في ظلال الآيات حلقة (39)

353

في ظلال الآيات حلقة (39)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

{ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} (التحريم:10).

في الآية الشريفة مبحثان:

الأول: حول سبب النزول

الثاني: أضواء على النص

وقبل ذلك لابد من مقدمة:

يضرب المثل عادة لتذليل صعوبة بعض الأفكار، فإذا كانت الفكرة دقيقة أو معمقة يصعب فهمها يضرب المتكلم مثلا لإفهام السامع، وهو من الأساليب التي استخدمها القرآن في تلقين الفكرة وأخذ العبرة، والتفكر فيها، كما قال تعالى:

{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (العنْكبوت:43).

{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الحشر:21).

المبحث الأول: في سبب النزول

جاءت هذه الآية في سياق سورة التحريم، وكان السبب في نزول السورة كما ذكره المفسرون: إن زينب بنت جحش زوج النبي ’ كانت تدخر قليلا من العسل، فكلما دخل عليها النبي ’ ناولته قليلاً منه، فلما علمت بذلك عائشة شقّ عليها ذلك، فاتفقت مع حفصة بنت عمر أن يسألا رسول الله ’ بمجرد أن يقترب منهما عن سبب وجود رائحة غير طيبة في فمه، ليوحيا له ’ بأنه تناول طعاماً كريه الرائحة، ولما بادرنه بذلك لأكثر من مرة، قرر عدم تناول شيئا من ذلك العسل لاحتمال أن تكون الرائحة منه، وطلب منهما عدم افشاء السر، لكي لا تنزعج من ذلك زينا بنت جحش، ولكن عائشة أفشته حنقا على زينب، فعلم النبي ’ من الوحي أن المسألة كانت مدبّرة.

ونزلت السورة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم:1-3).    

ثم إن النبي ’ دعا عائشة وحفصة الى التوبة وهددهما بالطلاق، كما حكى الله تبارك وتعالى في السورة حيث يقول: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} (التحريم:4-5).

وتعجبت عائشة من معرفة النبي ’ بخيوط المؤامرة كما بينه الله تعالى حيث يقول: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم:3)، فجو الآيات يُشعر بأن إيمان هاتين المرأتين كان مزلزلاً، بحيث أنهما يتسائلن عمن أنبأه ’، وكأنها لا تعلم بنزول الوحي عليه واخبار السماء له ’…

في هكذا أجواء وفي سياق هذه السورة جاءت الآية ـ محل البحث ـ لتؤكد حقيقة مهمة وهي أن العلاقة بالله تعالى فوق كل اعتبار، وهي مرتبطة بطاعته تعالى وترك معصيته، وبخلافه فإن كل الأسباب مقطعة، كما قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} (البقرة:166).

ولأجل اعطاء درس عملي وعبرة من الواقع حول هذه الحقيقة الهامة لزوجات النبي ’ ذُكر هذا المثل في زوجتي نوح ولوط ‘…

المبحث الثاني: أضواء على النص

قوله تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا} إذن هنا مثل من أمثلة الكفر غير العادي، ينبغي التأمل فيه؛ لأنه من الممكن أن ينحرف أي إنسان في الظروف الإعتيادية، أما أن يكون المنحرف زوج نبي كزوجتي نوح ولوط، أو ابن نبي كابن نوح،  أو عم نبي كما في قصة إبراهيم، فهذا شيء جدير بالدراسة والتأمل؛ لأن هؤلاء قريبين من مصدر النور، فالمفروض أنهم أول الناس وأكثر الناس إيمانا به.

قوله تعالى: {امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ}.

(والهة) و (والعة) كما تشير بعض النصوص([1]).

قوله تعالى: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ}

تعيشان اجواء الهداية والصلاح مع قادة الاصلاح والتغييرـ فالمفروض أن تلك الاجواء يكون لها الاثر الايجابي على حركتهما و سلوكهما ولكن…

قوله تعالى: {فَخَانَتَاهُمَا}

والخيانه هنا خيانة الرسالة والامانة وليس الخيانة في العفة والعياذ بالله؛ لأن زوجة النبي عرض النبي وحفاظاً على كرامة النبي  لا يحصل هذا أبدا، وقد ورد حديث بهذا المضمون عن ابن عباس عن النبي ’: (ما بغت امرأة نبي قط)([2]).

وعلى هذا الضوء نفهم الخيانة التي وقعت في بيت الخاتم ’ بأنها إفشاء السِّر ومظاهرة الأعداء.. ولأجل ذلك ينقطع السبب الذي هو العلقة الزوجية، ولا ينفع من دون الله تعالى.  

قوله تعالى: {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا}

لأن أي علاقة لا تصح ولا تنفع من دون الله مالم تصحح العلاقة بالله تعالى، كما قيل في الحكمة: (من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه)([3]).

قوله تعالى: {وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}

ومن الطبيعي أن النتيجة هي نار جهنم، وفي هذا درس عظيم لكل من له صلة وقربى بالأنبياء أو الأوصياء والصالحين، بأنها لا نفع فيها من دون طاعة الله تبارك وتعالى، بل إن هكذا علائق تحمل المرء مسؤولية مضاعفة باعتبار أن الحجة علية أبلغ وأوضح.. ولم يكون بأي حال من الأحوال قاصر، بل هو مقصّر وقد يكون معتدٍ أثيم.

روايات ذات صلة

ذكرت جملة من الروايات أن صفورا زوجة موسى × خرجت على وصيه يوشع بن نون وقادة العساكر ضده، فوقعت بينهما مقتلة عظيمة، انتهت بهزيمتها وأسرها.. هذا.

وقد أخبر النبي ’ ــ بحسب بعض الروايات ــ بوقوع مثل هذا الحدث في أمته، وحذر زوجاته من ذلك، قال الراوندي: (قال النبي ’: وذكر خروج الصفراء بنت شعيب على يوشع وصي موسى، ثم قال ’ لأزواجه: وإنّ منكن من تخرج على وصيي وهي ظالمة. ثم قال: يا حميراء لا تكونيها.

فأخبر بذلك قبل كونه، وكان معجزا له ’)([4]).

أقول وفي هذه الرواية إشارة إلى ظاهرة الاحتذاء([5])، حيث يقول ’: (ما جرى في أمم الأنبياء قبلي شئ إلا ويجري في أمتي مثله)، وقد ذكرت هذه الإثارة في جملة من المصادر نذكر منها:

(1) ما رواه الصدوق بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي ×: يا رسول الله من يغسلك إذا مت؟

قال: يغسل كل نبي وصيه.

قلت: فمن وصيك يا رسول الله؟

قال: على بن أبى طالب.

قلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله؟

قال: ثلاثين سنة، فإن يوشع بن نون وصي موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى ’؛ فقالت: أنا أحق منك بالأمر؛ فقاتلها فقتل مقاتليها وأسرها فأحسن أسرها، وأن ابنة أبى بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من أمتي؛ فتقاتله فيقتل مقاتليها ويأسرها فيحسن أسرها، وفيها أنزل الله عزوجل: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}([6]))([7]). 

(2) وعن النبي ’: (إن يوشع بن نون قام بالأمر بعد موسى صابراً…) إلى أن قال: (فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب امرأة موسى × في مائة ألف رجل فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وهزم الباقين بإذن الله تعالى ذكره وأسر صفراء بنت شعيب، وقال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن نلقى نبي الله موسى فأشكو ما لقيت منك ومن قومك، فقالت صفراء: وا ويلاه، والله لو أبيحت لي الجنة لاستحييت أن أرى فيها رسول الله وقد هتكت حجابه وخرجت على وصيه بعده)([8]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1])) الأمثل، ج18ص465.

[2])) الدر المنثور، ج3ص335.

[3])) نهج البلاغة، ج4 ص20.

([4]) الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح، ط ـ سنةـ، تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام المهدي ـ قم، ج2ص934.

[5])) عالجنا هذه الظاهرة بشكل موسع في كتابنا (ظاهرة الاحتذاء في القرآن الكريم).

([6]) الأحزاب: 33.

([7]) الصدوق، محمد بن علي بن الحسين، كمال الدين وتمام النعمة، ط ـ 1405، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، تحقيق: علي أكبر غفاري، ص27.

([8]) انظر: م ن، ص154.