في ظلال الآيات (26)

174

في ظلال الآيات (26)

{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ َالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (التوبة:112).

تمثل هذه الآية الشريفة برنامجا متكاملاً، يبدأ بالتوبة والرجوع الى الله تعالى وينتهي بإقامة حكم الله تعالى في الأرض، أو في الحقيقة هو لا ينتهي عند حد؛ لأن الحركة نحو الله تعالى لا متناهية لأنه تعالى غير متناهي… {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} (الِانْشقاق:6).. ولأنك حتى لو وصلت هذه الغاية وهي إقامة حكم الله في الأرض، فإنك سوف تبقى تجاهد للمحافظة على هذا الإنجاز، لأنه سيتعرض للكثير من الهزات من قبل الأعداء…

فمع كل لفظة من ألفاظ هذه الآية لنا وقفة:

{التَّائِبُونَ}: لا ريب أن الإنسان دائما يكون في معرض الخطأ والذنب، وعليه فهو بحاجة دائماً الى التوبة والرجوع الى الله تعالى، والتوبة لا تكون باللسان وتحسم بكلمة (استغفر الله وأتوب إليه)، بل هي حركة وعمل وتصحيح للإنحراف الذي وقع، فقد جاء في نهج البلاغة أن الإمام أمير المؤمنين × قال – لقائل قال بحضرته أستغفر الله – : ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان:

أولها: الندم على ما مضى.

والثاني: العزم على ترك العود إليه أبدا.

والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة.

والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها.

والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.

والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: أستغفر الله[1].

وهذه المعاني الستة تحتاج الى كلام طويل وتوضيح مبسوط نؤجله الى فرصة أخرى.

{الْعَابِدُونَ}: وبعد التوبة تبدأ الحركة بالعبادة لتعويض ما قد فات كما تقدم في كلمة أمير المؤمنين × المزبورة، ولعل في الفقرات التالية تجسيد وتبيين لشيء من العبادة، حيث أن أولى درجات العبادة هي الإعتراف بوجود الله تعالى وحمده على نعمة الإيجاد… ولذا قال:

{الْحَامِدُونَ}: الحمد كالشكر ولكن الفارق بينهما أمران:

الأول: أن الحمد لا يكون إلا لله تعالى، فمن أسدى لك معروفاً لا تقول له حمداً، أو الحمد لك، وبالإمكان أن تقول له شكراً، بل إن الله تعالى أمر بشكر بعض المخلوقين، كما قرن شكره بشكر الوالدَين، حيث يقول تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14).. وفي الحكمة: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق[2].

الثاني: أن الحمد لا يكون إلا باللسان، وأما الشكر فهو لساني وعملي، كما قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (سبأ:13)..

والشكر العملي بمعنى أن يكون لك عطاء من سنخ النعمة التي أسبغها الله تعالى عليك، فإذا أنعم الله عليك بالمال فعليك مساعدة الفقراء، وإذا أنعم الله عليك بالعلم فعليك تعليمه لطلابه، وإذا أنعم الله عليك بالجاه فعليك قضاء حوائج الناس، وهكذا…   

{السَّائِحُونَ}: ذكر المفسرون وجوها في تفسير السياحة هنا، منها:

(1) السياحة هي اللبث في المساجد، ومنه الحديث المروي عن النبي ’: (سياحة أمتي في المساجد)([3]).

(2) وقيل انها الصوم، وفي الحديث عن النبي ’ :(ان السائحين هم الصائمون)([4]).

(3) وقيا هي الجهاد، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (ان سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)([5]).

(4) وقيل هي طلب العلم، لأنه سياحة العقل في المسائل العلمية.

(5) وقيل هي الهجرة والسير في الأرض والنظر في عواقب السابقين وأخذ العبرة منها، ومنه قوله تعالى:  {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} (التوبة:2)… وقوله تعالى: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (آل عمران:137).

{الرَّاكِعُونَ}: الركوع مظهر من مظاهر الخضوع بين يدي الله تعالى، وفي كلمات بعض العرفاء أنه فيه رمزية الإستعداد للتضحية، فقد كان في السابق إذا أريد اعدام شخص يجعل على هيئة الراكع ثم تضرب عنقه، وكأن المصلي هنا يقول بلسان الحال لله تعالى: يارب، أنا قائم بخدمتك، ومستعد لكل تضحية حتى ولو ضربت عنقي.

وفي الحديث عن الصادق × أنه أدب، فقد جاء في مصباح الشريعة:  (لا يركع عبد الله ركوعاً على الحقيقة إلا زينه الله بنور بهائه، واظله في ظلال كبريائه، وكساه كسوة صفائه، والركوع أول والسجود ثان، فمن اتى بمعنى الأول صلح للثاني، وفي الركوع أدب وفي السجود قرب، ومن لا يحسن للأدب لا يصلح للقرب، فاركع ركوع خاضع لله عز وجل متذلل بقلبه، وجل تحت سلطانه، خافض لله بجوارحه خفض خائف حزين على ما يفوته من فوائد الراكعين)([6]).

{السَّاجِدُونَ}: والسجود من أجلى مصاديق الخضوع والعبودية الله؛ لأن العبد إذا سجد وضع أقدس بقعة من جسده على الأرض، تذللاً لله تعالى، ولهذا ورد في الحديث عن ابي عبد الله الصادق × عن أبيه أبي جعفر الباقر: (إن أقرب ما يكون العبد من الرب عز وجل وهو ساجد باك)[7].

وعن أبي عبد الله ×: (ما خسروا الله تعالى قط من اتى بحقيقة السجود ولو كان في عمره مرة واحدة، وافلح من خلا بربه في مثل ذلك الحال شبيها بمخادع نفسه غافلا لاهيا عما أعد الله تعالى للساجدين من البشر العاجل وراحة الاجل، ولا بعد عن الله تعالى ابدا من أحسن تقربه في السجود، ولا قرب إليه ابدا من أساء أدبه وضيع حرمته بتعليق قلبه بسواه في حال السجود، فاسجد سجود متواضع لله ذليل علم أنه خلق من تراب يطؤه الخلق، وانه ركب من نطفة يستقذرها كل أحد، وكوّن ولم يكن، ولقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسر والروح، فمن قرب منه بعد عن غيره، ألا ترى في الظاهر لا يستوي حال السجود إلا بالتواري عن جميع الأشياء والاحتجاب عن كل ما تراه العيون؟ كذلك أراد الله أمر الباطن، فمن كان قلبه متعلقا في صلاته بشيء دونه تعالى فهو قريب من ذلك الشيء بعيد عن حقيقة ما أراد الله تعالى منه في صلاته، قال الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الأحزاب:4) [8].

وقال رسول الله ’: قال الله عز وجل: ما اطلع على قلب فاعلم فيه حب الاخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته وتقربت منه، ومن اشتغل في صلاته بغيري فهو من المستهزئين بنفسه، اسمه مكتوب ديوان الخاسرين.

وفي ارشاد القلوب من حديث الإسراء والمعراج: (يا أحمد، هل تدري بأي وقت يتقرب العبد إلي؟ قال: لا يا رب، قال: إذا كان جائعاً أو ساجداً)[9].

ومن هذه الرواية كما نتبين قيمة السجود، يمكن أن نتبين قيمة الصوم… 

والى هنا يكون العبد قد طوى مراحل الجهاد الأكبر، ثم عليه أن يتوجه نحو مراحل الجهاد الأصغر الذي هو الخوض في تفاصيل المجتمع والسعي لإصلاح ما فسد… فبعد أن أصبحوا صالحين وجب أن يكونوا مصلحين وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

{الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ}: المعروف هو ما حسنه العقل وأمر به الشرع كالعدل، والمنكر عكس ذلك، أي ما قبحه العقل ونهى عنه الشرع كالظلم، وهذه الفريضة، بمثابة سور المدينة بالنسبة لسائر الفرائض، أي أنها الحامي والمانع من سيطرة العدو، وذلك أن ترك هذه الفريضة وضياعها يفضي إلى انهيار المنظومة العقائدية والتشريعية، بتضييع الفرائض والواجبات، وانتشار الأباطيل والمنكرات.. ولهذا ورد عن ابي جعفر ×: (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر)[10].

      وعن محمد عمر بن عرفة قال: (سمعت أبا الحسن × يقول: لتأمرون بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)[11].

وعن النبي ’:  (إن الله عز وجل ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له، فقيل له: وما المؤمن الذي لا دين له؟ قال: الذي لا ينهى عن المنكر)[12].

{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ}: حدود الله أوامره ونواهيه وبعبارة أخرى حدود الله شريعة الله التي أنزل لعباده، وهذه الشريعة لا يمكن تطبيقها وحمايتها إلا من خلال إقامة حكم الله في الأرض، وهذه المرحلة لا تأتي إلا بعد صناعة المجتمع الفاضل الصالح، من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك جاء حفظ الحدود بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

محل الشاهد: إن قيام الدولة الإسلامية ضرورة لابد منها لحفظ حدود الله..

ثم إن مسؤولية المؤمنين سوف تتعاظم بعد قيام حكومة الإسلام لأجل المحافظة على هذه الحكومة – كما تقدم – وذلك لأنها سوف تكون مرمى لجميع الأعداء، وستتكالب عيها قوى الشرق والغرب من أجل اسقاطها… فعلى المؤمنين أن لا يخلوا الساحة ويبقون حذرين يقضين، كما ورد عن أمير المؤمنين ×: (ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف وتبوؤوا بالذل، ويكون نصيبكم الأخس، وإن أخا الحرب الأرق، ومن نام لم ينم عنه)[13]، والمعنى واضح، أنكم إذا غفلتم عن عدوكم، فإن عدوكم غير غافل عنكم، وهو يسعى بكل جهده لإسقاطكم وإذلالكم والنيل منكم…  

{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}: ثم إن المؤمنين الذين يقطعون هذه الأشواط من بالتوبة والرجوع الى الله تعالى، وعبادته والدعوة إليه والسعي لإقامة حكمه وحفظ حدوده، هؤلاء في الحقيقة من يستحقون البشارة على مستوى الدنيا والآخرة، أما على مستوى الدنيا فالسعادة والقوة والمَنَعَة والرفعة، وأما على مستوى الآخرة فالفوز برضوان الله تعالى والجنان، ويعضد هذا المعنى قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104)، أي هم الفائزون.

 

 



[1] نهج البلاغة، ج4ص98.

[2] ميزان الحكمة للريشهري، ج2ص1493.

[3])) مستدرك الوسائل، ج8ص113.

[4])) الميزان للطباطبائي، ج9ص405.

[5])) جامع احاديث الشيعة، ج16ص373.

[6])) مصباح الشريعة، ص90.

[7] الكافي، ج2ص438.

[8] مصباح الشريعة، ص92.

.

[9] ارشاد القلوب للديلمي، ج1ص200.

[10] الكافي، ج5ص56.

[11] المصدر والصفحة.

[12] الكافي، ج5ص59.

[13] نهج البلاغة، ج3ص121.