في ظلال آية (9)

242

في ظلال آية (9)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، الحديد: 25.

تمحورت دعوات الأنبياء في طول تاريخ النبوات على ثلاثة محاور:

المحور الأول: التوحيد ونبذ عبادة غير الله.

المحور الثاني: الوعي.

المحور الثالث: إقامة حكم الله في الأرض.

وقبل الحديث عن هذه المحاور، نريد أن نبين هذه المقدمة: 

فيما يخص الحديث عن وظيفة الأنبياء هناك نوعان من الآيات، ففي بعض الآيات حديث عن وظيفة هذا النبي أو ذاك النبي، كقوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) الأعراف: 85، وكقوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) الأعراف: 80.

فآية شعيب تتحدث عن أن قومه الذين كانوا يطففون فجاءهم لمعالجة هذا المرض، وآية لوط تؤكد أنه جاء لمعالجة مرض الفاحشة الذي كانوا يعانون من.

في حين أن بعض الآيات تتحدث عن وظيفة الأنبياء بشكل عام، وليس الحديث عن وظيفة هذا النبي أو ذاك النبي… والآية محل البحث من النوع الثاني اي تتحدث عن وظيفة الأنبياء بشكل عام، لذلك قالت: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا)… فما هي الوظائف الرئيسية التي نهض بها الأنبياء؟

وجوابه: ما قلناه من أن دعوات الأنبياء تركزت على ثلاثة محاور:

المحور الأول: الدعوة الى التوحيد.

وهذا نلمحه في قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)، البينتات: هي الدلالات والعلامات التي تكشف لك الطريق وتوصلك الى الهدف، كإشارات المرور التي توضع على مفترق الطرق، ولقد جاء الأنبياء الى البشرية بالكثير من البينات التي توصلهم الى حقيقة التوحيد، بحيث لم تترك عذرا لمعتذر، ومن تلك البينات الكتب السماوية، والمعجزات الباهرات، والمحاججات والحوارات التي أداروها مع الخصوم.

 والدعوة الى التوحيد تعني التحرر والتخلص من عبادة الأصنام الحجرية والبشرية، وعبادة النفس الأمارة بالسوء، والهوى، والمال، والدنيا، وكل ما يبعد الإنسان عن انسانيته وفطرته التي فطره الله عليها… والشواهد القرآنية على تركيز هذا المبدأ من لدن جميع الأنبياء كثيرة، منها:

ـ قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) الأعراف: 59.

ـ وقوله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) الأعراف: 65.

ـ وقوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) الأعراف: 73.

ـ وقوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) الأعراف: 85.

ولا يخفى أن الشعار الرئيسي الذي رفعه الخاتم (ص) كان: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا.

المحور الثاني: الوعي.

وهذا نلمحه في قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ).

والكتاب: كناية عن العلم، فقد كان ـ كما قلنا ـ احد أهم الهموم التي حملها الأنبياء هي توعية الأمم، واخراجهم من ظلمات الجهل الى نور العلم، وقد سمى القرآن الكريم النبي الخاتم (ص) بالمعلم في جملة من النصوص، منها:

ـ قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) آل عمران: 164.

ـ وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) الجمعة: 2.

ويكفي أن نلتفت في هذا المجال الى أن أول من علم البشرية الكتابة هو النبي ادريس، ولك أن تقدر حجم هذا الإنجاز الذي حفظ للبشرية تراثها وراكم العلم، الأمر الذي نقل البشرية نقلة نوعية على صعيد العلم والمعرفة.

وعلى الضد من عمل الأنبياء كان الطغاة وحكام الظلم والجور يحاولون تجهيل الشعوب، ونشر التخلف، والفقر، فإن الجهل قرين الفقر حثما ذهب قال له خذني معك، والفرد إذا كان فارغا جاهلا كان سهل الإنقياد، في حين لو كان واعيا عارفا بما يدور حوله، فإنه يكون متمردا صعب الإنقياد، ولا تلتبس عليه الأمور، كما ورد عن أبي عبد الله الصادق (ع): العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس[1].        

المحور الثالث: إقامة حكم الله في الأرض.

وهذا نلمحه في قوله تعالى: (وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، والميزان رمز العدل، لتقوم حياة الناس على أساس القسط والتساوي قدر الإمكان ورفع مستوى الفقراء والمحرومين والمستضعفين الى المستوى الذي يعيشون فيه حياة كريمة، بعيدا عن العوز والحرمان، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بنظام كامل عادل يقوم على أساس شرع الله وقوانين الله التي حملها الأنبياء ودافعوا عنها وبذلوا من أجلها الكثير من الجهد والعرق والدم.

وبما أن الطغاة والظلمة يقفون على الضد من حركة الأنبياء لأنها تضر بمصالحهم وكراسيهم، لزم لذلك مواجهتم بكل الوسائل لإسقاطهم وتحكيم شريعة السماء، ولهذا جاء في ذيل الآية: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)، في ذلك إشارة الى السلاح الذي لابد منه في المعركة مع الباطل، والحديد قديما وحديثا هو المعدن الرئيسي في صنع السلاح.. سواء أكان سيفا أم مدفعا.. ومع هذا البأس توجد منافع كبيرة وكثيرة فيه، وأنت تلاحظ أن المكائن والآلات والمصانع والسيارات ووو كلها تصنع من الحديد..

ثم قالت الآية: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ)، أي بما أن المواجهة مع الظلم والطغيان لابد منها لإزالة الكراسي التي تقف في وجه هداية الناس، فهي بحاجة الى البذل والتضحية، وحتى بعد إقامة ذلك الحكم فإنه يبقى بحاجة الى الحصانة والحماية لئلا يزول وتعود البشرية الى دوامة الظلم والجهل، وذلك أيضا بحاجة الى البذل، فهذه المواجهة التي لا تتوقف عند حد سوف تكون مختبر أمام جبهة الإيمان في كل عصر وجيل، فمن يحمل الإيمان حقيقة سوف يندفع لبذل كل غال ونفيس من أجل أن تشق الدعوة طريقها…

وأما من ليس له حظ من الإيمان إلا الإسم، ولم ينزل الإيمان الى أعماقه فيترجم بالحب لله ولرسوله وللدعوة، فإن الله غني عنه وعن عطائه وبذله (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)…

وهذه المهام التي ينهض بها النبي، تفرض في النبي أن يتوفر على ثلاث صفات:

(1) العلم؛ لأنه مطلوب منه نشر الوعي وفاقد الشيء لا يعطيه، ومن هنا نسمع القرآن الكريم يصف النبي ’ بالمعلم، في أكثر من مورد منها: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} آل عمران: 164.  

(2) والشجاعة؛ لأن المواجهة مع الكفر والشرك لها مراتب متعددة، وإحدى مراتبها المواجهة المسلحة والصدام العسكري الذي يقتضي الشجاعة والثبات.

(3) ومعرفة طبيعة المجتمع الذي يؤدي فيه رسالته، حتى يستطيع التعامل معه بالطريقة المناسبة.

والتوسع في هذه الصفات يتطلب كلاما يضيق المقام بذكره نؤجله الى مناسبة أخرى.

روايات ذات صلة:

في تفسير علي بن ابراهيم: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ)، قال: الميزان الإمام[2]، وقال الطباطبائي الميزان هو الدين[3].

أقول: ولا ضير، ولافرق في هذه المعاني، فإن الدين الحق يؤخذ من النبي (ص) والإمام الحق (ع)، وقد قرأنا في زيارة أمير المؤمنين (ع): (السلام على يعسوب الإيمان، وميزان الأعمال..)[4].   

 



[1] الكافي، ج1ص27.

[2] تفسير القمي، ص352.

[3] الميزان، ج3ص10.

[4] مستدرك الوسائل، ج10ص222.