حَــركَـة الـحُسـيَن ( علَيه السّلام ) بين الثورة والنهضة

219

حَــركَـة الـحُسـيَن ( علَيه السّلام ) بين الثورة والنهضة

دراســة مختصرة حـول تسمية حركة الحسين بـ (الثورة) أو بـ (النهضـة)

الشيخ اسامة العتابي

ونحن نعيش هذه الأيام الحزينة على قلب مولاتنا الزهراء (ع) والمؤلمة على قلب مولانا الحجة (عج ) نسَمع كثيراً هذه الأيام من الخُطباء والمَشايخ وأصحاب المنابر حفظهم الله تعالى لخدمة الحُسين وهم يتَحدَثون حول الحركة الحسينية المباركة فمُنهم من يصَفها بالثَورةِ الحُسينَية ومنَهُم مَن يصَفِها بالنَهضةِ الحُسيَنية وأريد بهذه المقالة المتواضعة الإشارة إلى أيّهما أصّح أستعمالاً مع أن كَلاهما صحَيَح لفظاً ومعنىً ويُمكن الوصف بهما إلاّ أننا نُريد أن نعرف أيَهما أصح بأن نقول ثَورة الأمِام الحُسين أم نهَضة الأمَام الحسين – علَيه السّلام – ولماذا ؟ طبعاً مع ذكر الفَرق بينَهما والسبب اذا قُلنا أن الاصّح ثورة أم نهَضة ؟

والجواب عن مثل هذه التساؤلات نقول :-

أن النهضة لها مدلولات كثيرة ومتشعبة في نواحي عديدة روحية وعلمية وتعليمية وسياسية واجتماعية …..الخ وتعتبر مَرحلة من عدة مراحل الصحّوة – اليقظة – النهَضة – الحَضارة – والنهضة أقرب للتنمَية ولكن التنمية تنحصر في الجانب الإقتصادي أما النهضة فهي حركة تصاعدية وتشمل مختلف نواحي الحياة فمثلاً .

سياسياً: النهضة هي لحظة استفاقة الشعب تسبقها فترة تخلف وانحطاط يتبعها عمل كثيف والتفاف حول حلم كبير كحلم العرب في تحقيق دولة عربية واحدة حيث عرف الوطن العربي في آواخر القرن 19 بداية يقظة عربية تمثلت بصحوة وسعيهم لإحياء مجدهم الماضي بما فيه من آصالة وتراث حضاري عربي ويتم ذلك من خلال دور المفكرين العرب والجمعيات العربية .

دينياً: النهضة مبدأ أساسي نعيش ونعمل من أجله ….فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم نجح ومعه الصحابة الكرام بالنهوض بمجتمع جاهلي ….وبشبه الجزيرة العربية وبالعالم أجمع …فكانت نهضة ناجحة قابلة للمحاكاة والتكرار ونحن اليوم بأيماننا بالله وثقتنا به …وبإيماننا بأنفسنا وبمقدراتنا …وبالعمل سوياً سننهض بأمتنا ونرتقي بها بين الامم …فليبدأ كل شخص بنفسه وليرتقي وينهض بها من الداخل . …ثم لنتحرك ونعمل داخل مجتمعاتنا وبإذن الله ستنهض هذه الامة .

إجتماعياً : تعني أن المجتمع الذي نعيش فيه يصبح صحي ومنتج حيث نرى تعليمنا مستواه مرتفع ومنظم ويكون هناك تكافل اجتماعي والفقراء يحصلون على حقهم فكل شئ في حياتنا من الممكن ان يصبح أفضل عندما نعي حقيقة مانعانيه في مجتمعنا ونعمل على معالجته لنتمكن من الارتقاء بمجتمعنا ونصل الى الافضل.

نفسياً : علينا أن ننهض بأنفسنا من خلال عودتنا الى ذاتنا وتصحيح مسارنا الداخلي لنتمكن من الانطلاق نحو الخارج والنهوض بالمجتمع فالنهضة هي اتحاد الطاقة البشرية وعملها في كل المجالات وفي عالمنا العربي بشكل خاص نؤمن بمفهوم الإرشاد المهني اختيار التخصص المناسب للشخص المناسب لتحقيق الإبداع فتحدث النهضة المطلوبة .

واخيراً فإن النهضة تعني الوعي الديني ممزوجاً بخبراتنا المتنوعة وبأدراكنا لدورنا الحقيقي في هذه الحياة لكي ننهض بأمتنا في مختلف المجالات ونحقق ما نصبو اليه ، وهذا ماشملته الحركة الحسينية بكل مضامينها وعناصر نجاحها .

أما الثورة في اللغة تعني الهيجان والوثوب والسطوع والخروج على الحكم لإجل استبدال الحكم بإفضل منه وهي حركة اما تكون شعبية أو تكون من ثائر يحرك ضمائر الشعب

معنى ذلك الخروج لطلب الحق، فهو خروج من البيت إلى الشارع أو الميدان طلباً للحق، أو دفعاً للظلم. وهنا مغادرة الصبر والشكوى والتذمر وحالة عدم الرضا في الحيز الخاص، وحملها الى الحيز العام . وتشمل الثورة كلا الامرين تشمل العنف وعدم العنف وهذا مما لايمكن أنطباقه على الثورة الحسينية لإن أصلها هو الخروج لإجل العدل لإجل الاصلاح لإجل أن يسود الامن والآمان في البلاد وغيرها .

ولهذا فأن اليَقين المطلق بإمَتلاك الحقيقة و ممارسة ذلك عملياً من خلال أن المُختلف إذا ما تعمّقنا أكثر في المُحتوى الحضاري والإنساني للثَورة الحسينية سَوف نجدها بلا شك أكبر من كونها مجرد ثورة .فليَس كُلّ ثورة تمتلك إستحَقاق الخلود في لوح التاريخ الممَدود وحيث ما يُميزها عن عموم الثورات هو خلود مضمَونها الرسّالي الكبير وما كان قد كشف عنه هذا الجُرح الحُسيني المفتوح من دروس وعبر فإننا نفضل أنّ نحترز بها عن هذا العموم بعوضِ لفظي أكثر تقييَدا وهو ( النَهضَة ) بكُلّ ما تعنَي الكلمة من معنى .

وما يجعلني أرى أن كلمة ثورة لا بشرط القيد الإحترازي المذكور لا تفي بالغرض في المقام هو أن لا قيمة للثورة إلا فيما تَحْدَثه في الوجدان الجماعي من آثار تـُوقظ العقل وتـُحرك الروح . كما أن الثورة هي أمر عام يمكن أن تقوم به جَماعة إنسانية في ظروف مختلفة ولغايات لا يتعدى مُحتواها إلى الدائرة الإنسانية وكم من نظير في التاريخ لثورات قامت ولم تتعد حَدودها ولا أستطاعت أنّ تتحَول إلى درس تستلهم منه الأجيال مُقومات نَهضَتها وثورة الإمام الحُسيَن كانت تعبَيراً عن نهَضة مُعاقة وردّة فعل عن عُصور أخذت طريقها نحو الإنحطاط ثم هي ثورة أحرار لا ثورة عبيد .

فالحُسيَن لم يَسمح لقاتليه بالإذلال فكان أسَرع في ردّ طغيانهم قبل أنّ يمسّه عار المذلة إنها ثورة أثمرت وعياً حياً في نفوس الأجيال المُتعاقبة تشدّها إلى معَنى الكَرامة وجَمال التحَرر فهَي بما ينضّم إليّها من إنجازات تمثل نهضة أمة وإن كان الحُسيَن صانع ملحَمتها بوصَفه المُمثل الشرعي لضمير الأمة .

وهي أيضا نهضة إذا ما تأملناها في ضوء المَشروع الإصلاحي الكبير الذي قاده جَده و أبوه وأخوه كما تؤشر عليه كَلمته وهو يتحرك بإتجاه الكوفة: ( إني لم أخرج أشراً ولا بطراً..وإنّما خرجتُ لطلبِ الاصّلاح في أمّة جَدي آمر بالمعروف وأنّهى عن المنكر ) .

إنها ثورة هَيّمنت على الوجَدان المُسلم فصَنعَت كلّ التحولات التي شَهدتهَا القرون اللاحِقة وأنت تجد أنّ ما أعقَبها من ثورات كثورة التوابيّن لسُليمان بن صَرد الخُزاعي أو المُختار الثقَفي أو حتَى ثورة العلوييَن المُتحالفين في بداية نضالِهم مَع الثوَرة العباسية ضدّ المَشروع الأمُوي المقبور والذين رفعوا شعار الرضى من آل محمد كلها كانت تستحضر الشعار الحسيني . وسَواء أنجحت في ترجمة شعاراتها أم لا فإنّها ثورات مُلهمة من هذا الروح الحُسيني الّذي أعاد صياغة العقَل المَسلم بإتجاه إمكانية التغيير للأفضل .

وأن في هذا الإطار يمكننا القول بأن النهضة الحسينية كانت في صلب المسألة الإسلامية فلَسنا نَحنُ من يَحتاج أنّ يُقرّب النهضة الحُسينَية إلى صَلب قضَايانا الراهنة ومسائل الفكَر الإسّلامي بل لا قيمة لهَذا الفكر إذا لم يَستحضر تجَارب الأمّة في النهضة والإصّلاح .

والنهضة الحُسينية هي طلَيعة هذه التجارب وهَل قَضايا الفكّر الإسّلامي وقضايا الأمة الراهنة إلاّ الحُرية والكَرامة والإحساس بالمسؤولية والضَمير الأخَلاقي الّذي شكل مقاصد النهضة الحسينية؟! فهي نهَضة حيّة لا تموت من خلال القيم التي كانت تـُنَطق من دَاخل المَيدان وترسّم للأمة نهجاً في التَحرُر وعَدم القبول بالذُلّ .

فكلّ كلَمة نطق بَها أبو الشَهداء(ع) عَبّرت عن مُنتهى ما يطلبه الأحرار فإن النَهضة الحسينية كانت أولى النهَضات التي شهدها التاريخ جعلت لهَا مطلباُ للتَحرر والكَرامة لم تكن ثورة من أجل الخُبز على شَرف ثَورات الخُبز ولا ثَورة ضد التمَييز العُنصَري على شرف الثورات التي قامت ضَد التمييز ، فلقد كان بنَو هاشم كِرام القَوم لا يَملك أحد إذلاَلهم إلاّ وذُلّ وذاق مَن كأس الهوان لكنّها كانت ثورة من أجل الكَرامة ومن أجل الحُرية والذين صمّمَوا على إذلاله يدركون أن مغامرتهم تلك جاءت بعد أن حسَم الحُسين (ع) موقفه من يزيد وتموقعه في صفوف المظلومين فكان إذلال يزيد للحسين إذلالاً لرمِز يُمثل ضمَير هذه الفئة المُستضعفة والمستباحة كرامتها .

فسير الأحداث يؤكد على أنّ الحُسين أبَى إلاّ أن يكونَ درعاُ واقية لهؤلاء ومُعبراً شجاعاً عما لا يقوى التعبير عنه آخرون فلقد قَدّم الحُسين أكبر دليل على خِدعة الإسلام الأموي ولولا قتل الحُسين بتلك الطريقة الهمَجَية لما سَمعنا يَزيد يَكشف عن نوايا التيار الأموي من خلال تمثله للأبيات الشهيرة التي جاء فيها: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل ، فلقد أظهر الحسين(ع) أنه ليس طالبُ مُلك بل طالبَ كرامة وليس طالبُ غُلب بل طالبَ تحُرر وليس طالبُ دُنيا بل طالبَ آخُرة وليس طالبُ ثُأر بل طالبَ عَدالة .

وفي تصوري أن قضايا الأمة الراهنة هي من سنخ قضايا النهضة الحسينية ذلك لأنها قضايا إنسانية تكررت على امتداد هذا الزمن المهدور على إيقاع فظاعات الإنسان في ربوعنا وما دامت القيم النبيلة التي استشهد من أجلها الحسين لم تتحقق فحتما سيظل كل زمان عاشوراء وكل مكان كربلاء . على أنه يجب فهم العبارة في عمق محتواها وفلسفة تجادل القيم مع الواقع حيث كل بحسبه فالتاريخ يعيد نفسه لكن بصورة أكثر تعقيداً وتركباً وإذا كانت الثورة الحسينية النهضوية هي أول ثورة في تاريخ النوع جعلت عنوانها التحرر والكرامة فإنها أول ثورة من داخل التجربة الإسلامية ضد استغلال الدين للإستبداد السياسي وإذلال الخلق وقبل حركات التنوير والإصلاح الديني الذي شهدته أوربا الحديثة يطلب الإصلاح في الوعي الديني ولعله أول من جعل الكرامة والإحساس بالحرية عنواناً – لا بشرط – لنهضة الأمة .

وبهذا ننتَهي إلى أنَ إستعمال معنى النهضة يكون شمولياً وواسعاً لجميع عناصر حركة الحُسين (ع) لأنه كان يعيش في ظلم وخرج ثائراً ضد كل أنواع الظلم والأستبداد وهذا الخروج يُعتبر نهضة نهضها الحُسين (ع) نتيجة لمأساة واقعه الأليم عكس الثورة فإنها قد تشمل بعض عناصر النجاح وليس كلّها ولكن نقول كما قلنا في بادية المقال أنه يمكن أن نستعمل كلا اللفظين وهما صحيحان .

ولله الحمد ومنّه التوفيق .