في ظلال الآيات حلقة(42)

294

في ظلال الآيات حلقة(42)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

 

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (الأحزاب:32).

في الآية الشريفة نفي لمساوات زوجات النبي ’ بغيرهن من النساء، وفي ذلك رفع لمكانتهن، فكأن الآية تريد أن تقول: (أنتن فوق النساء كرامةً وشرفاً برسول اللَّه إن اتقيتن معصية اللَّه في القول والفعل، وإلا انقطعت كل صلة بينكن وبين الرسول)([1])، فتصبحن كزوجتي نوح ولوط حين خانتا الرسالة، {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} (التحريم:10).

وفي الآية مباحث:

الأول: أسباب تَميُّز أزواج النبي ’.

الثاني: أحكام خاصة بهن دون سائر النساء.

الثالث: أحكام مشتركة مع سائر النساء.

وسنعرض لها على التوالي:

المبحث الأول: أسباب تميز أزواج النبي ’.

هناك مجموعة من الأسباب أدت الى هذه النتيجة:  

السبب الأول: لا ريب أن الارتباط برسول ’ بأي نحو من الأنحاء، ينتج نتيجتين:

النتيجة الأولى: إنه يعطي للفرد المرتبط قيمة ومعنوية اختصه الله تبارك وتعالى بها، ومن مصاديق ذلك عشيرة رسول الله ’([2]) الصحبة لرسول الله ’، وخدمة رسول الله ’ كأمثال زيد بن حارثة وأنس بن مالك، والانتساب لرسول الله ’ من الذرية، والإقتران برسول الله ’، وأهل بيت رسول الله ’.

وهذه الروابط فيها الفضل والمكانة عند الله تعالى وعند المسلمين، ولكن ذلك كله مشروط بالتقوى، كما قالت الآية: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، فالفضيلة الحقيقية بالتقوى، وليس بالارتباط بالنبي من دونها، يعني: إن اتقيتن نلتنّ ذلك الفضل والأجر، وإن عصيتن انقطعت تلك الصلة وبئتن بغضب من الله، ويستثنى من بين كل هؤلاء أهل البيت ^، فهم بالإضافة الى الرابط النسبي بينهم وبين النبي ’، هناك رابط بينهم وبين الله تعالى حيث أنه تعالى طهرهم واجتباهم واصطفاهم على العالمين، ومن هنا نجد أن الله تعالى عندما يتحدث عنهم لا يأتي بأدوات الشرط، وإنما يتحدث عن عواقبهم بكل خير، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الدهر: {فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} (الإِنْسان:11-22).

هذه الآيات نزلت يوم كان عمر الحسن والحسين ‘ حدود سبع سنوات.

ومن الواضح لدى جميع المسلمين أن المعنيين بذي الآيات الشريفة (علي وفاطمة والحسن والحسين) كما هو مسطور في أسباب النزول([3])، فالفرق واضح بين من يتكلم الله عن عاقبتهم بهذا الشكل، وبين من يقيد عاقبتهم بشرط التقوى، أو بشرط العمل الصالح كما في قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح:29).           

فلاحظ ذيل الآية حيث أن الله تعالى لم يقل: وعدهم بالمغفرة والأجر، وإنما قال: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، يعني الوعد بشرط الإيمان وعمل الصالحات، هذا أولا، وثانيا التعبير بـ (منهم) يفيد التبعيض وليس للكل حيث قال تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ}، وثالثاً في هذه الآية حديث عن المغفرة، وهي لا تأتي إلا بعد المعصية، في حين لا وجود لشي من ذلك في الآيات التي تتحدث عن أهل البيت ^، وهو ما يشعر بعصمتهم دون غيرهم… فتأمل.

وفي هذا المجال يقول السيد عبد الحسين شرف الدين +: (إن من وقف على رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء، إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم جميعاً، فإن الكاملية([4]) ومن كان في الغلو على شاكلتهم قالوا بكفر الصحابة كافة، وقال أهل السنة بعدالة كل فرد ممن سمع النبي ’ أو رآه من المسلمين مطلقاً، واحتجوا بحديث: (كل من دب أو درج منهم أجمعين أكتعين)، أما نحن فإن الصحبة بمجردها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة لكنها بما هي من حيث هي غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال، فيهم العدول وهم عظمائهم وعلمائهم، وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة. أما البغاة على الوصي وأخ النبي وسائر أهل الجرائم كابن هند وابن النابغة وابن الرزقاء وابن عقبة وابن أرطاة وأمثالهم فلا كرامة لهم ولا وزن لحديثهم، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره…)([5]).

النتيجة الثانية: إن هذه المعنوية والقيمة التي يكتسبها الفرد بسبب قربه أو ارتباطه بالنبي ’ تحمله مسؤولية مضاعفة، كما نسمع في قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} (الأحزاب:30-31).

السبب الثاني: إن الوحي ينزل في بيت النبي ’ يعني في بيوتهن، كما قال تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} (الأحزاب:34)، فيكون التزامهن بأحكام الوحي أشد وآكد، (كأنه قيل: لستن كغيركن، فيجب عليكن أن تبالغن في امتثال هذه التكاليف، وتحتطن في دين الله أكثر من سائر النساء، وتؤيد بل تدل على تأكد تكاليفهن مضاعفة جزائهن خيرا وشرا كما دلت عليها الآية السابقة، فإن مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف)([6])، 

السبب الثالث: إن بعض المواقع التي يحتلها الإنسان تجعل منه قدوة وأسوة، وهذا يفرض عليه أن يكون دقيقاً في تصرفاته؛ لأن لها انعكاسا على غيره، كما نسمع في الرواية عن أبي علد الله ×: (يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنب واحد)([7]).

فزوجات النبي ’ في موقع الأسوة والقدوة، والأضواء مسلطة عليهن وعلى تصرفاتهن لقربهن من النبي ’، وتلقيهن تعاليم السماء مباشرة من النبي ’ وقبل غيرهن، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب:59).

لهذه الأسباب وغيرها اختص الله تعالى زوجات النبي ’ بمجموعة من الأحكام سنأتي على بيانها في المبحث التالي.

المبحث الثاني: أحكام خاصة بهن دون سائر النساء.

ولهذه القيمة المعنوية والموقع المكرم المسبب عن الارتباط بالنبي ’ اخمصهن الله تبارك وتعالى بنجموعة من الأحكام، منها:

الأول: نزلهن بمنزلة الأمهات للمؤمنين، كما صرح بذلك الكتاب العزيز في قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (الأحزاب:6).

وهذا لا يلزم منه أن تكون أخواتهن خالات المؤمنين، أو إخوتهن أخوال المؤمنين؛ كما زعم ذلك معاوية من ـجل أن يصنع لنفسه فضيلة كاذبة، بل إن بعض زوجات النبي ’ فهمن من الآية أن الأمومة تتوقف عند حدود المؤمنين ولا تتعداها للمؤمنات، قال القرطبي: (واختلف الناس هل هن أمهات الرجال والنساء أم أمهات الرجال خاصة، على قولين: فروى الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لها: يا أُمة، فقالت لها: لست لك بأم ، إنما أنا أم رجالكم. قال ابن العربي: وهو الصحيح)([8]). 

الثاني: حرمة الزواج منهن بعد مفارقة الرسول ’ لهن سواء بموت أو بطلاق، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا} (الأحزاب 53).

روى ابن سعد في الطبقات عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في قوله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله؛ لأنه قال إذا توفي رسول الله تزوجت عائشة([9]).

وقال الفخر الرازي: وقوله تعالى: {وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} قيل: سبب نزوله أن بعض الناس قيل هو طلحة بن عبيد الله، قال: لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة([10]).

وأنت ترى أن الرازي رواها بعنوان (قيل)، وأكثر من ذلك قام جملة من المحدثين والمفسرين بحذف اسم طلحة، كما فعل البيهقي، حيث قال: …عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رجل من أصحاب النبي ’: لو قد مات رسول الله ’ لتزوجت عائشة أو أم سلمة، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا}.

وهكذا تطمس الحقائق، وعذرهم في ذلك حفاظاً على كرامة السلف.

الثالث: والقرار في البيوت وعدم الخروج، كما في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (الأحزاب:33).

الرابع: مضاعفة الثواب والعقاب: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} (الأحزاب:30-31).

المبحث الثالث: أحكام مشتركة مع سائر النساء.

لاريب أن نساء النبي ’ يشتركن مع سائر النساء في كل أحكام المرأة بلا فرق، كلزوم الحجاب، وحرمة التبرج، والخلوة مع الأجنبي، وعدم الإختلاط، وغير ذلك مما هو مسطور في الكتاب العزيز والسنة الشريفة…

ولكن مع ذلك وزيادة في الاحتياط، واحتراماً لخصوصية النبي ’ وموقعهن منه نصّ الكتاب العزيز على جملة من تلك الأحكام، ومنها:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}(الأحزاب:28-29).

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ} (الأحزاب:33).

 {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} (الأحزاب:34).

{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ} (الأحزاب:53).

{لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} (الأحزاب:55).

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب:59).

وأنت تلاحظ أن هذه الأحكام كلها وردت في سورة الأحزاب، وفي سياقها جاءت الآية محل البحث التي ورد فيها حكمان:

الحكم الأول: في قوله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ}.

والخضوع بالقول، هو ما يسمى في اللغة بالغنج، أو ترقيق الصوت وتليينه، وحيث أن المرأة بطبيعتها التكوينية كيان ناعم بكل تفاصيله بما في ذلك الصوت، فاللازم عليها حين الحديث مع الرجال سواء بالمباشر أو عبر الهاتف، أن تنتبه لطريقة ومقدار كلامها، (والآية دالة على حرمة دخول المرأة في تفاصيل مثيرة للفتنة مع الرجل الأجنبي، وإنما يجب أن تقتصر على الحديث الهادئ المحتشم، سواء كان ذلك في معنى كلامها أو طريقة أدائها أو ضحكها أو غير ذلك كثير)([11]).

والمرأة بطبيعتها ميّالة للرجل بكل تفاصيله بما في ذلك الشدة والخشونة، كما أنه ميّال لها بكل تفاصيلها بما في ذلك الغنج والنعومة، وهذا كما أنه باب من أبواب الحب والميل المحبب في العلاقات الشرعية، هو أيضا باب واسع من أبواب دخول الشيطان لمرضى القلوب وضعاف الإيمان يؤدي الى اثارة الشهوة والميل الى الفحشاء، خصوصا لدى الشباب، ويتأكد ذلك في المراهقين.

 والشارع المقدس غالبا ما يعالج الأمور بطريقة (الوقاية خير من العلاج)، فلهذا تجده ـ مثلاً ـ يفرض على المرأة الحجاب أمام الأجنبي، ويفرض على الطرفين غض البصر، كإجراء احترازي للمنع من الوقوع في المضاعفات المحرمة، فكذلك هنا يأمر المرأة بعدم ترقيق صوتها وتليينه، احترازا من الوقوع في الإثارة.

الحكم الثاني: في قوله تعالى: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا}.

قد تضطر المرأة للحديث مع الرجال الأجانب في بعض الحالات، بل قد يجب عليها التصدي للحديث معهم أو مخاطبتهم، كما حصل ذلك بالفعل في خطبة الزهراء ÷ مع الخليفة الأول في حشد من المهاجرين والأنصار، وكذا في خطابات زينب ÷ في كربلاء والكوفة والشام، وفي مثل هذه الحالة، اللازم عليها التقيد بقيدين ذُكرا هنا:

القيد الأول: هو (عدم الخضوع بالقول)، وهذا تقدم بيانه.

القيد الثاني: (أن يكون القول بالمعروف)، أي كلاما معمولا مستقيما يعرفه الشرع والعرف الاسلامي، وهو القول الذي لا يشير بلحنه إلى أزيد من مدلوله، معرى عن الإيماء إلى فساد وريبة([12]).

وهذه (خصال مشتركة بين نساء النبي ’ وسائر النساء، فتصدير الكلام بقوله : {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} ثم تفريع هذه التكاليف المشتركة عليه، يفيد تأكد هذه التكاليف عليهن، كأنه قيل: لستن كغيركن فيجب عليكن أن تبالغن في امتثال هذه التكاليف، وتحتطن في دين الله أكثر من سائر النساء، وتؤيد بل تدل على تأكد تكاليفهن مضاعفة جزائهن خيرا وشرا كما دلت عليها الآية السابقة، فإن مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف) ([13]).

 

 

 

 

 

 



[1])) التفسير الكاشف، ج6ص216.

[2])) ولذا اختصهم الله تبارك وتعالى بالخطاب في بدء الدعوة، حيث يقول تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء:214).

[3])) انظر الكشاف للزمخشري، ج4ص197.

([4]) (الكاملية، وهم ينسبون إلى أبي كامل، والمنسوب إليه يقال له: الكاملي. وأبو كامل هو الذي كفر الصحابة بتركهم بيعة علي، وكفر علياً بتركه طلب حقه). انظر: السمعاني، الأنساب، ط الأولى 1408هـ – 1988م، الناشر: دار الجنان للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان، تقديم وتعليق: عبد الله عمر البارودي، ج5ص23.

([5]) شرف الدين: السيد عبد الحسين، موسوعة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين، اجوبة مسائل موسى جار الله، ط الأولى 1427هـ، دار المؤرخ العربي ـ بيروت لبنان، ج4 ص1606.

[6])) الميزان للطباطبائي، ج16ص308.

[7])) الكافي، ج1ص47.

[8])) تفسير القرطبي، ج14ص123.

[9])) ج8ص201.

[10])) تفسير الفخر الراوي، ج25 ص225.

[11])) ما وراء الفقه، ج3ص180.

[12])) الميزان للطباطبائي، ج16ص309.

[13])) الميزان للطباطبائي، ج16ص309.