القبانجي : الليبرالية المقلوبة والتفكير السطحي – الشيخ اسامة العتابي

244

القبانجي : الليبرالية المقلوبة والتفكير السطحي

الشيخ اسامة العتابي

حظي القبانجي بشهرة واسعة بين شريحة الشباب التي اتخذت من الليبرالية موضة وليست مبنىً فكرياً يدرك مغزى الليبرالية وإنتاجيتها كمنحى فكري له مرتكزاته العلمية في التأويل الذي سعى لآن يصحح في المسارات السياسية خصوصاً وان الليبرالية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسارات الأيديولوجية ، وهي شهرة لا تتعدى كونها مقصورة على تبني بعض الشباب من مدمني الميديا لأطروحات القبانجي التي تشمل على كم من الإساءات للمنظومة الإسلامية وليس نقد علمي انما نقد همجي غير واعي وغير مؤدب فقط يسيء ولا يصلح في سياق تبسيطي لا يستند إلى التشريح العلمي بشيء بل أن بعضهم من العقول الساذجة كان يرى وفي إطار من المبالغة أن القبانجي يشّكل ظاهرة على قدر من الاهمية كونه رجل دين متحرر يندرج ضمن موجة الليبراليين الذين يحتاجهم العالم الاسلامي في الوقت الراهن .

وقبل الخوض في ردّ هذه المزاعم سنعمل على طرح تعريف الليبرالية وتطبيقها على أفكار القبانجي لآنها ستعضد استنتاجاتنا بأن ربط القبانجي بالليبرالية هو ربط تعسفي عار من الصحة .

ان مفهوم الليبرالية كما هو واضح عند المثقفين يعني ضمان حقوق التعيير الفكري والحريات الشخصية في تمثيل معتقداتها وهذا تعريف مختزل لها وقبل المضي معها نبدأ بالتساؤل ، هل تندرج الإساءة والتعدي على حقوق الآخر ومعتقداته ضمن مفهوم الليبرالية ؟ وهذا التساؤل هو العتبة التي ستجعلنا نقف على المفهوم في إطار تمثيلاته الصحيحة…

إن فهم الليبرالية بالشكل الصحيح يتكفل بالإجابة عن هذا التساؤل بشكل مغاير تماماً لما هو منتزع من تصورات حول الليبرالية في تمثيلات القبانجي بوصفها شكلاً من أشكال التعارض مع الدين والخروج عليه بعدة التجريح في حين أن الليبرالية وإن كانت تتعارض مع أشكال التطرف والخرافة في الدين إلاّ انها لا تتعارض مع الدين بشكل مطلق بل إنها تدعوا إلى عقلنة الدين وفهمه فهماً علمياً وإبعاده عن مناطق التطرف والعصبية ولذلك فأن هنالك تيار من الدينين والإسلاميين ينتمون للخط الليبرالي باعتبار إن فهمهم لليبرالية بوصفها منظومة تعددية تدعوا للتسامح والعقلانية يتطابق مع مبتنياتهم الفكرية وفهمهم للدين.

وبغض النظر عن صحة هذا المسار من التفكير او خطأه فان الليبرالية لم تشرّع منطلقاً للتعدي بل انها وضعت حدوداً في تمثيل المعتقد فمع ضمانها لحرية التعبير إلا انها قيدته بعدم الترويج له قسراً وفرضه على الآخر المختلف عقائدياً ، وبذلك نفهم أن الليبرالية هي ممارسة لها ثوابت اخلاقية تقيد حريات التعبير حين تجنح إلى التجريح والإساءة للآخر لا كما هو سائد في تفكير البعض بان الليبرالية تجيز حريات التعبير بالمطلق ودون ان تحددها بثوابت من نوع ما وهذا النوع من الاطلاق يجد تجلياته في تمثيلات القبانجي في عدد من تصريحاته الساذجة وكذلك في كتابته التي سنعرج عليها لاحقاً ..

هذا الشكل من أشكال الفهم يضع الليبرالية في خانة المساءلة وإثارة الشكوك حولها أي يضعها في منطقة التناقض والذي يكمن في الدعوة للتعددية والتسامح كصيغ تنطلق منها الليبرالية ويروج لها دعاة الليبرالية ومتبنيها إلى الدعوة للإساءة وتجريح الآخر والتعدي على معتقداته في فهم البعض الآخر لليبرالية كما تتجلى عند القبانجي وهي الليبرالية الشائخة او المحرفة كما وصفها الغذامي . او أسميها الليبرالية المقلوبة أو المبتورة ..

إن القبانجي ينطلق في فهمه لليبرالية من منطلق ثأثره بمفاهيم سروش حول الدين والديمقراطية والتي آراد أن يظهرها بمظهر عقلاني مقبول إلاّ ان اطروحاته تضمنت نسق الالغاء والحجب للدين في إطار الانحياز للديمقراطية انحيازاً إيديولوجياً يتجسد في صيغ التغليب للديمقراطية وعدّها صيغة متكاملة لمبدأ العدالة والحقوق الإنسانية وافتراضه غياب هذه الصيغ عن المنظومة الدينية وبالتالي فأن ذلك يصبغ مقارباته المنهجية بالصبغة التقويضية خلافاً لإيحاءاته بانه مستثمر لمنهجية تفكيكيه تركيبية تتوخى التحليل الموضوعي للظواهر الفكرية وعزل سياقاتها الدوغمائية وتطعيمها بسياقات تجديديه تسهم في إغناء الفكر وتطوره .

من منطلق الانفعال المتطرف بأطروحات سروش ينشأ احمد القبانجي تصوراته الإلغائية في إطار رفضه الكامل لقيام دولة تستمد تشريعاتها من الدين واستبدالها بتشريعات ذات طابع علماني فالدين في رؤيته لا يتمتع الا بصلاحية كونه طقساً تعبدياً وهو خلافاً لذلك وفي حال اعتماده مصدراً من مصادر التشريع سيكون معوقاً لتطور المجتمع الخاضع لسطلة الدولة التي تستمد تشريعاتها من الدين فالدين يشكل في تصوره منظومة من التابوت التي تحد من حرية الشخصية والفكرية ولذلك فهو يقترح في حال مسعى المجتمع الإسلامي والديني إلى قيام دولة تستمد تشريعاتها من النموذج العلماني بوصفه في تصورات القبانجي نموذجاً فذاً في التشريع للحريات الانسانية ولمفاهيم التسامح التي غيّبت وهمّشت بفعل المحتوى الدموي الذي يضمنه الدين .

يختزل القبانجي بتبسيطية واضحة مفهوم التابو الديني في مسألة الحجاب وشرب الخمر ويعدّها حقوقاً من حقوق الانسانية وتحريمها لا يعدو الا قمعاً للحريات في حين أن هذه الإشكالية التي يبني عليها معظم فرضياته هي إشكالية اخلاقية والغرب العلماني أيضاً يعاقب عليها وان بشكل مختلف بعض الشيء في المقدمات ومتشاكل في النتائج فهنالك قوانين في الغرب تعاقب على شرب المخدرات وممارسة الدعارة والدين الاسلامي يرى ان شرب الخمر وسفور المرأة واختلاطها بالرجال بمثابة مقدمة لفساد اجتماعي يعطي النتائج ذاتها التي يترتب عليها تعاطي المخدرات والدعارة .

تظهر الفرضيات التبسيطية التي يبتني عليها القبانجي تصوراته حجم المغالطات الفكرية التي تسعى إلى إدراجه في خانة الإصلاحيين او خانة العلمانيين المتنورين ذلك أن نماذج الالغاء في خطابه تصدر عن أفق الإيديولوجيات الرجعية فمن جهة ان الفكر الاصلاحي هو فكر متفتح لا يقوم على تعميم نماذج الغائية ضمن الرقعة التي يشتغل عليها أو يعمل على انتقادها ومن جهة فان الخطاب العلماني المعتدل ايضاً يعتمد الفحص الابستيمي في مواجهة الخطاب الذي ينتقده بل أن خطابات العلمانية المعتدلة تتصف احياناً بالموضوعية حيال الخطاب المنقود قد تفوق فكر الإصلاح ذاته .

بيد ان السذاجة الفكرية التي دفعت القبانجي لنفي القرآن وكونه صادر عن الله كما يؤكد أحمد حسين في مقال نشره في صحيفة إيلاف الكترونية بعنوان ظاهرة احمد القبانجي حيث قال : يتصفح القرآن الكريم ليثبت عدم وجود أي اعجاز بلاغي فيه بل يذهل أكثر من ذلك في التشكيك بعائديته الى الله ونسبته الى الوحي المعرفي الشخصي للرسول محمد (ص) وهنا يقع في خطأ مسألة النفي والأثبات مع انها كانت حجج الامم والشعوب والاقوام السالفة التي كانت تواجه الانبياء والرسل قبل الايمان ببعثهم فكانت المعجزات الخارقة للعقل هي دليل اثبات النبوة او الرسالة ووجود الله عز وجل فعلى سبيل المثال يقول :- لم تكن طيور الابابيل ( الواردة في سورة الفيل ) هي التي قتلت جنود ابرهة الحبشي وفيله بل هناك من يقول انهم ماتوا بالطاعون طيب الحادثة ليست بعيدة عن قريش لماذا لم يحتج الكفار على ما ورد فيها ويكذبون الرسول (ص) كيف تسمح لنفسك ان تنتقد وتشكك بتاريخ الشعوب والامم والاديان وانت تبعد عنهم زمنياً بأكثر من اربعة عشر قرناً.

منطلقات القبانجي في فهم الليبرالية هي منطلقات لم تدعم معرفياً لغياب هذا النوع من المرجعيات بدليل هذا النوع من الطرح الساذج الذي لم يشير اكثر الليبراليين تطرفاُ اليه بل أن نمط تفكيره الساذج قاده الى القول في احدى المقابلات التي أجريت معه ان كاظم الساهر المطرب العراقي هو اكثر اطراباً واهمية من عبد الباسط عبد الصمد القارئ القرآني المصري المعروف .. وما يشبه ذلك من التصريحات الغير عقلانية وهو الذي يدعوا اليها بل يقول ان ماركس اكثر اهمية من ابن سينا لأنه أبن الواقع وابن سينا غنوصي حبيس تصوراته المثالية، فكيف تقرأ هذا عزيزي القارئ انا لا اعتقد ان ثمة سذاجة بمعنى الكلمة اكثر من ذلك فكاظم الساهر ينتمي الى حقل فني له ما يقابله في المقارنة من الحقل ذاته ، وعبد الباسط ينتمي الى حقل له ايضاً ما يقابله في عقد المقارنة ، وكذلك الامر بالنسبة الى ماركس وابن سينا الذي ينتميان الى زمنيين مختلفين وإلى فضائين فكريين مختلفين حددت وجهاتهما الأيديولوجية وعلى الرغم من توجيه نقادات حادة الى ابن سينا ووضعه في خانة الغنوصيين خصوصاً في كتابات محمد عابد الجابري الا أنه لم يتوصل الى هذا النوع من المقالة والمقارنة الساذجة بل انه وضعه في مقابلة مقنعة مع ابن رشد .. في مقارنة فكرية جيده ..

ان القبانجي ورغم محاولاته للظهور لمظهر المعادي للغنوصية الاّ انه يقع تحت سلطة الغنوصية والتي لم يجد معها محاولاته للظهور بمظهر العقلاني لأن الغنوصية تغلف الكثير من توصلاته وتدخله بمأزق لا يمكن الفكاك منه نتيجة غياب مصادره الثقافية التي بالإمكان ان تمد بالعون مثال ذلك :-

ما يتوصل اليه حول المدراس الصوفية المعروفة والمحصورة في بعض مدن العراق ومناطقة والمنتشرة ايضاً في بعض بلدان المغرب العربي وهي مدرسة يدعي اصحابها انهم يمتلكون الحقيقة المعرفية الماورائية شبة المطلقة حول الخلق والخالق والكون وخالقه اي بمعنى انهم يصلون الى ما بعد الحدود العبادية المقدسة العادية الصلاة والصوم والحج والزكاة وبقية اركان الاسلام والعقائد والأحكام القرآنية وهي مغذيات طبيعية للروح البشرية من خلال الممارسة العملية للعبادة الإلهية وصولاً إلى طريقة الكمال الانساني الروحي المنزّه عن الاخطاء الطبيعية التي تنتشر بين المسلمين يعني يصبح العبد ليس بحاجة الى ممارسة الطقوس والشعائر الاسلامية لآنه توحد مع الله وليس المقصود الكمال الروحي العصمة وإنما معرفة الله من خلال روحه).

المشكلة في القبانجي انه لم يوضّح صراحة في مختلف نداوته الفكرية انه ينتمي الى المدرسة الصوفية الغنوصية لأنه بالفعل غير ملتزم تماماً بما تقوله تلك المدارس الا انه يستند في أطروحاته العقائدية المتعلقة بتفسير العلاقة بين العبد وربه أي انه يصل الى نتيجة عدم ضرورة الالتزام بالطقوس العبادية كالصلاة والصوم والحج وما إلى ذلك طالما ان الانسان قادراً على التوحّد برياضات روحانية لا تشكل الطقوس العبادية ضرورة فيها وهذه الغنوصية التي يصل اليها القبانجي في فهمه الساذج والتي لا تتعدى كونها مشاكسات في التأويل ترمي الى خلق تأويلات مضادة للدين وحسب.