في ظلال الآيات حلقة(40)

292

في ظلال الآيات حلقة(40)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

 

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (إِبراهيم:24-25).

قلنا فيما تقدم من البحوث، أن الله تعالى يضرب الأمثال لأخذ العضة والعبرة، وفي هذه الآية الشريفة يصور (الكلمة الطيبة) بالشجرة الطيبة، ثم ينعتها بعدة نعوت، فهاهنا مبحثان:

الأول: في المراد من الكلمة

الثاني: في ما وصفت به  

وسنعرض لهما على التوالي

المبحث الأول: في معنى الكلمة

وفيه نقطتان:

النقطة الأولى: في معنى الكلمة في اللغة:

تطلق الكلمة ويراد بها أحد معنيين:

المعنى الأول: اللفظ المفرد الموضوع لمعنى، أو كما قال ابن هشام في القطر: (الكلمة قول مفرد)([1]).

المعنى الثاني: مجموعة كلمات أو جمل تفيد معنى تام، كما يقال عادة في المحافل الكلمة الآن للأستاذ فلان، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (المؤمنون99-100)، لاحظ فإنه تعالى عبر عن قول القائل: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} بأنها كلمة.

النقطة الثانية: في المراد من الكلمة في الآية، وقد فسر ذلك بعد أمور:

الأمر الأول: كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)

وكما هو واضح فإن هذه الكلمة عبارة عن مقطعين: نفي وإثبات، (الإله) هو المعبود، (لا إله) يعني لا معبود، وقد قيل في النحو: إن النكرة في سياق النفي تفيد الإستغراق والعموم ، والمعنى لا إله مطلقاً، (إلا الله) إثبات العبودية لله تعالى، والمعنى على الإجمال هو تكسير جميه الآلة الحجرية والبشرية والمادية والمعنوية ومنها على سبيل المثال:

(1) الأوثان والأصنام، قال تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} (العنْكبوت:17).

(2) الطغاة والجبابر: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } (البقرة:257).

(3) الهوى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ} (الجاثية:23).

(4) وقد يعبد المرء المال: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} (الفجر:20).

(5) وقد يعبد المرء القيم الإجتماعية والعشائرية، حيث إذا تزاحمت مع حكم الله قدمها وترك أنر الله وراء ظهره…

وهكذا فأن القائمة طويلة الذيل…

الأمر الثاني: المراد من الكلمة (الكلام الطيب) مطلقاً

ومن الطبيعي أن الكلام الطيب يكون أثره طيباً، وقد لا يتوقف عاد حدود السامع، كما لو أنك نقات حديثاً عن النبي ص فيه عظة بالغة، ثم إن من سمعه منك نقله عنك، وهكذا من سمعه منه… ويبقى يؤتي أكله وثمره في كل حين، ولذا قيل: (زكاة العلم تعليمه)، و(العلم يزكو بالإنفاق)، وغير ذلك من الكلمات، ثم إن الكلام الطيب لا يصدر عادة إلا ممن هو طيب، وهذا المعنى قيل في تفسير: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (النور:26).

الأمر الرابع: العالم العامل

فالعالم العامل نافع؛ لأن ثمره الذي هو وجوده وعلمه وذكره والنظر الى وجهه ومزاحمته، كل ذلك ورد في الروايات، بل حتى قبره فيه عظة وعبرة، فمثلاً مضى على رحيل الشيخ الطوسي + ألف عام، وخلال هذا الألف هلك الكثير من الخلق فلم يبق منهم شيء حتى أسماؤهم نسيت، بينما كانت وما زالت الأجيال تقف على قبر الطوسيتترحم عليه وتتبرك بأنفاسه…

الأمر الرابع: إنها المؤمن

فعن النبي ’: إن مثل المؤمن كمثل النحلة، إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك، وكل شأنه منافع، وكذلك النحلة كل شأنها منافع([2]).

وفي نص آخر: مثل المؤمن كمثل النخلة([3]).

وعنه ’: مثل المؤمن كمثل ملك مقرب، وإن المؤمن أعظم حرمة عند الله وأكرم عليه من ملك مقرب، وليس شئ أحب إلى الله من مؤمن تائب ومؤمنة تائبة، وإن المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده([4]).

الأمر الخامس: المراد من الكلمة خير الخلق النبي محمد ’

استخدم القرآن الكريم لفظ (الكلمة) على بعض الذوات المقدسة، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} (النساء:171)، لاحظ فقد سماه القرآن (كلمة).

ولا يفوتك أن أهل البيت وسموا بالكلمات في القرآن الكريم([5]) في تفسير قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة:37).

ويؤيد هذا المعنى ما في الخبر عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله × عن قول الله: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله أصلها، وأمير المؤمنين × فرعها، والأئمة من ذريتهما أغصانها، وعلم الأئمة ثمرتها، وشيعتهم المؤمنون ورقها، هل فيها فضل؟ قال: قلت: لا والله، قال: والله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها، وإن المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها([6]).

ولأبي يعقوب النصراني قوله:

يا حبذا دوحة في الخلد نابتة * ما في الجنان لها شبه من الشجر

المصطفى أصلها والفرع فاطمة * ثم اللقاح علي سيد البشر

والهاشميان سبطاها لها ثمر * والشيعة الورق الملتف بالثمر

هذا مقال رسول الله جاء به * أهل الروايات في العالي من الخبر

إني بحبهم أرجو النجاة غدا * والفوز مع زمرة من أحسن الزمر

قال الأميني: (أشار بها إلى ما أخرجه الحفاظ عن رسول الله ’ أنه قال: أنا الشجرة،

وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنة عدن وسائر ذلك في سائر الجنة.

هذا لفظه عند العامة وأما عند مشايخنا فهو: خلق الناس من أشجار شتى وخلقت أنا وعلي بن أبي طالب من شجرة واحدة، فما قولكم في شجرة أنا أصلها، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمارها، وشيعتنا أوراقها، فمن تعلق بغصن من أغصانها ساقته إلى الجنة، ومن تركها هوى في النار)([7]).

المبحث الثاني: في ما وصفت به (الكلمة ـ الشجرة)

وفي هذا المجال يمكن تسجيل عدة نقاط:

النقطة الأولى: توصيف (الكلمة) بالشجرة ـ بأي معنى أخذناه من المعاني الأربعة المتقدمة ـ يدل على الحركة والنمو.

النقطة الثانية: بأنها (طيبة) يدل على طيب آثارها مطلقاً، لأن الآية لم تحدد جهة،  فثمرها وظلها، وعطرها، ومنظرها كله طيب، بالإضافة الى طيب  أرضها ومنبتها، كما قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} (الأَعراف:58).

النقطة الثالثة: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} ثبات أصلها يمكن أن نفهم منه أنها متجذرة صامدة أمام عاديات الزمن ومكائد الأعداء.

النقطة الرابعة: {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} سامق، لا تطاله الأيدي، بل لا تطاله العقول، وقد سمعنا في ما تقدم أنه علي ×، ويمكن القول بأنه المهدي #، كونه آخر فرع فيها، وفي نظام الشجر أن آخر الفروع أعلاها.        

النقطة الخامسة: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}

فعطاؤها غير محدود وغير منقطع، ومن جميع الجهات… وفي الخبر عن أبي عبد الله × أنه سُئل عن معنى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}؟ فقال: يعنى ما يخرج إلى الناس من علم الإمام في كل حين يسئل عنه([8]).

ويقابل هذه الشجرة الطيبة (شجرة خبيثة) جاء ذكرها بعد هذه الآية مباشرة، وبأي معنى أخذنا يعرف مقابله، فإن قلنا أن الشجرة الطيبة كلمة التوحيد فإن الشجرة الخبيثة هي الشرك، وإن قلنا أنها الكلام الطيب فالشجرة الخبيثة الكلام البذيء والفاحش… وإن قلنا أنها العالم أو المؤمن أو النبي الخاتم ’ تبين أن الشجرة الخبيثة عدوهم، ولهذا قيل: إن الشجرة الخبيثة هي ذاتها الشجرة الملعونة في القرآن، وهم أعداء محمد وآل محمد ’… قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} (الإسراء:60).

كما أن اشجرة الطيبة هي ذاتها الشجرة الزيتونة حيث يقول تعالى: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (النور:35).

قوله تعالى: {وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}

وهاتان الشجرتان بالمعنى العام تمثلان الحق والباطل، والخير والشر، والعدل والظلم.. وتلك الأمثال هي لنفع الناس، لكي يأخذوا منها العظة والعبرة ويتفكروا في عواقب الأمور لعلهم يتذكرون…  

 

 

 

 

 

 

 



[1])) قطر الندى، ص11.

[2])) بحار الأنوار، ج61ص238.

[3])) شرح نهج البلاغة للبحراني، ج1ص43.

[4])) مشكاة الأنوار للطبرسي، ص150.

[5])) الكافي، ج8ص305.

[6])) الكافي، ج1ص428.

[7])) الغدير، ج3ص8.

[8])) تفسير العياشي، ج2ص224.