في ظلال الآيات (14)

305

في ظلال الآيات (14)

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة:217).

في هذه الآية الكريمة عدة مطالب:

المطلب الأول: حول ظاهرة السؤال في عهد النبي ’.

المطلب الثاني: حول تاريخ الأشهر الحرم.

المطلب الثالث: في سبب النزول.

المطلب الرابع: أضواء على النص.

المطلب الخامس: كلام في معنى الفتنة. 

وسنعرض لها تباعا انشاء الله.

المطلب الأول: حول ظاهرة السؤال في عهد النبي ’.

كثر في عهد رسول الله ’ السؤال والإستفسار عن المسائل الدينية والأحكام الشرعية، حتى صار هذا الأمر من ظواهر ذلك المجتمع، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الأمة الإسلامية كانت في طور النمو، وكانت تبحث عن العلم والمعرفة، وهي من الظواهر الصحيّة، وقد سجل القرآن الكريم هذه الظاهرة، كما دون الكثير من المسائل التي كان يسئل عنها رسول الله ’ وكذا دون اجوبتها..

والملاحظ أن اغلب الأسئلة التي سجلها القرآن كانت في سورة البقرة، وهي أول سورة نزلت بعد الهجرة، وتسمى سنام القرآن، والسنام هو القمة، مأخوذ من سنام الجمل، وسميت بذلك لأن جل التشريعات ذكرت فيها، حيث أن المسلمين كانوا في مكة مضطهدين، والسلطة بيد كبراء قريش، أما في المدينة فقد أصبح زمام الأمر بيد رسول الله ’، وهنا تفرغ المسلمون لبناء الدولة والمجتمع فكانوا متعطشين لمعرفة الحقائق الدينية، فبرزت ظاهرة السؤال، ومن جملة ذلك:

ـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (البقرة:189).

ـ {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (البقرة:215).

ـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (البقرة:219).

ـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} (البقرة:220).

ـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} (البقرة:222).

ـ {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} (المائدة:4).

ـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الأَعراف:187).

ـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} (الأَنْفال:1).

ـ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء:85).

ـ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} (الكهف: 83).

ـ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} (طه:105).

ـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} (النازعات:42-43).

ويندرج في هذا المعنى قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186).

وكما هو واضح فإنها أسئلة متنوعة عقائدية وفقهية وكونية واجتماعية وتاريخية… الخ

المطلب الثاني: حول تاريخ الأشهر الحرم.

كان العرب في الجاهية قبل الإسلام يحرمون القتال في أربعة أشهر سميت بالأشهر الحرم، واحد منها فرد وهو رجب، وثلاثة سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وكان من دواعي تشريع هذا الأمر أنهم كانت تكثر فيما بينهم الحروب والغزوات والثارات، فشرعنوا هذا الأمر لتأمن الطرق ويصل الناس الى البيت الحرام للزيارة، وبنفس الوقت لتزدهر اسواقهم في هذه الأشهر، فلما جاء الإسلام أقر هذا الأمر ولم ينقضه… وهذا البحث يجرنا الى جملة من الأشياء التي كان العرب يفعلونها وأقرها الإسلام:

منها: أن جميع المحرمات من النساء التي كانوا يحرمونها حرمها الإسلام، باستثناء الجمع بين الأختين ونكاح زوجة الأب، فقد اضافهما الإسلام للمحرمات… وهذا بخلاف المحيط الذي كان يحيط بجزيرة العرب، حيث كانوا ينكحون حتى الأمهات والأخوات.

ومنها: أن دية المقتول مئة من الإبل وهذا مما سنه عبد المطلب.

ومنها: أن من وجد كنزا فعليه خمسه للفقراء، وهذا مما سنه ابو طالب.

ومنها: أن العربي كان يغتسل من الجنابة؛ على أن الماء كان عزيزا في شبه الجزيرة العربية…

ومنها: حلف الفضول الذي كان يأخذ للضعيف حقه من القوي…

وغير ذلك كثير…

والخلاصة أن المجتمع العربي كان فيه جملة من الفضائل والمكارم التي تميز بها عن سائر المجتمعات، ولهذا نسمع في الحديث عن النبي ’: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)([1])، والتتميم يدل على الوجود مع النققصان، فجاء النبي ’ متمما.

ومنه نفهم أن وجود هذه المكارم كانت أحد الأسباب والدواعي التي رشحت المنطقة العربية لاستقبال الشريعة الخاتمة والنبي الخاتم ’.        

المطلب الثالث: حول سبب النزول.

سبب نزول هذه الآية أن رسول الله ’ وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمة النبي ’ في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه إلى المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير، وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال له: >سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك<، فسار عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فسر على بركة الله بمن معك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة Kفترصد بها عير قريش لعلك تأتينا منها بخبر، فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه ذلك، وقال: إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع، ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كان بمعدن فوق الفرع بموضع من الحجاز يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه، فتخلفا في طلبه ومضى ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف.

فبينما هم كذلك إذ مرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم، فقال عبد الله بن جحش، إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة ، ثم أشرفوا عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرون أنه من جمادى وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا: لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن منكم فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين، وهو أول قتيل في الهجرة وأدى النبي ’ دية ابن الحضرمي إلى ورثته من قريش.

قال مجاهد وغيره: لأنه كان بين رسول الله ’ وبين قريش عهد وادع أهل مكة سنتين أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، واستأسر الحكم وعثمان فكانا أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ’ بالمدينة فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، فسفك فيه الدماء وأخذ الحرائب وعيّر بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين، وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه

وبلغ رسول الله ’ فقال لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك فعظم ذلك على أصحاب السرية، وظنوا أنهم قد هلكوا وسقط في أيديهم، وقالوا: يا رسول الله إنا قد قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى؟ وأكثر الناس في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فأخذ رسول الله ’ العير فعزل منها الخمس، فكان أول خمس في الإسلام وقسم الباقي بين أصحاب السرية، وكان أول غنيمة في الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم، فقال بل نقفهم حتى يقدم سعد وعقبة وإن لم يقدما قتلناهما بهما فلما قدما فاداهما، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله ’ بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله، فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية فهذا سبب نزول هذه الآية.

المطلب الرابع: أضواء على النص.

قوله تعالى:  {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} يعني رجبا سمي بذلك لتحريم القتال فيه {قِتَالٍ فِيهِ} أي عن القتال هل يحل فيه؟، {قُلْ} يا محمد {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي فيه إثم عظيم… {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ} أي أنكم فعلتم أربعة أشياء هي أعظم من هذا الذي فعله المسلمون خطأ، وهي:

ـ الصد عن سبيل الله.

ـ والكفر به، والعياذ بالله.

ـ والكفر بالمسجد الحرام.

ـ وإخراج أهله.

كل هذه الأمور التي فعلتوها بالمسلمين {أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ} وأعظم وزرا عند الله، {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} أي الشرك الذي أنتم عليه، أكبر من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله ’ من مكة، ومنعهم المسلمين عن البيت الحرام…

المطلب الخامس: كلام في معنى الفتنة.

الفتنة في اللغة هي تخليص الشيء من الشوائب، يقال فتنت الذهب والفضة، أي ذوبتهما بالنار ليتميز أحدهما من الآخر، واستعمل في الإختبار والإبتلاء، ومنه قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت:2).

وقد تأتي بمعنى الجنون، فيقال لمن يبتلى بحب امرأة إنه مفتون بحبها أو مجنون بحبه، ومنه قوله تعالى: {بأيِّكُمُ المَفْتُون}، فالمفتون بمعنى المجنون.

ومن معانيها الصد عن السبيل والرد: كما في قوله تعالى {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك} (المائدة: 49). قال القرطبي: معناه: يصدوك ويردوك.

وهناك معاني أخرى كثيرة لسنا هنا بصدد بيانها، وما نريد بيانه هنا ثلاث معاني للفتنة تهم البحث وفيها ثمرة:

(1) اذا تصارع الحق مع الباطل، ولم تعرف من هو الحق لتنصره والباطل لتخذله، فلا يجوز لك الدخول في هذا الصراع، ولهذا يقول الإمام أمير المؤمنين، على ما في نهج البلاغة: (إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا وَأَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وَأَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا وَايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا وَتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَتَمْنَعُ دَرَّهَا..)([2]).

وفي ذات الخطبة نسمعه × يقول: (فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَاشْتَدَّ كَلَبُهَ). 

(2) إذا تصارع الباطل مع الباطل، فلا يجوز الدخول في هكذا صراع، لأنك أي الطرفين تنصر تكون قد نصرت الباطل… ومن هنا أيضا نسمع أمير المؤمنين × يقول: (كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ)[3].

(3) المعنى الثالث: هو إخراج الناس من دينهم، وهذا هو المعنى المراد في الآية محل البحث، يعني أيها المشركون، إن اتعذيبكم للمؤمنين وإحراجهم من دينهم بالقوة لهو أكبر وأعظم إثما ووزرا مما فعله المسلمون في هذه الحادثة الجزئية، والتي وقعت اشتباها.

فالشهر الحرام باق على حرمته ولا تؤثر فيه هذه الحادثة الجزئية، ولا يجوز انتهاكه وتجاوز حدود الله فيه، وبقي هذا الحكم ساري المفعول فلم ينسخ أو يتبدل، ولكن تجد أن السلطات التي تعاقبة على حكم المسلمين، هدمت الإسلام حجرا حجرا، كما قال الشاعر:

قتلوا الحرام من الأئمة  *** في الحرام من الشهور

يعني بذلك الإمام أبي عبد الله الحسين ×.

وعن الرضا ×: (إن المحرّم شهر كان أهل الجاهلية، يحرّمون فيه القتال.. فاستُحلت فيه دماؤنا، وهتُكت فيه حرمتنا، وسُبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأُضرمت النيران في مضاربنا، واُنتهب ما فيها من ثقلنا، ولم تُرع لرسول الله حرمة في أمرنا.. إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كربٍ وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء.. فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام…)[4].   

  

 

 

 

 

 

 

 

 



[1])) السنن الكبرى للبيهقي، ج10ص192.

[2])) نهج البلاغة ج1ص183.

[3] ابن اللّبون: ابن الناقة الذكر إذا استكمل السنّة الثانية و دخل في الثالثة، و هو لا يكون قد كمل و قوي ظهره على أن يركب، و ليس بأنثى ذات ضرع فتحلب و هو مطّرح لا ينتفع به.. .وأيّام الفتنة هي أيّام الخصومة و الحرب بين رئيسين ضالّين يدعوان كلاهما إلى ضلالة كفتنة عبد الملك و ابن الزبير، و فتنة الحجّاج و ابن الأشعث و نحو ذلك، فأمّا إذا كان أحدهما صاحب حقّ فليست أيّام فتنة كالجمل و صفّين و نحوهما بل يجب الجهاد مع صاحب الحقّ ببذل المال و النفس .

[4] أمالي الصدوق، ص128.