في ظلال الآيات (27)

167

في ظلال الآيات (27)

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186).

يتمحور موضوع هذه الآية الكريمة حول موضوع الدعاء، وهو (مخ العبادة) كما ورد في بعض الروايات([1]).. وقد جاءت هذه الآية مباشرة بعد آيات الصوم، ولا يخفى المغزى من مجيئها في هذا السياق، فقد سمعنا في خطبة رسول الله ’ أنه قال عن رمضان: (…ودعائكم فيه مستجاب…)، وفي بعد الآثار: (يا أحمد، هل تدري بأي وقت يتقرب العبد إلي؟ قال: لا يا رب، قال: إذا كان جائعاً أو ساجداً)[2]، إذا ففي شهر رمضان يحصل المرء على قرب الجوع، فإذا ضم إليه قرب الدعاء، حصلت له حالة من الروحانية والنورانية التي لا يعلمها إلا الله.  

وهناك أمور أخرى ستتبين خلال الحديث ضمن ثلاثة نقاط:

النقطة الأولى: سبب النزول.

النقطة الثانية: أهمية الدعاء.

النقطة الثالثة: شروط استجابة الدعاء:

وسنعرض لذلك تباعاً إنشاء الله.

النقطة الأولى: سبب النزول.

في المجمع: أن سائلا سأل النبي ’: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية، وقال قتادة: نزلت جوابا لقوم سألوا النبي كيف ندعو[3]

هذا السؤال وغيره من الأسئلة الكثيرة التي كانت ترد على النبي ’ والتي سجل الكثير منها القرآن الكريم بعنوان: (يسألونك) قد بحثناها في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} (البقرة:217)، وخلاصة الفكرة أن التشريعات كانت تتوالى على النبي ’ تباعاً ولم تنزل جملة ودفعة واحدة، فلهذا كانت الأسئلة تتوالى على النبي ’ للإستيضاح، وكثرة السؤال من أهل العلم وغيرهم يدل على أن المجتمع يسير بالإتجاه الصحيح؛ لأنه لا يريد أن يبقى في قمقم الجهل.

النقطة الثانية: أهمية الدعاء.

الدعاء نوع عبادة وارتباط بين الخالق والمخلوق، وهو من أهم طرق القرب والوصول الى الله تعالى، ولأنه عبادة فقد عُد تركه من الإستكبار، كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60).

وأقل ما يقال في تركه أنه عجز، كما ورد عن النبي ’: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام)[4].

ولا ينبغي ترك الدعاء لا في سراء ولا في ضراء، وحتى لو لم يكن للعبد حاجة فإنه يستحب له الدعاء كالثناء على الله تعالى والصلاة على النبي وآله ^، والدعاء لإمام الزمان وللمؤمنين؛ وذلك لأن الله تعالى يحب سماع صوت عبده المؤمن، حتى ورد إنه ليؤخر حاجته ليلح بالسؤال.. فقد روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ’: (إن العبد ليدعو الله وهو يحبه، فيقول: يا جبرائيل! لا تقض لعبدي هذا حاجته وأخرها، فإني أحب أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه، فيقول: يا جبرائيل! إقض لعبدي هذا حاجته باخلاصه وعجلها، فإني أكره أن أسمع صوته.

وروي عن أمير المؤمنين ×: أنه قال: ربما أُخرت عن العبد إجابة الدعاء، ليكون أعظم لأجر السائل، وأجزل لإعطاء الآمل)[5].

وينبغي الإلتفات إلى حجم الحب والحنان الذي يتجلى في طبيعة الخطاب في هذه الآية الكريمة، حيث:

أولاً: جاء بلفظ المفرد حيث قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي}، ولم يقل وإذا سألك عبادنا عنا فإنا… والفرق بينهما أن الخطاب بلفظ الجمع يراد به إظهار القدرة والعظمة، كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9)، وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} (يس:12)، وغيرها من مثيلاتها.

أما إذا جاء الخطاب بضمير المفرد فيراد به العطف والحنان، كما في الآية نحل البحث، وكقوله تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (طه:14)،

ثانياً: إضافة العباد الى الله تعالى، فلم يقل، وإذا سألك العباد، بل قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي}، وفي إضافتهم لنفسه تعالى ما لا يخفى من التودد، كما لو سُئلت عن أحد تلاميذك فقلت: هذا إبني.

ثالثاً: التأكيد بلفظ القرب، حيث قال تعالى: {فَإِنِّي قَرِيبٌ}.

النقطة الثالثة: قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.

وهنا نريد أن نسأل: ما هي شروط إجابة الدعاء؟

وجوابه: إن هاهنا ثلاثة عوامل تتدخل في استجابة الدعاء، عامل غيبي وعامل موضوعي وعامل ذاتي، وسنعرض لها على التوالي.

(1) العامل الغيبي.

لا ريب أن الإنسان حينما يدعو إنما تكون نظرته مقتصرة على مصلحته هو، فهو يريد حاجته، وكما قيل:

(صاحب الحاجة اعمى   ***   لا يرى إلا قضاهــــــــا)

 والحقيقة أن هناك مصالح عامة وخاصة وربما مصلحته الخاصة تتعارض مع المصالح العامة فتكون المصالح العامة أولى بالتقديم، ومن ذلك ما يروى من أن هناك رجل كان له بنتان زوج احداهما لمزارع والأخرى لفخّار (وهو الذي يصنع الأشياء الخزفية من الطين، ثم يطبخها في النار)، وبعد مدة زار زوجة المزارع فسألها عن أحوالهم، فقالت: نحن بخير.. ولكن هناك شحة في الأمطار هذه السنة، وقد زرع زوجي الكثير من الحنطة واعتمادنا الرئيسي في سقيها على السماء، فادعوا الله أن يمطر السماء لينضج زرعنا، فقال: سأفعل إن شاء الله… ثم إنه خرج لزيارة الأخرى، فسألها عن أحوالهم، فقالت: نحن بخير ولكن ينقصنا شيء، إن زوجي صنع الكثير من هذه الأشياء الفخارية، وهو ينتظر جفافها ليفخرها في النار، والآن إذا مطرت السماء سوف يتلف جميع ما صنعه، فادعو الله أن لا يمطر السماء ريثما ينتهي زوجي من عمله، فقال لها: سأفعل إنشاء الله، فخرج منها ضاحكاً وهو يقول: يا رب! أنت أبصر وأحكم بمصالح عبادك، وقد رأيت وسمعت البنتين واحدة تريد المطر والأخرى لا تريد فافعل بنا ما أنت أهله..   

إذن هناك سنن كونية تمنع من استجابة الدعاء، فليس من المنطقي أن يدعو شخص بشروق الشمس من المغرب، أو أن يكون ضياء القمر بشدة ضياء الشمس… وهكذا.

(2) العامل الموضوعي

ونقصد به تهيئة الأسباب الطبيعية وعدم إهمالها بحجة الإعتماد على الدعاء، فمثلاً يجب على الفلاح أن يهيئ الأسباب من حراثة الأرض ونثر البذر وسقي الماء… ثم يدعو، ويجب على الطالب أن يجهد نفسه بالمطالعة والبحث والحفظ… ثم يدعو الله تعالى.  

(3) العامل الذاتي

وهو ما يرتبط بذات الداعي، وهي أمور ذكرت في الروايات، منها على سبيل المثال:

ا. طيب الطعام، فقد قرأنا في دعاء كميل، اللهم اغفر الي الذنوب التي تحبس الدعاء، ومنها الطعام الحرام (لقمة الحرام تحجب الدعاء اربعين ليلة).

ب. الإيمان بالإستجابة، كما قالت الآية: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي}، وفي الخبر عن النبي ’: (أدعو الله وأنتم موقنون بالإجابة)([6]).

ج. التوجه وعدم السهو، كما ورد عن أمير المؤمنين ×: إن الله عزوجل لا يستجيب دعاء قلب لاه، أو ساه ([7]).

وهناك أمور اخرى عدها العلماء من شروط كمال الدعاء، من قبيل التطيب، والصلاة ركعتين، وقصد المساجد والمشاهد المشرفة، واختيار الأوقات المفضلة، والافتتاح بالحمد والثناء، والصلاة على النبي وآله والدعاء للغير…

وهذه كلها وردت في الروايات، منها:

عن أمير المؤمنين ×: اغتنموا الدعاء عند أربع: عند قراءة القرآن، وعند الاذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفين للشهادة[8].

وعن أبي جعفر × قال: كان أبي إذا كانت له إلى الله حاجة طلبها في هذه الساعة، يعني زوال الشمس[9].

وعن أبي عبد الله ×: إذا رق أحدكم فليدع، فإن القلب لا يرق حتى يخلص[10].

وعن أبي عبد الله ×: قال رسول الله ’: خير وقت دعوتم الله عز وجل فيه الأسحار، وتلا هذه الآية في قول يعقوب ×: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} (يوسف:98)، [و] قال: أخّرهم إلى السحر[11].

وعن أبي عبد الله ×: كان أبي إذا طلب الحاجة طلبها عند زوال الشمس فإذا أراد ذلك قدم شيئا فتصدق به وشم شيئا من طيب وراح إلى المسجد ودعا في حاجته بما شاء الله[12].

وعن أبي عبد الله ×: إذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك، فدونك دونك، فقد قصد قصدك[13].

وهناك حالات أكدت عليها الروايات، وأن أصحابها لا ترد دعواتهم، منهم:

عن أبي عبد الله ×: من قدم أربعين من المؤمنين ثم دعا استجيب له[14].

وعن أبي عبد الله ×: قال رسول الله ’: أربعة لا ترد لهم دعوة حتى تفتح لهم أبواب السماء وتصير إلى العرش: الوالد لولده، والمظلوم على من ظلمه، والمعتمر حتى يرجع، والصائم حتى يفطر[15].

وعن أبي عبد الله ×: قال النبي ’: ليس شيء أسرع إجابة من دعوة غائب لغائب[16].

 وعن أبي عبد الله ×: كان أبي × يقول: خمس دعوات لا تحجبن عن الرب تبارك وتعالى: دعوة الامام المقسط، ودعوة المظلوم يقول الله عز وجل: لانتقمن لك ولو بعد حين، ودعوة الولد الصالح لوالديه، ودعوة الوالد الصالح لولده ودعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب، فيقول: ولك مثله[17].

ومن مجموع ما تقدم يفهم معنى الرشد الذي ورد في ذيل الآية، حيث يقول تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}، فإن الرشد الحقيقي هو بالإرتباط بالله تعالى والسعي لنيل رضاه؛ لأن نهايته الفوز والفلاح، وكل ما عداه فهو غي؛ لأن نهايته الخسر والسقوط.

والدعاء من أوثق عرى الارتباط بالله تبارك وتعالى,

 

 

 



[1])) عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال: الدعاء مخ العبادة، وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، إما أن يعجل له في الدنيا، أو يؤجل له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بمأثم. وسائل الشيعة، ج7ص27.

[2] ارشاد القلوب للديلمي، ج1ص200.

[3] مجمع البيان، ج2ص18.

[4] مجمع البيان، ج2ص19.

[5] مجمع البسان، ج2ص20.

[6])) وسائل الشيعة، ج7ص53.

[7])) الكافي، ج2ص473.

[8] الكافي، ج2 ص477.

[9] المصدر والصفحة.

[10] المصدر والصفحة.

[11] المصدر والصفحة.

[12] المصدر والصفحة.

[13] المصدر ص478.

[14] المصدر ص510.

[15] المصدر ج2ص511.

[16] المصدر والصفحة.

[17] المصدر ص509.