هل الواقع واحد او متعدد

285

هل الواقع واحد او متعدد

 

بقلم: السيد فاضل الموسوي الجابري

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد ان انتشرت مقالتنا السابقة المعنونة بـ( الرؤية القريبة والبعيدة واشكالية ادراك الواقع) انهالت علينا العديد من الاسئلة الموجهة من قبل المشتغلين في المعارف الفلسفية والفكرية وكانت في جملتها اسئلة جادة تستحق المناقشة والاحترام فوعدناهم بان نجيب على كل سؤال بمقال مختصر حتى تعم الفائدة وتتبلور الافكار بشكل ترفع الابهام وتكشف اللثام .

لقد طرح احد الاخوة الاعزاء سؤالا مفاده هل ان الواقع واحد وذو لون وشكل واحد ام هو متعدد بتعدد الواقعيات او قل الموجودات ؟ فان الذي يبدو ان لكل موجود من الموجودات واقعية تختلف عن واقعية غيره و شكل ولون يختلف عما سواه , وبالتالي فان مقولة وحدة الواقع تحتاج الى دليل ؟!

نقول في جوابه : لا شك بان قضية وحدة الواقع مبنية على تفسيرنا ومعرفتنا بذلك الواقع , ضرورة انه قد تختلف التفسيرات لمعنى وحقيقة الواقع وباختلافها سوف يختلف الجواب قطعا.

 مضافا الى : ان  الجواب سوف يختلف باختلاف  المباني الفلسفية التي تلازم نتائجها  النظر الى حقيقة الواقع , وبالنتيجة سوف تتبلور افكارا متغايرة بتغاير المباني .

وكذلك : فان للمنهج الفلسفي الدور الاساسي  في تفسير الواقع , فالمنهج الواقعي غير المنهج المثالي والمنهج التجريبي المادي غير المنهج العقلي في تقييم الاشياء او ادراكها .

واستنادا الى المنهج العقلي الواقعي وفق مبنى اصالة الوجود واعتبارية الماهية  فالذي نراه صحيحا ان الواقع واحد لا يتعدد ولا يتثنى ولا يختلف .

وهذه النتيجة: تتوقف على تعريف الواقع , و المقصود من الواقع في نظرنا هو ما كان منشئاً لترتب الاثار في الخارج. فهذه الاثار التي نراها في الخارج لها منشئ واحد صدرت عنه حقيقة وهو الذي نسميه بالواقع .

ولا بد لنا من التأكيد : بان ثمة فرق بين الواقع والواقعيات ,  فان الواقعيات هي التي تنتسب الى الواقع , أي يكون لها تحقق في الواقع , والواقع هو البوتقة – اذا صح التعبير- التي تجمع تلك الواقعيات وتشكل ما نسميه واقعاً , وهو ما يعبر عنه بلوح  الواقع , ولكن لا بنحو شرط الاجتماع لان الواقع يتحقق بتحقق ولو احد تلك الواقعيات . وبكلمة اخرى : انه متى ما تحقق مصداق واحد من الواقعيات تحقق لنا ما نسميه (الواقع) .

اذا عرفت هذا : فان ما ذكرناه انما يبتنى على فرضية مساوقة الواقع للوجود , بمعنى ان الذي نقصده من مصطلح الواقع هو نفس الوجود لا شيء اخر غيره , وبالتالي فان الواقعية تساوق الوجود , لان الذي يكون منشئاً لترتب الاثار في الخارج انما هو الوجود بما هو وجود , وبما ان الوجود واحد لا يتعدد – كما ثبت في علم الحكمة – فان الواقع واحد لا يتعدد , وهو وجود ما به يكون الشيء هو هو لا شيء اخر أي الهوية والتحقق .

نعم , تختلف النتيجة من جهتين – بعد الفراغ من تبنى المنهج الواقعي في قبال المثالي , والمنهج العقلي في قبال المنهج المادي الحسي لأنه لا يأتي كل هذا الكلام على ضوء هذين المنهجين –  :-

الاولى: المبنى القائل بأصالة الماهية دون اصالة الوجود , فانه على ضوء ذلك لابد ان نعتقد بتعدد الواقع لا وحدته ,  ضرورة ان لكل ماهية من الماهيات واقع خاص بها باعتبار ان الاثر انما يحصل من الماهية لا من الوجود , وبالتالي يتعدد الواقع بتعدد الماهيات ويتشكل بشكلها كذلك . فواقعية الشجر غير واقعية الحجر, وواقعية الحيوان غير واقعية الانسان وهكذا . وسبب ذلك انه على هذا المبنى  فان الاثار انما تترتب على الماهية لا على الوجود وبما ان الماهيات متعددة ومختلفة فالأثار ايضا تكون متعددة ومختلفة .

الثانية : المبنى القائل بان لوح الواقع اعم من لوح الوجود – فقد ذهب البعض الى تلك النظرية – وبالتالي لا يوجد مساوقة بين الوجود والواقع , فقد يكون للشيء واقعية – كالأعيان الثابتة او المعنى الحرفي – ولكن لا يكون له وجود , فالوجود اخص والواقع اعم .

الا انك خبير: بان هذه النظرية ناتجة عن عدم القدرة على تفسير امثال ما ذكرنا , والا فإنها منطق تبريري اكثر منه منطقا برهانيا, وسوف تكون لنا وقفة في المستقبل -ان شاء الله تعالى- في مناقشة وابطال هذه النظرية .

وكيف كان , فان المقصود من الواقعية التي نرى وحدتها ليست هي الخصائص الذاتية او نفس الاثار للواقعيات المختلفة والمنسوبة اليها بالعرض , وانما هي السمة المشتركة التي بها يتحقق الشيء او قل تتحقق واقعية الشيء وانه ذو اثار يفعل وينفعل والتي تنسب اليها الاثار بالذات لا بالعرض  . فهذه السمة المشتركة هي ما نعبر عنه بالواقع , واما السمات المختصة التي تنتج عن الماهيات المختلفة فهي ترتبط بالواقعيات لا بالواقع, وهي عرضية لا ذاتية, فلا شك بان البرد غير الحر , والحركة غير السكون , فالأثار تختلف باختلاف مصادرها من الماهيات, وهي امور واقعية ليست بوهم الواهم او خيال المتخيل , ولا يمكن انكارها الامن قبل السفسطائيين, وانما المقصود هو المحمول لا الموضوع في القضايا , امثال قولنا :  قولنا : (الحرارة موجودة) او(البرودة موجودة). لان الحرارة بما هي هي لا اثر لها وانما اكتسبت ذلك الاثر بالوجود .  فالوجود هو منشئ الاثر وهو الواقع . ومن هنا يقول العلامة الطباطبائي : (فما نجده في الأشياء من حيثية الماهية غير ما نجده فيها من حيثية الوجود .وإذ ليس لكل واحد من هذه الأشياء إلا واقعية واحدة ، كانت إحدى هاتين الحيثيتين – أعني الماهية والوجود – بحذاء ما له من الواقعية والحقيقة ، وهو المراد بالأصالة ، والحيثية الأخرى اعتبارية منتزعة من الحيثية الأصيلة ، تنسب إليها الواقعية بالعرض  ) .

ولا شك بوجود فرق بين الواقعية بالعرض عن الواقعية بالذات . ومن هنا يؤكد المرحوم الطباطبائي ذلك بقوله :  (وإذ كان كل شيء أنما ينال الواقعية إذا حمل عليه الوجود واتصف به فالوجود هو الذي يحاذي واقعية الأشياء .) .

بقي عندنا ان نقول : بان وحدة الواقعية ثابتة بثبوت وحدة الوجود , وقد ثبت في الابحاث الفلسفية عند الحكماء الالهيين وحدة حقيقة الوجود , وان الاختلاف انما هو في مراتب تلك الحقيقة , فكذلك الواقعية التي تساوق الوجود فهي حقيقة واحدة ذات مراتب مشككة شدة وضعفا . والله العالم .

____________________

راجع :

1- اصول الفلسفة والمذهب الواقعي للعلامة الطباطبائي

2- الاسفار العقلية الاربعة لصدر الدين الشيرازي

3- فلسفتنا للسيد محمد باقر الصدر

4- بداية الحكمة للعلامة الطباطبائي

5- نهاية الحكمة للعلامة الطباطبائي

6- دروس في علم الاصول للسيد محمد باقر الصدر