    وقبل أن أختم هذا القسم من البحث أود أن أذكر شذرات من كلمات السيد محمد حسين الطبأطيائي فيما يخص مراتب الإسلام ليتبين للقارئ الكريم مقاصد الأنبياء والأولياء الخلص عندما يذكرون هذه المفاهيم العالية المضامين ليتسنى لنا معرفة تلك المقاصد، وماهيتها، والمرتبة التي قصدوها .  فيذكر السيد صاحب الميزان ثلاث مراتب للإسلام ثم يقول:

( الرابعة: ما يلي المرتبة الثالثة من الإيمان. فإن حال الإنسان وهو في المرتبة السابقة مع ربه حال العبد المملوك مع مولاه. إذ كان قائما” بوظيفة عبوديته حق القيام. وهو التسليم الصرف لما يريده المولى أو يحبه ويرتضيه. والأمر في ملك رب العالمين لخلقه أعظم من ذلك وأعظم. وأنه حقيقة الملك الذي لااستقلال دونه لشيء من الأشياء لا ذاتا” ولا صفة” ولا فعلا” على ما يليق بكبريائه جلت كبرياؤه……… فإبراهيم كان مسلما” باختياره، إجابة” لدعوة ربه، وامتثالا” لأمره. وقد كان هذا من الأوامر المتوجهة إليه عليه السلام في مبادئ حاله. فسؤاله في أواخر عمره مع ابنه إسماعيل الإسلام وإرادة المناسك سؤال لأمرٍ ليس زمامه بيده، أو سؤال لثبات على أمرٍ ليس بيده…..فالإسلام المسؤول عنه في الآية هو هذه المرتبة من الإسلام.) (10).

    ولأن في البحث تفريعات كثيرة قد تخرجنا من أصل البحث لكنها مرتبطة معه بمعنى من المعاني،ومنعا” من التطويل على القارىء الكريم،ولمزيد من الفـائدة أحيل القارئ الكريم إلى ما أفاض به سيدنا الطبأطبائي طيب الله ثراه في بحثه الشيق والعميق والرائع في مبحث الإسلام ومراتبه في ميزانه الرباني الذي اعتدلت به المفاهيم القدسية كما اعتدلت به الكلمات التي من لجا إليها أغنته عن المتاعب، وقربت إليه الحقائق ومن الله السداد والتوفيق، وذلك براجعة تفسير الميزان، الجزء الأول الصفحات 278-279-280-281-296-297-298. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وجميع الأنبياء والصالحين وسلم تسليما” كثيرا.

_______________________

(1) عصمة الأنبياء : فخر الدين محمد بن عمر الرازي: 28.

(2) تفسير جوامع الجامع: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي: 1 \ 150.

(3) تفسير ابن أبي حاتم: أبو محمد بن بي حاتم: 1 \ 234.

(4) مجمع البيان لعلوم القرآن: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي: 1 \ 408.

(5) ينظر : التفسير الكبير لفخر الدين الرازي: 4 \ 65.

(6)(7) الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطبأطبا ئي: 1 \ 278.

(8) نهج البلاغة: ما جمعه الشريف الرضي من كلام وخطب أمير المؤمنين عليه السلام.

(9) تفسير مواهب الرحمن في تفسير القرآن: السيد عبد الأعلى السبزواري : 2 \ 61

(10) الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطبأطبائي:1 \ 291