في ظلال الآيات(7)

170

في ظلال الآيات(7)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

 

{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} (الفرقان: 27-29).

في هذا النص الكريم ثلاثة بحوث:

البحث الأول: أمنيتان يتمناهما الظالم يوم القيامة.

البحث الثاني: أثر صداقة السوء على سلوك الفرد.

البحث الثالث: دور الشيطان في حرف مسيرة الإنسان.

وقبل الدخول في هذه العناوين نحتاج الى مقدمة نبين فيها نقطتين:

النقطة الأولى: حول يوم القيامة وما يتجلى فيه من الندم.

يوم القيامة هو اليوم الذي جعله الله تعالى بمثابة المحكمة التي تعرض فيها الجنايات، فينال الظالم عقابه، والمحسن ثوابه، ويسترد المظلوم حقه، وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر هذا اليوم ووصفه بأوصاف كثيرة، منها أنه يوم الفصل ـ يوم التغابن ـ يوم تبلى السرائر.. وفي الآية ـ محل البحث ـ وصفه بأنه اليوم الذي {يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}، وإنما يعض على يديه تعبيراً عن الندم، وهنا يأتي السؤال: لماذا يعض الظالم على يديه:

وفي مقام الجواب نقول: إن ذلك لعدة أسباب، أهمها اثنان:

الأول: إن نعيم الآخرة لا يقاس بنعيم الدنيا من حيث النوع والكم.

الثاني: إن الدنيا منقطعة فانية، وأما الآخرة فخالدة باقية.

فإذا انكشفت هاتان الحقيقتان ورآهما عياناً عض على يديه أسفا وندماً.       

النقطة الثانية: حول أقسام الظالم.

قُسِّم الظالم الى ثلاثة أقسام:

الأول: ظالم لنفسه، فالإنسان حينما يعصي الله تعالى فإنه يظلم نفسه؛ لأن سلطان الله لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية، قال تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (البقرة: 57). 

وقد ورد هذا المضمون فيما يقرب من تسعة موارد.

الثاني: ظالم لغيره، بابتزازه حقه، أو قتله، أو او انتهاك، حرمته وما شاكل، وهذا أشد من سابقه؛ لأنه يتعلق بحقوق الآخرين، وهذا لا مجال لتسويته إلا برضا المظلوم.

الثالث: ظالم لربه، وهو أشد انواع الظلم، قال تعالى على لسان لقمان: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان: 13)، ومن فضاعة هذا النوع من الظلم أنه لا يُغفر.. وقد أكد القرآن الكريم على هذا المعنى في آيتين من سورة النساء.

قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء: 48).

وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} (النساء: 116).

وظلم الرب هنا بمعنى ظلم حق الله تعالى، وحقه أن يعبد ويطاع، إلا أن الإنسان يشرك بل ويلحد..

والظالم بكل انواعه يعض على يديه يوم القيامة…

نعود بعد هذه المقدمة الى صلب الموضوع، قلنا إن في هذه الآية ثلاثة بحوث:

البحث الأول: أمنيتان يتمناهما الظالم يوم القيامة.

فبعد أن تنكشف الحقائق أمام الظالم ويندم ويعض على أنامله، هنا يتمنى الظالم أمنيتان:

الأولى: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}، والسبيل هو الطريق أي ليتني كنت سلكت الطريق الذي دعى له الرسول؛ لأنني لو فعلت ذلك لكنت اليوم من الناجين.

لا ريب في أن دعوة الرسول دعوة للخير والوعي والحياة ولكل ما فيه نبل، ولعل كل هذه المعاني يجملها قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأَعراف: 157). 

الثانية: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}، الويل هو الهلاك، والمعنى يا هلكتي احضري في هذه اللحظة، وتأتي الأمنية الثانية بأنه يتمنى أن لم يكن قد صادق فلانا، لماذا؟ هو يجيب على هذا السؤال: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} لقد كان هذا الخليل هو المصدّ الذي كان يضلني ويصدني عن قبول دعوة الحق..

والإنسان في ذلك اليوم يتبرأ من الكثير من العلائق التي كانت في الدنيا ويندم عليها ولات حين مندم، والقرآن ذكر جملة من تلك العلائق منها:

ـ {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} (البقرة: 166-167).

ـ بل حتى الشيطان يتبرأ هناك من أتباعه {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (إِبراهيم 22).

ـ {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67)

البحث الثاني: أثر صداقة السوء على سلوك الفرد.

وفي هذا النص الأخير واضح أن الخليل لا يكتفي بالتبري من خليله، بل تنقلب الخلة الى عداوة… ولا تنفع هناك غير خلة وصداقة المؤمنين والمتقين، كما قالت الآية: {إِلَّا الْمُتَّقِينَ}، فالمتّقي ينفعك في الدنيا وفي الآخرة.

أما في الدنيا فيشدّك الى الله تعالى ويربطك بك ويقربك للطاعة ويبعدك عن المعصية، وتتخلق بأخلاقه التي هي اخلاق أهل الدين.

وأما في الآخرة فإن المؤمن يشفع لمن احب يوم القيامة، وقد ورد عندنا أن من أعمال يوم الغدير عقد الإخوة، قال الميرزا النوري  (وينبغي عقد الاخوة في هذا اليوم مع الاخوان، بأن يضع يده اليمنى على يمنى أخيه المؤمن، ويقول: وآخيتك في الله، وصافيتك في الله، وصافحتك في الله، وعاهدت الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وأنبياءه، والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، على أني إن كنت من أهل الجنة والشفاعة، واذن لي بأن أدخل الجنة، لا أدخلها إلا وأنت معي، فيقول الأخ المؤمن: قبلت.

فيقول: أسقطت عنك جميع حقوق الأخوة، ما خلا الشفاعة والدعاء والزيارة)[1].

محل الشاهد: إن للخلة والصداقة تأثير بالغ الأهمية على الفرد؛ لأن الصديق في الغالب يكون مقارب للعمر فيؤثر ويتأثر، وخصوصاً إذا كانت الصداقة بين الشباب، وذلك لقلة خبرتهم، ولأن الشاب يتأثر بالمحيط والصحبة أكثر مما يؤثر…

قال الشاعر:

صاحب أخا ثقة تحظى بصحبته ** فالطبع مكتسب من كل مصحوب

كالريح آخذة مما تمر به ** نتنا من النتن أو طيبا من الطيب

ومن هنا نجد الكثير من التأكيدات في أحاديث أهل البيت ^ على اختيار الأصدقاء الأوفياء المؤمنين من أهل الصدق، وإليك بعضها.

ـ عن ابي عبد الله الصادق ×: لقد عظمت منزلة الصديق حتى إن أهل النار ليستغيثون به ويدعونه في النار قبل القريب والحميم، قال الله (عز وجل) مخبرا عنهم: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (الشعراء: 100-101)[2].

ـ وعنه ×، قال: لا تسم الرجل صديقاً سمة معرفة حتى تختبره بثلاث: تغضبه فتنظر غضبه يخرجه من الحق إلى الباطل، وعند الدينار والدرهم، وحتى تسافر معه[3].

ـ وعن أمير المؤمنين ×: عجبت لمن يرغب في التكثر من الأصحاب كيف لا يصحب العلماء الألباء الأتقياء الذين تغتنم فضائلهم وتهديه علومهم وتزينه صحبتهم[4].

ـ وعن أبي عبد الله × قال: لا تكون الصداقة إلا بحدودها، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة:

فأولها: أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة..

والثاني: أن يرى زينك زينه وشينك شينه..

والثالثة: أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال..

والرابعة: أن لا يمنعك شيئا تناله مقدرته..

والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال أن لا يسلمك عند النكبات.

وموضوع الصداقة أوسع من أن نحيط به في هذه العجالة.. وقد ألف فيه بعض الأعلام كتبا خاصة.

البحث الثالث: دور الشيطان في حرف مسيرة الإنسان.

قوله تعالى: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا}.

لا ريب في أن القرآن وصف الشيطان بالعدو، وحذّر منه ومن وساوسه ومداخله في حرف مسيرة الإنسان عن الصراط، وقد توعد الشيطان بذلك كما حكاه الله تعالى في القرآن بقوله: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأَعراف: 16-17).

إن هذه الآية الشريفة لتؤكد أن للشيطان مداخل شتى في حرف مسيرة الإنسان، وقد جاءت جملة من الروايات تؤيد هذا المعنى، منها:

جاء في بعض الروايات أن عيسى × لقي الشيطان ذات يوم وهو يحمل على ظهره أربعة أكياس، فسأله ما هذا؟

قال: بضاعة.

قال: وما هي؟

قال: خيانة وفتنة وحسد وجور.

قال: وعلى من تبيعها؟

قال: أما الخيانة فعلى التجار، وأما الفتنة على النساء، وأما الحسد فعلى العلماء، وأما الجور فعلى الحكام والملوك… انتهى.

وما في هذه الرواية يؤيد ما جاء في الآية السابقة.. ويؤكد أن للشيطان كثير من المداخل على بني البشر، ويأتيهم كل بحسبه وبما يناسبه…

وعن عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله × قال: ظهر إبليس ليحيى بن زكريا × وإذا عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى: ما هذه المعاليق؟

فقال: هذه الشهوات التي (أصيب بها) ابن آدم.

فقال: هل لي منها شيء؟ فقال: ربما شبعت (فشغلناك) عن الصلاة والذكر.

قال: لله علي أن لا أملاء بطني من طعام ابدا.

وقال إبليس: لله علي أن لا انصح مسلما ابدا.

ثم قال أبو عبد الله ×: يا حفص لله على جعفر وآل جعفر أن لا يملأوا بطونهم من طعام ابداً ولله على جعفر وآل جعفر أن لا يعملوا للدنيا أبدا[5].  

 والحديث عن الشيطان واسع بالسعة التي تناولها القرآن… وفصل الكثير من تفاصيلها…

وأخيرا ينبغي أن نلتفت أن القرآن كثيرا ما يؤكد أن الطغاة أولياء الشيطان والأنبياء والأوصياء أولياء الرحمن، وهم في صراع على طول الخط، ولهذا نسمع الحسين ’ حين لقي الحر وجيشه أنه يؤكد لهم بخطابه أنه عازم على مقارعة الأمويين لأنهم لزموا طاعة الشيطان حيث يقول ×: (أيها الناس ان رسول الله ’ قال: من رأي سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله ’ يعمل في عبدا الله بالإثم والعدوان فلم يغير بقول ولا فعل كان حقا على الله ان يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتولوا عن طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفئ وأحلوا الحرام الله وحرموا حلاله)([6]).  

 



[1] مستدرك الوسائل، ج6ص279.

[2] الأمالي للشيخ الطوسي، ص571.

[3] م ن، ص646.

[4] عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الواسطي، ص330.

[5] وسائل الشيعة،ج24ص241.

[6])) لواعج الأشجان للأمين، ص93.