فلسفة الدعاء

229

فلسفة الدعاء

الشيخ علي العبادي

  لا أظن أحدا” يوما” من الأيام لم يمارس الدعاء . ولم يتوجه إلى الله تعالى في أمر من أمور الدنيا أو الآخرة مهما اختلفت ديانته أو انتماؤه أو عرقه. مسلما” كان أم نصرانيا”، غنيا” كان أم فقيرا”. عالما” كان أم جاهلا”. مؤمنا” به أم لم يكن كذلك. فهو توجه غريزي من الفقير المحتاج إلى الغني . ومن الناقص إلى الكامل .

{وَإِذَا مَسَّ النَّاس-:ُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ }الروم33

يقول السيد عز الدين بحر العلوم- أعلا الله مقامه – :

    (وحتى أولئك الذين لايقولون بوجود الله  ، فأن بعضهم يدعو شخصا ” آخر  له مقامه، ومنزلته، ويرغب إليه، ويتملق له لحاجة من حوائج الدنيا ، أو لجاه ومنصب وما شاكل. وما هذا إلا صورة من صور الدعاء ) (1)

    ويبدو أن الغاية من الدعاء هو تقوية الارتباط والانشداد بين العبد وخالقه. لأن الدعاء عبادة من نوع خاص جدا” ، عمادها التوجه إليه – عز و جل – والبوح بالنقص والعجز وطلب المغفرة والكمال ليعود عليه بهما من فضله ومنه تبارك وتعالى.

    وليس هنالك مجال من مجالات الحياة إلا وللدعاء نصيب فيه . فالدعاء يكون لدفع الضرر مهما تنوع، ولجلب المنافع مهما تنوعت أيضا ” . كما أن الدعاء لغفران الذنوب والتجاوز عن أخطاء ومعاصي العباد مهما زادت أو نقصت. إلا الشرك . قال تعالى :

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48.

ومن هنا نشأ تساؤل وإشكال مفاده :

 إن النظام الإلهي التشريعي قائم على أساس إثابة المطيع ومعاقبة المسيء. وبهذا النظام يأخذ كل ذي حق حقه . وعلى هذا الأساس تسير الأمور بشكلها الطبيعي، دون أن يفكر الآخرون بالاعتداء على بعضهم البعض . 

والدعاء- بنظر المستشكل-  يخرق هذا النظام ، حيث سيحصل المسيء بعد اعتدائه على الآخرين وإفساده في الأرض على العفو والتجاوز عن خطيئته ببركة دعائه. هذا أولا “؛

 وثانيا “: سيشجعه هذا العفو على معاودة الإساءة مرة أخرى وممارسة المعاصي وخرق الأنظمة على أمل انه سيدعو الله بعد كل إساءة فيعود عليه بالعفو والمغفرة.

وهكذا تتكرر الحالة مرات ومرات . فتشيع الفاحشة ،  ويسود اللانظام . بل قد يتساوى والحال هذه الجميع. فلا ميزة حينئذ للمطيع على العاصي. ولا للمحسن على المسيء .

    وهذا الإشكال يشبه إلى حد بعيد الإشكال الوارد والموجه على القول بالشفاعة.

فالشفاعة – عند النافين لها –  تؤدي إلى مجموعة من الأمور المخالفة للنظام الإلهي التشريعي والحقائق القرآنية . وقد ذكر منها العلامة الكبير صاحب التصانيف الرائعة آية الله السيد محمد حسين الطبأطبائي  سبع إشكالات ، وأجاب عنها جميعا” لذا أحيل القارئ الكريم إلى كتاب الميزان في تفسير القرآن  ليقف على ذلك.( 2 )

وما يهمنا من بين تلك الإشكالات هو الإشكال التالي:

    إن توسط الشفيع للعاصي والمسيء برفع العقوبة عنه يؤدي إلى تشجيعه على المعاصي والتجاوز على ا لآخرين ، وضياع النظام القائم على أساس العدل والإنصاف ومحاسبة المعتدي . فلا تبقى حينئذ قيمة لسن القوانين  الإلهية والأنظمة التشريعية. وستسود اللاعدالة. ويتساوى الجميع الصالح منهم والطالح.

    وللإجابة عن هذا الإشكال من عدة وجوه :

الأول :

 إن سنة الله تبارك وتعالى وحكمته ليست قائمة على صفة واحدة من صفاته وهي صفة التشريع، حتى إذا خالفها يكون قد خالف نظامه التشريعي، بل هي قائمة على جميع صفاته المباركة. ومن صفاته الغفور الرحيم العفو المجيب . وبذلك تكون المغفرة من قبله للعاصي المذنب من سنته المستندة إلى صفاته تعالى.

فالله تبارك وتعالى ينتقم لأنه المنتقم. ويشافي لأنه المشافي. ويرزق لأنه الرزاق. ويميت لأنه المميت. ويحيي لأنه المحيي . ويعفو لأنه العفو.  ويغفر لأنه الغفار. وهذه الصفات ليست واحدة من حيث المعاني وليست مرتبطة ببعضها. بل هي صفاته تعالى . له أن يفعل منها ما يشاء ومتى ما يشاء . لا ما يشاء غيره. وبإرادته دون أن يكون مخالفا” لنظامه المبارك تعالى الله علوا ” كبيرا “.

    وبعبارة أخرى: إن النظام الإلهي قائم ومستمد من جميع الصفات الإلهية، ومن هذه الصفات الغفور. فإذا غفر الله تعالى للداعي المذنب فان غفرانه لا يمثل خرقا” لنظامه ، بل هو من نظامه الكوني والتشريعي .  تماما ” مثل شفائه المرضى وإجابته السائل . وذلك لا يعد خرقا” كما يقول المستشكل.

الثاني :

 إن لاستجابة الدعاء شروطا” لا تتوفر عند الكثيرين من الداعين. ولذلك لا نرى استجابة لدعائهم . ومن هنا نعلم إن المولى تبارك وتعالى لا يستجيب إلا وفق

نظام وحكمة ارتضاهما لعباده . وفيهما حفظ النظام الأصلح للبشرية . فلا تتخلف النصوص الدالة على العدالة عندما يستجيب تعالى للداعي. لأن عدالته تعالى تنسجم مع حفظ نظامه المبارك. سواء بالاستجابة أو عدمها وبحسب تقديره – جلت قدرته – .

الثالث :

 قال تعالى : {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ }الأنبياء23.

فالله تبارك وتعالى ما كان له هذا _ أن يفعل ما يريد ولا يسأله أحد _ إلا لكونه حكيما ” .  وان أفعاله جميعها وفق حكمته. بل هو أحكم الحاكمين كما في سورة  التين  {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ }التين8. والمعروف أن الحكيم لايفوت ولا ينقض غرضه. فإذا تعلق غرضه سبحانه وتعالى بموت احد أو نجحكمته،التهلكة أو غفران ذنوبه أو رزقه أو إفقاره . أ لأحد أن يقول له : لم؟ وكيف؟ أو أهذا عدل أم لا؟. نعوذ اللهم بك من شر أنفسنا. {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53.

وعلى هذا يكون سؤاله عن أفعاله مخالفا” لفرض حكمته ، الدالة على خلوها من العبثية. لذلك منعت الآية الكريمة سؤاله عنها .

    من هنا نرى أن للدعاء حكمة وفلسفة ربانية . وليس عادة قائمة على العبثية. وخالية من الأهداف والغايات النبيلة. فهو تشريع الهي قائم بمبادئ خاصة به ضمن سياق التشريع الذي جاء من أجل هداية البشر وتوفير فرصة للعاصي حتى يتدارك ما فاته من الطاعات. وللمطيع أيضا” حتى يزداد أيمانا ” وكمالا”. وسوف نبين أن شاء الله تعالى في مقالات أخر إن ما تميزت به الشريعة الإسلامية السمحاء عن غيرها من عودة الله تعالى على عباده بكثرة توفير الفرص للإنسان حتى لايقنط من رحمة الله . بل عد الباري عز وجل القنوط من رحمته من الكبائر التي تستوجب أشد العقوبات منه تعالى :

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الزمر53.

{قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ }الحجر56

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير الخلق أجمعين محمد و آله الطيبين الطاهرين.

 

________________________-

( 1 ) أضواء على دعاء كميل:52.

( 2 ) الميزان : ج1 \ 162 وما بعدها .