في ظلال الآيات(3)

164

في ظلال الآيات(3)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

 

{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (يس: 69-70).

في هذا النص الكريم ثلاثة بحوث:

الأول: لماذا نفى القرآن الشعر عن النبي ’؟

الثاني: لماذا قالت العرب عن النبي بأنه شاعر؟

الثالث: وبعد نفي الشاعرية عن النبي ’، بينت الآية حقيقة البيان الذي جاء به النبي والغاية التى من أجلها نزل.   

البحث الأول: لماذا نفى القرآن الشعر عن النبي ’؟

يعتبر الشعر من أهم معالم المجتمع العربي، وكانت القبيلة تحتفل اذا ولد فيها شاعر؛ لأن الشعر هو المادة الإعلامية الوحيدة يوم لم يكن هنا وسائل إعلام ولا وسائل تواصل… وكان الشعر يعيش معهم كالماء والهواء..

ولأن القرآن فيه شي من الموسيقى والتقفية أو السجع.. كما سنبين بعد قليل، فقد وجد العرب ضالتهم في ذلك؛ ليصموا النبي بأنه شاعر وليس بنبي؛ لأنهم عجزوا عن مجاراته في الفصاحة والبلاغة، بالرغم من القدرة الإبداعية التي يتمكنون منها في سبك الكلام، وانتاج البلاغة بأعلى مستوياتها، كما هو ظاهر في معلقاتهم..

والملاحظ أن عجزهم عن مجاراته ’ جعلهم يصلون إلى حالة هستيرية وجنونية، بحيث بدأوا يحشدون الصفات السلبية وإلصاقها به ’ لإسقاطه معنوياً، ومن تلك الصفات قالوا عنه أنه:

(1) ساحر، قال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (ص:4)

(2) كذّاب، أشارت له الآية السابقة

(3) مجنون، قال تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} (الطور:29).

(4) كاهن، ذكرته الآية السابقة.

(5) عميل، قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} (الدخان:14)، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفرقان:4-5)، وواضح من هذه الآيات أنهم وصموا النبي ’ بالإفك والافتراء، وأنه كان يأخذ المعلومات من أهل الكتاب ويصبها في هذه القوالب من الألفاظ الجزلة، ثم يزعم أنها وحي من الله… كما قالوا.

(6) وهكذا لا يتوقف مسلسل التسقيط، ومن جملة تلك الصفات قالوا عنه أنه شاعر، قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} (الطور:30).

والملاحظ أن هذه التهم تعرّض لها الأنبياء والمرسلين والمصلحين على مدى التاريخ، الأمر الذي سجله القرآن الكريم بقوله تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} (فصلت:43).

وعلى أية حال فإن الله تعالى نفى عن النبي الكريم كونه شاعر لسببين:

السبب الأول: إن في الشعر جانبان سلبي وإيجابي، حق وباطل، صدق وكذب، حتى قيل: (أكذبه أعذبه)، ولهذا جاء الذم في الكتاب العزيز في قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} (الشعراء:224-226)، والنبي لا يليق به ذلك.

السبب الثاني: إن ما جاء به النبي ’ من القرآن الكريم كونه وحياً، وما حوى من العلوم والنظم والنكات العلمية أعظم وأعظم بكثير من الشعر…

والملاحظ هنا أن البحث التاريخي يؤيد ما قاله القرآن حيث أنه لم يثبت أن النبي ’ قال الشعر إلا بيتاً واحداً من الرجز، قاله يوم حنين حين انهزم المسلمون وثبت هو ’ يقاتل ويقول:

أنا النبــي لا كذب           أنا ابن عبد المطلب[1]

وروي عن جندب بن سفيان قال: بينما النبي ’ يمشي إذ أصاب إصبعه حجر فأدميت فقال:

ما أنت إلا إصبع دميت      وفي ســبيل الله ما لقيت[2]

وقيل: إن قائل هذا البيت أبو بكر يوم الغار، وقيل: إن قائله عبد الله بن رواحة يوم مؤتة[3]، والخلاصة: أنه لم يثبت أن قائله النبي ’، كالبيت السابق.

(وأخيرا يقول أحد المفسرين: إن الشعر مجموعة من الأشواق التي تحلق منطلقة من الأرض باتجاه السماء، بينما الوحي حقائق نازلة من السماء إلى الأرض، وهذان الاتجاهان واضح تفاوتهما)[4].

البحث الثاني: لماذا قالت العرب عن النبي بأنه شاعر؟

هذا له سببان رئيسي وثانوي:

السبب الرئيس: هو محاولة اسقاط النبي ’ فكما وصفوه صلى الله عليه وآله بقائمة من الموبقات المتقدمة أضافوا لها هذه الصفة أيضاً؛ لأن الناس كانوا يتأثرون بسماع القرآن، وكم من الأشخاص الذين تولعوا وعشقوا الإسلام لمجرد سماعهم القرآن الكريم، وأعلنوا إسلامهم في نفس المجلس الذي استمعوا فيه إلى بعض آياته، ولأجل ابعاد الناس عن القرآن أشاعوا تهمة الشعر في كل مكان، ولما لم تنجح هذه الإشاعة، وبقي الناس يستمعون ويتأثرون بكلام الله، سلكوا طريقاً آخراً لأجل منع الناس من سماع الوحي، فكانوا يصفقون ويكثرون من اللغط واللغو، كما ذكر الباري تعالى ذلك في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت:26).

السبب الثانوي: أنهم وجدوا في القرآن ما يساعد على وصف النبي × بأنه شاعر، ذلك أن آي الذكر الحكيم في الكثير من السور يتضمن شيئا من الموسيقى، كما أنه مسجوع ومقفى كما أشرنا إليه قبل قليل.. وهذا ما جعل الكثير من الشعراء يستفيدون من هذه الظاهرة ويضمنوا شعرهم للآيات الشريفة، ومن ذلك..

قال الشاعر:

خففوا ثقل المعاصي     أفلح القوم المخفون

{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى       تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}

ويقول السيد رضا الهندي في كوثريته:

قد قال لثغرك صانعه      {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}

وقال آخر في حق أمير المؤمنين ×:

فلو لم يكن في صلب آدم نوره       لما قيل قدما للملائكة اسجدوا

ولولاه ما قلنا ولا قال قائـــــل        لـ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ}

وغير ذلك كثير لمن أراد أن يتابع…

ولدفع هذه الشبهة قيل: (إن المراد بالآية عدم تعليم النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قول الشعر ونظمه وهذا لا يستلزم، عدم وجود الكلام الموزون في القرآن الكريم؛ لأنه ليس من قول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم على الحقيقة)[5]، وإنما هو قول الله تعالى.

المبحث الثالث: قال تعالى: { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ }، وبعد نفى الله تعالى قول الشعر عن النبي ’، وثبت ذلك تاريخيا كما تقدم.. ذكر في هذا المقطع أمرين:

الأول: حقيقة ما جاء به ’.

الثاني: الغاية منه.

أما حقيقته، ففي قوله تعالى: { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ}، إنْ: هنا نافية بمعنى ما، والنفي مع الإستثناء بـ (إلا) يفيد الحصر، مثل {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ}، آل عمران: 144.

محل الشاهد: يعني ما هذا الكتاب العزيز إلا (ذكر، وقرآن، ومبين)، فأثبت له ثلاث صفات:

(الذّكر): أنه يتضمن ذكر الحلال والحرام، والدلالات، وأخبار الأمم الماضية، وغيرها، وقيل عظة وإرشاد؛ لأنه فيه تذكير بالجنة والنار والثواب والعقاب.

(القرآن): في تسمية القرآن بهذا الإسم رأيان:

الأول: سمي بذلك لكثرة قرائته، فالمسلمون الأوائل كانوا ملتزمين أشد الالتزام بتلاوة وحفظ القرآن.

الثاني: أن معنى القرآن في اللغة الجمع، ولأن القرآن يجمع ويقرن المعاني ببعضها، سمي قرآن.

(مبين): واضح.. لا يحتاج الى موضح؛ لأنه نور والنور ظاهر بنفسه مظهر لغيره.    

وأما غايته: فأمران كما هو واضح في قوله تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}، وقوله: {مَنْ كانَ حَيًّا}، قيل: معناه من كان مؤمنا؛ وقيل: عاقلا متأمّلا، فإنّ الغافل كالميّت.

وهنا (نرى القرآن الكريم يجعل (الإيمان) هو (الحياة) و (المؤمنين) هم (الأحياء) و (الكفار) هم (الموتى)، ففي جانب يذكر عنوان (حي) وفي الطرف المقابل عنوان (الكافرون) ، فهذه هي الحياة والموت المعنوي اللذان هما أعلى بمراتب من الموت والحياة الظاهريين، وآثارهما أوسع وأشمل، فإذا كانت الحياة والمعيشة بمعنى (التنفس) و (أكل الطعام) و (الحركة)، فإن هذه الأعمال كلها تقوم بها الحيوانات، فهذه ليست حياة إنسانية، الحياة الإنسانية هي تفتح أزهار العقل والفهم والملكات الرقيقة في روح الإنسان، وكذلك التقوى والإيثار والتضحية والتحكم بالنفس، والتحلي بالفضيلة والأخلاق… والقرآن ينمي هذه الحياة في وجود الإنسان.

والخلاصة: أن الناس ينقسمون حيال دعوة القرآن الكريم إلى مجموعتين: مجموعة حية يقظة تلبي تلك الدعوة، وتلتفت إلى إنذاراتها، ومجموعة من الكفار ذوي القلوب الميتة، الذين لا تؤمل منهم أية استجابة أبدا، ولكن هذه الإنذارات سبب في إتمام الحجة عليهم ، وتحقق أمر العذاب بحقهم)[6].

وهذا الأمر كما يجري في القرآن يجري في سائر حركات المصلحين، فإن أصحاب القلوب المنفتحة والعقول الواعية يتفاعلون معها إيجابيا، والمنغلقون يتفاعلون معها سلبيا..

ومن هنا نجد في حركة الحسين × من انقلب من معسكر ابن سعد الى معسكر الحق بعد سماعهم خطب الحسين ×، ويصل عددهم الى ثلاثين رجل بحسب بعض المصادر[7].

 

 

 



[1] ارشاد المفيد، ج1ص143.

[2] المعجم الكبير للطبراني، ج2ص172.

[3] الصحيح من سسيرة النبي الأعظم، جعفر مرتضى العاملي، ج4ص263.

[4] الأمثل، ج14ص231.

[5] ما وراء الفقه ج10ص110.

 

[6] الأمثل، ج14ص233.

[7] يوم الحسين للشيخ فاضل المالكي.