في ظلال الآيات (12)

228

في ظلال الآيات (12)

{وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} (الفجر: 1-8).

سورة الفجر من السور التي افتتحت بالقسم، فهناك مجموعة من السور التي افتتحت بالأيمان، وقد أقسم الله تبارك وتعالى بجملة من مخلوقاته، كالعصر والشمس والقمر والنجوم… الخ.

وعندما يقسم الله تبارك وتعالى بشيء، فهذا يدلنا على عظمة ذلك الشيء؛ لأن القسم عادة يكون بالمعاني العالية والذوات المقدسة.

وفي هذه السورة اقسم الله تعالى بخمسة أشياء، أولها الفجر وآخرها الليل، وسنقف عند معانيها والمراد منها واحدا واحدا… 

قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ}، اختلف المفسرون في تفسير معنى الفجر الى عدة آراء:

الرأي الأول: المتبادر من هذه اللفظة، وهو أول النهار، والفجر فجران: صادق وكاذب، وتترتب عليه جملة من الأحكام الشرعية، منها: أنه أول وقت صلاة الفجر، وآخر وقت الإمساك للصوم، والحد الفاصل بين الليل والنهار، ولهذا وقع الكلام بين الفقهاء أنك إذا استأجرت عامل على أن يبدأ العمل من أول اليوم، فهل بدايته طلوع الفجر أم طلوع الشمس؟ …

والساعة التي تلي الفجر ـ التي هي بين الطلوعين ـ تسمى ساعة الغفلة؛ لأن أغلب الناس فيها نيام، وهناك ساعة أخرى تسمى ساعة الغفلة، هي قبل الغروب، ويستحب في هاتين الساعتين ذكر الله والتسبيح.

وقال تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} (ق 39).

قال تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} (طه: 130).

الرأي الثاني: أن المراد بالفجر مطلق النور لا الفجر فحسب، والنور له حاكمية على الظلام؛ لأنهما إذا اجتمعا يتلاشى الظلام ويظهر النور، فهو اشرف من هذه الناحية، ولهذا سمى الله تعالى نفسه بالنور، كما في قوله تعالى: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (النور:35)، وسمى تعالى الدين بالنور، قال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (التغابن:8).

الرأي الثالث: المراد بالفجر رسول الله ’، والمعنى أن الفترة التي بعث فيها رسول الله ’ كانت فترة ظلم وظلام، فجاء نور النبي ’ لتبديد ذلك الظلام، وتغيير مسار التاريخ البشري نحو الإستقامة والهدى، وقد سمى الله تبارك وتعالى نبيه الكريم بالسراج المنير، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب:45-46).

الرأي الرابع: النور هو الإمام المهدي #، وهذا كسابقه؛ لأن الإمام × يظهر بعد أن تعود البشرية الى القهقرى، وتمتلئ الأرض ظلما وجورا، فيملاؤها قسطا وعدلا، ويبعث نور الإسلام من جديد، وقد سمت جملة من الروايات الإمام المهدي × بالشمس التي جللها السحاب…

ويمكن القول بأن كل إمام معصوم هو نور يبدد ظلام الفترة التي يعيش فيها، وليس الأمر يقتصر على الإمام المهدي #.

قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، وهنا أيضا فسرت الليالي العشر بثلاث تفسيرات:

التفسير الأول: أنها عشرة موسى، ويبدو أنها العشرة الأولى من ذي الحجة نفسها، ويؤيده، أن هناك صلاة مسنونة في ليالي هذه العشرة، وهي عبارة عن ركعتين يقرأ فيها الحمد والتوحيد، وقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (الأَعراف:142).

وقد قيل: أن من صلاها شارك الحجاج في ثوابهم.

التفسير الثاني: أنها العشرة الأواخر من شهر رمضان، وأهمية هذه العشرة تكمن في أن فيها ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن، وكان رسول الله ’ يطوي فراشه فيها ويتفرغ للعبادة والإعتكاف.

التفسير الثالث: أنها العشرة الأولى من المحرم، (عشرة الحسين) التي تتجدد فيها أحزان آل محمد، وهذا الرأي بلحاظ ما ورد عن أبي عبد الله ×: اقرءوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم ، فإنها سورة الحسين بن علي، و ارغبوا فيها رحمكم الله، فقال له أبو أسامة و كان حاضرا المجلس: كيف صارت هذه السورة للحسين × خاصة؟

فقال: ألا تسمع إلى قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر: 27-30)؟ إنما يعني الحسين بن علي ×، فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية، وأصحابه من آل محمد (صلوات الله عليهم)، الراضون عن الله يوم القيامة وهو راض عنهم، وهذه السورة نزلت في الحسين بن علي ‘ وشيعته، وشيعة آل محمد خاصة، من أدمن قراءة الفجر كان مع الحسين × في درجته في الجنة، إن الله عزيز حكيم[1].

ونلاحظ في هذه الرواية أمرين:

الأول: إنها وسمت سورة الفجر بسورة الحسين.

الثاني: أنها تصرح بأن المقصود بالنفس المطمئنة هو الحسين ×.

فالسورة مرتبطة ارتباطا كبيرا بالإمام الحسين × ولها انطباق عالي على مقارعة الطغاة والظالمين الذين استعرضتهم السورة…

قوله تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}، الوتر هو الشيء المنفرد، والشفع هو الشيء المنضم الى غيره، ولذلك يسمى الشفيعُ شفيعا؛ لأنه بانضمام شفاعته للمشفوع له يتوصل الى الغاية والفوز.. هذا من حيث اللغة، وفي تفسيره أقوال:

الأول: الخالق والمخلوق، فالخالق هو الوتر؛ لأنه واحد أحد، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى:11)، والمخلوق مشفوع، أما لأنه له أشباه ونظائر، أو لأنه له زوج من جنسه، فإن كان ذكر قابله الأنثى، وإن كان أنثى قابله الذكر، قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات:49)، قال ابن كثير: أَيْ: جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ أَزْوَاجٌ: سَمَاءٌ وَأَرْضٌ، وَلَيْلٌ وَنَهَارٌ، وَشَمْسٌ وَقَمَرٌ، وَبَرٌّ وَبَحْرٌ، وَضِيَاءٌ وَظَلَامٌ، وَإِيمَانٌ وَكُفْرٌ، وَمَوْتٌ وَحَيَاةٌ، وَشَقَاءٌ وَسَعَادَةٌ، وَجَنَّةٌ وَنَارٌ، حَتَّى الْحَيَوَانَاتُ، جِنٌّ وَإِنْسٌ، ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، وَالنَّبَاتَاتُ، وَلِهَذَا قَالَ: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أَيْ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْخَالِقَ واحدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ[2].

الثاني: أن الوتر علي × والشفع الحسن والحسين ×؛ لأن عليا × ليس له مثيل يدانيه في كراماته ومقاماته وفضائله، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وسبطا رسول الله، ولا يساويهما في موقعهما من النبوة والإمامة أحد.

الثالث: المقصود الشفع والوتر من صلاة الليل، والقسم بهما لأهميتها، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (الإسراء:79)، وقال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} (المزمل:6).

قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}، الليل من آيات الإبداع والخلق، ففيه السبات بعد يوم طويل من العمل والجهد، وفيه يسكن الأزواج الى أزواجهم، وفيه يأوي العلماء الى كتبهم ويأنسون بمسائلهم، ويأوي العباد إالى محاريبهم، ففي الخبر عن أبي عبد الله الصادق ×: (كان فيما ناجى الله عز وجل به موسى بن عمران × أنه قال له: يا ابن عمران، كذب من زعم انه يحبني فاذا جنَّ الليل نام عني اليس كل محب يحب خلوة حبيبه؟ ها أنذا يا ابن عمران مطلع على أحبائي اذا جنهم الليل حولت أبصارهم من قلوبهم، ومثلت عقوبتي بين أعينهم، يخاطبوني عن المشاهدة ويكلموني عن الحضور، يا ابن عمران هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع في ظلم الليل، وادعني فانك تجدني قريباً مجيباً)[3].

هذا بالإضافة إلى أن الليل، لا يخلو من استغلال القائمين بالممارسات السلبية، كالسرقات وحوادث السطو وجرائم القتل وغيرها، فهذه في الغالب تقع في الليل، ولهذا نسمع في سورة الفلق اٌستعاذة من دخول الليل، قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} (الفلق:1-3)، بناءً على تفسير الغسق بالليل.

قوله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}، الحجر: هو العقل، سمي بذلك لأنه يحجر على الإنسان، فالإنسان العاقل غير منفلت، عقله ولبه يفرض عليه قيود وحدود، فأفعاله وأقواله لا تحرج عن حدود العقلاء.

والمعنى المراد: هل في هذه الأشياء الخمسة التي أقسمنا بها ـ الفجر، الليالي العشر، الشفع والوتر، والليل ـ كفاية لذوي العقول والألباب…

مع الأخذ بنظر الإعتبار أن الباري جل وعلا ليس بحاجة الى القسم لإثبات شيء، وإنما يقوم القاضي بطلب القسم من الشهود حتى يتأكد ويتثبت من صدقهم وعدم كذبهم، والله تعالى منزه عن الكذب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما يقسم بمخلوقاته لبان أهميتها…

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}.

جواب القسم، وقد جاء بصيغة السؤال.

عاد: هم قوم النبي هود، قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (الأَعراف:65). وقد فصّل القرآن قصته مع قومه في مواضع أخرى.

إرم: قيل هو إسم جدهم، وقيل: هو إسم مدينتهم؛ التي بنوها على الأعمدة، لتجري من تحتها الأنهار، كما قالت الآية: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ}، التي بنيت بطريقة عجيبة، فقد قيل أن هؤلاء القوم كان لهم ملك يطيعوه، فأمرهم بجمع الكثير من الحطب وإضرام النار فيها، ثم قال: هذه ناري، وأمر المهندسين بأن يبنوا له مدينة على الأعمدة تجري من تحتها الأنهار ليقول هذه جنتي، كما وصفها النص الكريم بقوله تعالى: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}، ولكن المفارقة التي حصلت، أنه بعد أن أخبره المهندسون بكمال المدينة، وفي طريقه إليها جاءتها ريح عاصف فأقتلعتها وأهلكته وجنوده، كما نسمع في الآيات التالية، بعد استعراض لأسماء عدد من الطغاة، قال تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} الفجر: 9ـ14.

وهذه هي النهاية الحتمية لكل الطغاة وإن عمّروا، وإن لم ينلهم ذلك في الحياة ولم تطلهم يد القدرة الإلهيه إمهالا لهم، فأمامهم مشهد يوم عظيم، ويوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم…   

   

 

 

 

 



[1] انظر: تأويل ايات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، السيد شرف الدين علي الحسيني الإسترابادي، ص796.

[2] تفسير ابن كثير، ج7ص424.

[3] وسائل الشيعة: ج7ص78.