في ظلال الآيات (16)

168

في ظلال الآيات (16)

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} (الأحزاب:30-31).

قبل الدخول في مضامين الآية لابد من مقدمة، فنقول:

من حيث المبدأ وفي الحالات الإعتيادية إذا صدر من الإنسان سيئة فإنه يجزى بمثلها، والمفروض كذلك في طرف الحسنة، إلا أن الكرم والجود الإلهي، ولأجل التشجيع على عمل الصالحات، جعل الحسنة بعشرة، قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الأَنعام:160)، وقال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (القصص:84).

ولكن بالرغم من التأكيد على أن من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، إلا أنه في بعض الحالات يتضاعف جزاء السيئة أيضاً فيما لو كان لها تداعيات وآثار خطيرة تتعدى الفاعل الى غيره، ومن مصاديق ذلك:

أولا: فيما لو عمل الإنسان عملاً سيئاً واتُخذ من بعده سنة يعمل بها الآخرون، والى هذا المعنى يشير الحديث الوارد عن النبي ’: (من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سنّ سنّة سيّئة ، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)([1]).

ثانيا: فيما لو ترك الإنسان أثراً سيئاً مستمرا، فإنه كما أن الأثر الحسن يستمر عليه الجزاء، كالحساب المفتوح لو صح التعبير[2]، كذلك في طرف السلب لو أن الإنسان ترك أثرا سيئا، كمن ـ مثلا ـ فتح دارا للبغاء يضل بها الشباب، أو فتح محلا لبيع الخمور، فإن هذه الأمور لها آثار وتداعيات اجتماعية..

ثالثا: فيما لو أن الإنسان كان داعية للإنحراف والإلحاد والتحلل… سواء أكان عن طريق الخطابة أو الكتابة أو وسائل التواصل الإجتماعي وغيرها… الأمر الذي له انعكاسا سلبياً على المجتمع بشكل عام…

رابعا: النسب الشريف أيضا يحمّل الفرد مسؤولية مضاعفة، لأنه يكون في موقع الأسوة والقدوة، فتتضاعف حسناته وسيئاته، فقد روى محمد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن عليّ بن عبد اللَّه بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام، أنّه قال له رجل: إنّكم أهل بيت مغفور لكم.

قال: فغضب، وقال: (نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى اللَّه في أزواج النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم، من أن نكون كما تقول، إنّا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر، ولمسيئنا ضعفين من العذاب، ثمّ قرأ الآيتين)[3].

ومثله روى أبو حمزة الثمالي، عن زيد بن علي × أنه قال: إني لأرجو للمحسن منا أجرين وأخاف على المسيء منا أن يضاعف له العذاب ضعفين كما وعد أزواج النبي ’[4].

خامسا: ومن جملة ذلك فيما لو كان الإنسان له موقع اجتماعي مرموق، والأنظار متوجهة إليه ترقب تصرفاته بدقة، وهذا له مصاديق كثيرة منها:

(1) الفقيه مثلا، فإن الناس لا يتحملون أن يروه في المقهى يحتسي الشاي، فكيف لو رأوه على المعاصي؟ إن ذلك مما لاشك في أنه سوف يجرئهم على المعاصي، ولهذا ورد عن أمير المؤمنين ×: (قصم ظهري اثنان: عالم متهتك وجاهل متنسك، فالجاهل يغش الناس بتنسكه، والعالم يغرهم بتهتكه)([5])، وورد أيضا: (العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج وعالم تارك لعلمه فهذا هالك، وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه)([6])، ولأهمية هذا الموقع فإن المرتبطين بالعالم، أيضا لهم تأثير على المجتمع، كالولد والزوجة[7].   

(2) وكذلك رئيس الدولة، كما قيل في الحكمة: (الناس على دين ملوكهم)، وورد عنه ’ أنه لما بعث برسالة الى قيصر جاء فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك أثم الأريسيين)([8])، يعني لأنك سوف تكون عقبة في طريق هداية الناس.

(3) ولعله يندرج تحت هذا العنوان رئيس القبيلة، وورب العمل، ومدير الدائرة، وغير ذلك كثير، والأستاذ في حلقة الدرس.

(4) ومن جملة ذلك ما ذكرته الآية، فزوجات النبي ’، لهن موقع اجتماعي مرموق جاء نتيجة لارتباطهن بالنبي ’، ولهذا السبب قالت الأية: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} (الأحزاب: 32)، واختصهن التشريع بعدة أحكام، منها:

(أ) سماهن الكتاب العزيز أمهات المؤمنين في قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب: 6).

(ب) حرّم زواجهن بعد النبي ’ كنتيجة للأمومة المعنوية المزبورة في (أ)، وقد جاء ذلك صريحا في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا} (الأحزاب:53).

(جـ) المنع من الخروج من البيت، قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (الأحزاب:33).

(د) عدم تكليم الغير إلا من وراء حجاب، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (الأحزاب:53).

أضواء على الآية محل البحث:

وبعد هذه المقدمة يتبين لنا لمَ جعل الله تعالى ثوابهن وعقابهن مضاعفا في قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}؛ لأن الله تعالى يريد أن يحفظ مقام ومكانة النبي ’، من أي لوثة وشائبة، وهذا لا يتم إلا باستقامتهن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن زوجات النبي يتبوأن موقع القدوة للمؤمنات، لماذا؟ لأن البيت الذي يحللن فيه هو مهبط الوحي ومبعث النور، ولهذا يذكرهن الله تعالى بقوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} الأحزاب: 34.

ومما يترتب على ذك أن الأحكام الشرعية يجب أن يبدأ تطبيقها من هذا البيت، ولهذا نسمع أن الله تعالى يأمر النبي ’ بتبليغ الأحكام أولا لأزواجه ثم بناته ثم سائر المؤمنات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} الأحزاب: 59.

والفاحشة في قوله تعالى: {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} يراد منها كل فعل قبيح غير مرضي لله تعالى، لا خصوص فعل معين كما قد يتبادر من اللفظة.

قوله تعالى: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا}، أي ليس من العسير على الله تعالى أن يضاعف عذابكن، والعلقة بالرسول لا تنفع من غير تقوى وعمل نابع من ذات الفرد، ولو كانت العلقة تنفع من دون استقامة لنفعت أبا لهب، وإبن نوح، وقد ذكر الله تعالى في القرآن مثلين من زوجات الأنبياء كانت نتيجتهن النار، قال تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} (التحريم:10).

وينبغي الإلتفات هنا إلى أن الخيانة المذكورة هنا هي الخيانة للرسالة، وليست في العرض والعياذ بالله، فإن عرض الأنبياء منزه عن هكذا نقائص مخلة بكرامة النبي وموقعه… وهذا البحث له مجال آخر..

قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}.

القنوت: هو الخضوع والطاعة، وقيل: هو ملازمة الطاعة، وهو أحد سمات المرأة الصالحة، قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ} (النساء:34). 

والمعنى: ان اللواتي يطعن الله ورسوله منكن سيحصلن على ميزتين:

الأولى: {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}، وطبعا هذا بغض النظر عن القاعدة الأساسية التي تنص على أن: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} يعني: (عشرة ضرب الضعف) يكون الناتج عشرين، وليس كسائر الناس.

الثانية: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا}، معنى اعتدنا أعددنا، وأبدل من احدى الدالين تاء[9]؛ لأن العرب يكرهون توالي الأمثال في الألفاظ.

والرزق الكريم فيه أقوال:

الأول: الجنة.

الثاني: وقيل: إن الرزق الكريم ما سلم من كل آفة.

الثالث: وقيل: أنه مرافقة النبي ’، فإنهن في منازل رسول الله ’ في أعلى عليين فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش[10].

وقال الفخر الرازي: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} وصف رزق الآخرة بكونه كريماً، مع أن الكريم لا يكون إلا وصفاً للرزاق إشارة إلى معنى لطيف، وهو:  

(1) أن الرزق في الدنيا مقدّر على أيدي الناس، التاجر يسترزق من السوقة، والمعاملين والصناع من المستعملين، والملوك من الرعية والرعية منهم، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه، وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار.

وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه، فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرزاق، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق[11].

(2) ويمكن أن نضيف لما قاله الخر الرازي: ان الرزق الدنيوي مصحوب بالمنغصات، فهو أولا: لا يأتي إلا من تعب وكد وكدح، وثانيا: قد يكون في تناوله منغصات أيضا، كما لو كان فاسدا أو تالفا أو مسموما، وبالتالي يكون مصحوبا بالألم والمرض…

أما نعيم الجنة فخلو من ذلك كله.. والحمد لله أولا وآخرا.

 

 

 



[1])) هداية الأمة الى احكام الأئمة للحر العاملي، ج5ص579.

[2] كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوله.

[3] زبدة التفاسير فتح الله الكاشاني، ج5ص369.

[4] تفسير ابي حمزة الثمالي، ص226.

[5])) بحار الأنوار، ج2ص111.

[6])) الكافي، ج1ص44.

[7] ذكر النعماني في سنوات المحنة وأيام الحصار: أن تاجرا من أهل بغداد زار السيد الشهيد في منزله، وكانت مع ذلك التاجر زوجته، فدخلت لبيت العائلة، فلما رأت العلوية (ام جعفر) ظنت أنها خادمة؛ لأن ثيابها كانت متواضعة، فقالت لها أين العلوية، قالت سترينها انشاء الله… ولما انتهت الزيارة دخل السيد الشهيد الى بيت العائلة فرأى (ام جعفر) منزعجة، فسألها فحدثته بما جرى، فقال (قدس سره): حقا أنت لست سيدة، فإن السيدة من تصدقت بثوب زفافها ليلة عرسها وزفت بثوبها القديم.  

[8])) مكاتيب الرسول للميانبجي، ج2ص390.

[9] تبيان الطوسي، ج8ص338.

[10] تفسير ابن كثير، ج3ص490.

[11] تفسير الفخر الرازي، ج25ص208.