في ظلال الآيات(6)

206

في ظلال الآيات(6)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

 {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 33-34).

اهتم القرآن بموضوع الدعوة والدعاة عناية فائقة، ولأهمية هذا الموضوع جاءت لتغطيته الكثير من الآيات الكريمة، وهاتان الآيتان ـ محل البحث ـ من جملة ما نزل في ذلك.. وفيهما عدة مضامين نتناولها ضمن عدة نقاط.

النقطة الأولى: أحسن الأقوال والأعمال الدعوة الى الله.

النقطة الثاني: مواصفات الداعي.

النقطة الثالثة: أساليب الدعوة.

النقطة الرابعة: نتيجة الدعوة اللينة الحب. 

وسنعرض لها تباعاً.

النقطة الأولى: قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ}.

استفهام استنكاري، معناه ليس هناك أحد بأفضل ممن يدعو بدعاية الله والى دين الله، وفي تأكيد على قدسية هذا العمل وعظم الجزاء للقائمين بهداية الناس وشدهم الى القيم الإلهية، كما جاء في الحديث عن النبي × أنه قال له يوم أعطاه الراية لفتح خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ’ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتكى عينيه يا رسول الله، قال: فأرسلوا إليه فأتوني به فلما جاء بصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لإن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم)[1].

وفي حديث آخر رواه الكليني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن وقال لي: يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه، وأيم الله لإن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه يا علي)[2].

لا حظ إن هذا الجزاء الموفور على ممارسة الدعوة الى الله لتؤكد على مضمون الآية الذي يعظم هذا العمل.

النقطة الثانية: مواصفات الداعي.

قوله تعالى: {وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.

في هذا المقطع من الآية عرض لأهم الصفات التي ينبغي أن يتوقر عليها الداعي، وقد ذكر هنا صفتين إن تمتع بهما الداعي فهو المثال الكامل للداعية الإسلامي.

الصفة الإولى: اقتران العلم بالعمل (وَعَمِلَ صَالِحًا) فلا معنى لأن يدعو المرء لفعل أو لعمل وهو لا يفعله أو يناقضه… كمن يقول للناس حجبوا نسائكم وامرأته سافرة.. فمثل هذا مذموم في كتاب الله، في عدة موارد منها:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 2-3).

وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة: 14).

فهذا الأمر في الحقيقة هو على حد النفاق، ولهذا نسمع أن شعيباً × يقول لقومه ـ فيما حكى الله تعالى عنه ـ: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: 88).

وعن النبي ’ في وصاياه لابن مسعود: يا ابن مسعود: إياك أن تظهر من نفسك الخشوع والتواضع للآدميين، وأنت فيما بينك وبين ربك مصر على المعاصي والذنوب، يقول الله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19).

يا ابن مسعود: لا تكن ممن يشدّد على الناس ويخفف عن نفسه، يقول الله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف:2)[3].

والخلاصة: إن الداعي لا يكون مخلصاً لدعوته وقضيته التي يدعو لها إلا إذا صدّق قولُه فعلَه، وإلا وقع في الإزدواجية..  

الصفة الثانية: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.

وقد ذكر المفسرون تفسيرين في هذا المعنى:

الأول: {مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، أي من المسلّمين بالتشديد، أي المطيعين لله تعالى بكل صغيرة وكبيرة.

الثاني: {مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي من الداعين الى الله في خط الإسلام، وليس في أي اتجاه آخر؛ لأن الدين عند الله الإسلام، وما سواه منسوخ، والتمسك بالمنسوخ إنما هو نمط من العصبية المقيتة.   

والتمسك بالإسلام ونبيه العظيم ولتباعه، هو في الحقيقة تمسك واتباع وتصديق بجميع الرسالات والنبوات السابقة، لأن الإسلام في خطه العام هو دين الله من آدم الى الخاتم، (صلوات الله عليهم أجمعين). 

النقطة الثالثة: أساليب الدعوة.

قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

قيل:  إن معنى الحسنة – ههنا – المداراة، والسيئة المراد بها الغلظة[4]، ففي هذا المقطع من الآية تشديد على أن الدعوة ينبغي أن تكون دعون ليّنة حسنة.. دعوة ممزوجة باللطف وحب الخير للمدعو.. والسعي لإخراجه من الظلمات الى النور.. وهناك شواهد قرآنية كثيرة تؤكد على هذا المعنى، منها قوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 43-44).

وقريبا من مضمون الآية ـ محل البحث ـ قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125).

فهذا النص الكريم تدرّج وذكر ثلاث أساليب للدعوة، وهي:

ـ الحكمة، ولم يقيدها بالحسن؛ لأنها حسنة على كل حال، حيث عرّفوها بأنها وضع الشيء موضعه.

ـ الموعظة، وقيدها بالحسنة؛ لأن الموعظة قد تكون مع الصرامة والشدة، وهي مع ذلك موعظة لكنها ليست حسنة، وإنما تكون حسنة مع اللطف واللين.

ـ الجدال، وبما أن الجدال فيه حجج وممارات ومغالبة، قيده بالأحسن، معناه أن الجدال ثلاث مراتب: (جدال ـ وجدال حسن ـ وجدال أحسن)، والقرآن من هذه الناحية يحبذ أعلى درجات الحسن.

وهذا المعنى يعطينا سعة في الحركة وفي النوع والتلون في أساليب الدعوة، بل وفي ابتداع أساليب جديدة أنجع في إيصال الفكرة، والإستفادة من الأدوات المتوفرة والمتاحة، فيمكن ــ على سبيل المثل ــ الإستفادة من المسرح، والتلفزيون، والسينما، والمنبر، والقصيدة… لإيصال الفكرة النبيلة وتلقينها للمجتمع، ولربما تمثيل قصة كقصة استشهاد الإمام الحسين ’، أبلغ بكثير من طبع آلاف الكتب وإلقاء مئات المحاضرات.. وقد سمعنا أن بعض الأوربيين أسلموا لما شاهدوا فلم الرسالة، بالرغم من وجود جملة من الملاحظات عليه…   

ومن ذلك كله نفهم أن أساليب الدعوة قد تختلف من حيث الزمان والمكان، ومن حيث المدعو ومستواه الذهني والفكري، فقد يصلح اسلوب من أساليب الدعوة في زمان ولا يصلح في زمان آخر.. وقد يجدي نفعاً أن تحدث انسان بفكرة لا تجدي مع انسان آخر لوجود التفاوت الثقافي والإجتماعي وما شاكل..

ومن هنا يندفع الإشكال الذي يسجله البعض على الإمام أمير المؤمنين ’ من أن الدولة الإسلامية في عهده لم تتوسع شبراً واحداً، والفتوحات توقفت وانحسرت، وذلك بأن نقول:

أولا: إن الإمام × انشغل بثلاث حروب داخلية (الجمل ـ صفين ـ النهروان) سقط فيها عشرات الآلاف من المسلمين، فمن هذه الناحية من يكون منشغلا بترتيب بيته من الداخل، يصعب عليه إصلاح الخارج.

ثانيا: إن توسيع رقعة وجغرافية الأرض التي يحكمها الإسلام لم تكن بتلك الأهمية لدى الإمام بقدر هداية الناس والأخذ بأيديهم الى الله تعالى، وهو الذي سمع من رسول الله (ص): (لإن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت) كما تقدم.  

ثالثا: إن مما لاشك فيه أن الإمام كان يريد لهذا الإسلام أن يبسط سلطانه على الأرض ولكن لا بالسيف.. بل (بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالجَدِالْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

رابعا: إن من الملاحظات التي سجلت على الفتوحات الإسلامية التي سبقت ولحقت أمير المؤمنين ’ أنها حروب تجارية[5]، حيث كانت جيوش المسلمين تغزو البلدان فتقتل الرجال وتسبي النساء وتستحوذ على الخزائن التي تنقل الى الخليفة ليتنعم بها ويشتري بها المزيد من الجواري الجميلات، ولا يهمهم بعد ذلك هداية الناس ورعايتهم… وآثار هذه الفتوحات وتداعياتها على المسلمين لا تزال موجودة الى يوم الناس هذا.

وأين هذا من منطق علي، ودولة علي، وحكومة علي × الذي أعلنت الأمم المتحدة في القرن العشرين أنه أعدل حاكم حكم على وجه الأرض.

النقطة الرابعة: نتيجة الدعوة اللينة الحب والإستجابة.

وهذا واضح من قوله تعالى: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.

الولي: هو الصديق.

الحميم: مأخوذ من الغليان، ومنه سمي الحمّام، والمعنى المراد محب قريب.

يتضح من خلال هذا المقطع من الآية أن معارضة السيئة بالحسنة والعدوان بالأخلاق، يقلب العدو الى صديق والمبغض الى محب، وهذا يبدو واضحا في سيرة رسول الله ’ الذي كهرب الناس بأخلاقه العالية حتى وصفه الله تعالى بأنه على خلق عظيم، وقد ساهمت هذه الصفة التي يحملها رسول الله ’ في انتشار دعوته انتشار النار في الهشيم.

ومن ذلك فأنّ رسول الإسلام ’ والقادة من أئمة أهل البيت ^ كانوا يستفيدون دائماً من هذا الأسلوب القرآني العظيم، ففي فتح مكّة مثلا كان الأعداء ـ وحتى الأصدقاءـ ينتظرون أن تسفك الدماء وتؤخذ الثارات من الكفار والمشركين الذين أذاقوا المؤمنين ألوان الأذى والعذاب في مكّة وخارجها، من هنا رفع بعض قادة الفتح شعار: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشاً)، ولكن ما كان من رسول الله ’ إلاّ أن عفا عن الجميع وأطلق كلمته المشهورة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ثمّ أمر ’ أن يستبدل الشعار الإنتقامي بشعار آخر يفيض إحساناً وكرماً هو: (اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله قريشاً(، فقد أحدث هذا الموقف النبوي الكريم عاصفة في أرض مشركي مكّة حتى أنّه على حدّ وصف كتاب الله تعالى بدأوا: {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا} (النصر:2)، لكن برغم ذلك، نرى أنّ النّبي ’ استثنى بعض الأشخاص من العفو العام هذا، كما نقله أصحاب السيرة، لأنّهم كانوا خطرين ولم يستحقوا العفو النبوي الكريم الذي عبّر فيه رسول الله ’ عن خلق الإسلام ومنطق النّبيين حينما قال: (لا أقول لكم إلاّ كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)([6])

 

روايات ذات صلة:

عن أبي عبد الله × في قول الله: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ}، قال: (الحسنة) التقية، (والسيئة) الإذاعة، وقوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} السيئة، قال: (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) التقية، (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)[7].



[1] صحيح البخاري، ج4ص207.

[2] الكافي، ج5ص28.

[3] مكارم الأخلاق، ص458.

[4] التبيان للطوسي، ج9ص126.

[5] موسوعة المهدي للسيد الشهيد الصدر الثاني، ج1ص166.

[6])) الميزان للطباطبائي، ج11ص251.

[7] المحاسن للبرقي، ج1ص257.