في ظلال الآيات(8)

191

في ظلال الآيات(8)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (آل عمران: 106-107).

في هذا النص الكريم بحثان:

البحث الأول: كيف تسود الوجوه وتبيض

البحث الثاني: من هم الذين تسود وجوههم ومن هم الذين تبيض وجوههم.

وسنعرض لذلك انشاء الله وقبل ذلك نبين باختصار نقاط:

النقطة الأولى: اليوم الذي ورد في صدر الآية هو يوم القيامة، وفيه تنصب الموازين أمام حكم عدل، وفيه تحذير للظالمين وتسلية للمظلومين.

النقطة الثانية: الآية ابتدأت بالوجوه المبيضة وختمت الحديث أيضا بالوجوه المبيضة، وكأنما ذاب الحديث عن الوجوه المسودة بين البداية والنهاية، وفي ذلك دلالة على سعة رحمة الله سبحانه وأنها سبقت غضبه، وفي ذيل الأية اشارة لذلك حيث قال: {فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

النقطة الثالثة: الآية فيها اجمال وتفصيل، الإجمال: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}، والتفصيل جاء بعد (أَمَّا) التفصيلية، ولكن الملاحظ أن ألآية فصلت في الذين اسودت وجوههم، فقالت: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، ولما وصلت الى الذين ابيضت وجوههم ذكرت عاقبتهم فقط، ولم تذكر عملهم، فقالت: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، ومن ذلك يعلم عملهم فإن العاقبة الحسنة معناها أن المقدمات والأعمال حسنة.

نعود الى صلب الموضوع:

البحث الأول: كيف تسود الوجوه وتبيض.

قال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}.

في هذا المقطع يمكن أن نفهم السواد والبياض بفهمين:

الفهم الأول: أن هذا السواد والبياض حسي، بمعنى أنه يرى بالعين المجردة، فالعاصي يسود وجهه كلون بالإنقلاب أو بالحرق بجهنم، كما أن المطيع يبيض وجهه كلون وهيئة كما لو أن له نور يسطع، وعلى هذا الفهم شواهد من القرآن منها:

قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} (الزمر: 60).

وقوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} (الحديد: 12).

لاحظ أن كلا الآيتين تعبر بالرؤية، (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى)، (يَوْمَ تَرَى).

الفهم الثاني: أن يكون هذا السواد والبياض معنوي، فالمراد بالسواد الحزن؛ لأن الحزين يلبس الأسود، وبالبياض الفرح؛ لأن الفرِح المسرور يلبس الأبيض، قال الأستاذ النحوي أبو الحسن الحصري:

إذا كانَ البياضُ لباسَ حزن ** بأندلسٍ فذاك من الصَّواب

ألم تَرنِي لبستُ بياضَ شَيبي ** لأني قد حَزِنت عل الشَّبَابِ

 ويوجد على ذلك شواهد من القرآن الكريم، منها:

قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} (النحل: 58) ظل وجهه مسوداً أي مكتئبا حزينا.. وليس اسودا من الناحية الحسية..

وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (سورة القيامة: 22-23).

نظرة أي جميلة، من النضارة…

ومن مقومات النضارة بياض الوجه، الذي ينسب لرجال الله، ولهذا يسمون بـ (الغر المحجلين)، فعن أبي عبد الله × مما أوحى الله لرسوله ليلة المعراج: (يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من لأمتك من بعدك؟ قال: الله أعلم، قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين.. الحديث)[1].

ومن اللطائف ما حكي أن الحجاج أنه اشترى غلامين أحدهما أسود والثاني أبيض، فقال لهما في بعض الأيام: أتقولان الشعر؟

قالا: بلى.

قال: فكل واحد يمدح نفسه ويذم رفيقه.

فقال الأسود:

ألم تر أن المسك لا شيء مثله     وأن بياض اللفت حمل بدرهم

وأن سواد العين لا شك نورها      وأن بياض العين لا شيء فاعلم

فقال الأبيض:

ألم تر أن البدر لا شيء مثله      وأن سواد الفحم حمل بدرهم

وأن رجال الله بيض وجوههم     ولا شك أن السود أهل جهنم

ويمكن القول أن كلا الفهمين ــ الحسي والمعنوي ــ صحيح ومرادٌ في الآية، بمعنى أن المؤمن يوم القيامة فرح مستبشر ووجهه أبيض، وعلى الضد منه الكافر.

البحث الثاني: من هم الذين تسود وجوههم، ومن هم الذين تبيض وجوههم؟.

قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}، فمن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، بحيث كان عاقبتهم اسوداد وجوههم؟

وفي مقام الجواب ذُكر ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: الكفار الأصليين.

فإن قلت: الكافر الأصلي لم يكن مؤمنا، والآية تقول: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}؟

قلنا: إن الكافر وإن كان كافرا أصليا، إلا أن هناك نور الفطرة، الذي يشدهم الى الله تعالى، فهم كافرون بذلك النور، قال تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (سورة البقرة 257)، وفي آية أخرى يقول تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (الأَعراف: 172).

الصنف الثاني: أهل الكتاب، فهؤلاء بمقتضى إيمانهم بأنبيائهم ينبغي أن يكونوا آمنوا بالنبي الخاتم ’؛ لأن الأنبياء بشروا به، وأمروا باتباعه ’، ولكن بعد أن بعث النبي كفروا به ولم يتبعوه، وبقوا على دياناتهم المنسوخة والممسوخة.. قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (آل عمران: 70-71).

وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (المائدة: 68).

فهذه الآيات وغيرها لتؤكد الكفر بعد الإيمان والجحود بعد العلم…

الصنف الثالث: المرتدين والمنقلبين من هذه الأمة، قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: 144).

فهذه الآية صريحة بالإنقلاب على الأعقاب.. والإرتداد.. وقد قسموا المرتد فقهيا الى قسمين: ملي وفطري، ويمكن أن نظيف قسما ثالثاً هو الإرتداد المعنوي، بمعى أن الإنسان المسلم من الناحية الظاهرية يدعى مسلم، وقد يحافظ على الظواهر الإسلامية، إلا أنه منقلب ومرتد عن القيم الإسلامية، وأوضح مثال على ذلك من نصبوا العداء لأهل البيت، وقتلوهم وشردوهم ومع ذلك هم يدعون الإسلام، قال الشاعر:

جاؤوا برأسك يا بن بنت محمد *** مترملا بدمائه ترميلا

ويكبرون بأن قتلت وإنما *** قتلوا بك الصلوات والتهليلا

وهؤلاء محكومون بالكفر؛ لأنهم يخالفون صريح القرآن الذي يصرح بوجوب محبة ومودة أهل البيت ^.

روايات ذات صلة:

(1) قال الحسين بن عون: دخلت على السيد الحميري عائدا في علته التي مات فيها، فوجدته يساق به، ووجدت عنده جماعة من جيرانه وكانوا عثمانية، وكان السيد جميل الصورة رحيب الجبهة عريض ما بين السالفتين، فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد، ثم لم تزل تزيد وتنمي حتى طبقت وجهه ـ يعني اسودادا ـ فاغتم لذلك من حضره من الشيعة، فظهر من الناصبة سرور وشماتة، فلم يلبث بذلك إلا قليلا حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد بيضا وتنمي حتى أسفر وجهه وأشرق وافتر السيد ضاحكا وأنشأ يقول:

كذب الزاعمون: أن عليا *** لن ينجي محبه من هنات

قد وربي دخلت جنة عدن *** وعفى لي الإله عن سيئاتي

فأبشروا اليوم أولياء علي *** وتولوا علي حتى الممات

ثم من بعده تولوا بنيه *** واحدا بعد واحد بالصفات

ثم اتبع قوله هذا: أشهد أن لا إله إلا الله حقا حقا، وأشهد أن محمد رسول الله حقا حقا، وأشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا حقا، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم غمض عينيه لنفسه فكأنما كانت روحه ذبالة طفأت أو حصاة سقطت[2].

(2) عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله يبعث شيعتنا يوم القيامة على ما فيهم من ذنوب أو غيره مبيضة وجوههم، مستورة عوراتهم، آمنة روعتهم، قد سهلت لهم الموارد وذهبت عنهم الشدائد، يركبون نوقا من ياقوت فلا يزالون يدورون خلال الجنة، عليهم شرك من نور يتلألأ، توضع لهم الموائد فلا يزالون يطعمون والناس في الحساب، وهو قول الله تبارك وتعالى في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} (الأنبياء: 101-102)[3].

(3) عن جابر بن عبد الله، قال: (لما قدم علي ع على رسول الله ’ بفتح خيبر، قال له رسول الله ’: لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى للمسيح عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم قولا لا تمر بملاء إلا أخذوا التراب من تحت رجليك ومن فضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وإنك تبرئ، ذمتي وتقاتل على سنتي، وإنك غدا على الحوض خليفتي، وإنك أول من يرد علي الحوض، وإنك أول من يكسى معي، وإنك أول داخل الجنة من أمتي، وإن شيعتك على منابر من نور، مبيضة وجوههم حولي، أشفع لهم، يكونون غدا في الجنة جيراني، وإن حربك حربي، وسلمك سلمي، وإن سرك سري، وعلانيتك علانيتي، وإن سريرة صدرك كسريرتي، وإن ولدك ولدي، وإنك تنجز عداتي، وإن الحق معك، وإن الحق على لسانك وقلبك وبين عينيك، الايمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وإنه لن يرد علي الحوض مبغض لك، ولن يغيب عنه محب لك حتى يرد الحوض معك.

قال: فخر علي ع ساجدا، ثم قال: الحمد لله الذي أنعم علي بالاسلام، وعلمني القرآن، وحببني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين، إحسانا منه وفضلا منه علي. قال: فقال النبي ص: لولا أنت لم يعرف المؤمنون بعدي)[4].



[1] الكافي ج1ص443.

[2] الغدير للشيخ الأميني، ج2ص275.

[3] المحاسن للبرقي، ص178.

[4] امالي الصدوق، ص157.