ما هو البديل؟

289

ما هو البديل؟

الشيخ عبد الكريم صالح

الكثير ممن يترك الدين ممن يتصور ان الايمان بالاديان ينطوي على الكثير من الاشكاليات التي لا يتقبلها العقل ولا تنسجم مع معطيات العلم, يتصور ان تركه للدين يجعله في مأمن من الانتقاد لكونه ليس لديه أي اعتقاد او ايديولوجيا حتى يمكن ان توجه لها الاشكاليات ويكون ملزم بالدفاع عنها, فهو اتصور انه في راحه, والعبء يقع على غيره, فهو قد ترك الجمل بما حمل, لذا تجده يكون بموقف المهاجم والناقد والمستشكل على تلك المنظومات الايمانية اعتقادا وسلوكا.

فهل يا ترى ان موقفه هذا صحيح من الناحية المنطقية والفلسفية؟

اذا بنينا على كون الانسان يختلف عن باقي موجودات هذه العالم, وان ما يتميز به هو عقله وتفكيره, وسلوكه لطريق الخير او الشر, فلا يمكنه ان يعيش كما تعيش باقي الحيوانات, فانها غير معنية بالتفكير وليس فيها خيّر او شرير, فهي تأكل وتشرب وتتوالد, هذا كل ما تفعله, فان كان الانسان همه اكله وشربه وجنسه, فهو لا يظن انه قد خرج من الانسانية, فالخروج الى الحياد غير ممكن, فلا يمكنه الا ان يكون خيّرا او شريرا, فالحيوان حيادي من حيث الخيرية والشرية, وليس عنده تفكير واما الانسان ليس كذلك, فليس له ان يتهرب من الاجابة على الاسئلة الكبيرة والملحة, التي على اساس اجاباتها يتحدد سلوكه, فحينما يتبين له ان لا مبدأ لهذه الحياة ولا غاية, وان ليس ثمت الا العدم, فان سلوكه سيتجه الا التملي من ملذات الحياة, باي ثمن كان, واما اذا تبين له ان هناك مبدأ اوجد الكون واوجده لغاية, يتعين عليه البحث لمعرفة ذلك المبدأ وكيفية الوصول لتلك الغاية, وهذا كما نرى هو الذي يوجه سلوك الانسان في حياته.

فكثير ممن يشكك بقضايا الاديان او الالوهية او ينكرها, يظن انه يكفيه ان يهدم تلك المنظومات, وليس عليه ان يبني منظومته, ويمكنه يبقى بلا منظومة, والحال ان هذا هروب الى الامام, هب ان تلك المنظومات وما ترتكز عليه غير صالحة لكي تعطي الاجوبة الحاسمة على الاسئلة الكبرى, الا ينبغي ان ينتهج طريقا اخر ومسلكا اخر في امتلاك اجوبة لتلك الاجوبة؟!

من يزعم انه ليس بحاجة الى امتلاك اجوبة فهذا في الواقع كمن يهدم بيته لوجود خلل فيه, ومن ثم يقول لست بحاجة الى بيت, فجوابه هذا اكبر اشكالية من كل ما يتوجه للاديان من نقد, وان زعم ان العلم اجاب عن تلك الاسئلة, نقول مع ان هذا ليس من وضيفة العلم كما سيتبين لنا في كتابات لاحقة, ولكن مع ذلك بينوا لنا اجوبة العلم وانظموها في رؤية كونية حتى تكون محط نظر الناقد, ليرى انها تصمد امام النقد ولها تماسك منطقي ام لا؟

اما ان نخلع رؤيتنا الدينية, ونمزقها ونرمي بها بعيدا, ونحسب انا اصبحنا في مأمن من النقد, ونكون قد تخلصنا من القيود واعباء الدين بمجرد الخروج منه, فهذا في الواقع جهل ليس بعده جهل, فهذه دعوة لكل من ترك الدين لاجل رفض قضايا فيه لا يمكن هضمها, ان يطرح رؤيته الكونية حتى تكون على طاولة البحث والنقد, لنرى هل تصلح ان تكون بديلا عن الدين ام لا؟ ولا ينصب نفسه ناقد للاخرين وهو بمعزل عن النقد, فانه ان زعم انه لا يحتاج الى رؤية كونية يرتكز عليها سلوكه, فهو في الواقع يخرج عن انسانيته ويفقد خصوصيته التي يتميز بها عن باقي الاحياء, وان كان يمتلك منظومة فاليطرحها لينظر بها الاخرين ويرون مدى صلاحيتها للتبني والرفض, ولا يكون بمأمن من النقد وراحة.