في ظلال الآيات (17)

191

في ظلال الآيات (17)

{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (النساء:138-139).

في هذا النص الشريف ثلاث نقاط:

الأولى: حول معنى النفاق.

الثانية: كلام في معنى الولاية.. ووجوب تولي المؤمنين ويتفرع عليه حرمة تولي الكافرين.

الثالثة: حول العزة.

وسنعرض لها على التوالي، ولكن قبل ذلك نريد أن نشير بعجالة الى معنى البشارة بالعذاب.

قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.

الخطاب موجه في لرسول الله ’، أي بشر يا محمد المنافقين.

البشارة: عادة ما تكون بالأمور الجميلة والمفرحة؛ لأنها تسبب الإبتهاج بخبر مفرح، مثلا كأن تقول لزميلك في الدراسة: أبشرك رأيت نتيجتك وأنت ناجح بتفوق… وهذا الخبر سيسبب له الإبتهاج… أو تقول لرفيقك في العمل: أبشر فقد ربحت تجارتنا.

أما البشارة بالأمور السيئة والمكروهة فإن فيه نوع استهجان، وتهكم، كما لو استشارك شخص بالدخول في صفقة تجارية، فنصحته بعدم الدخول وأنها صفقة خاسرة، ولكنه أصرّ ولم يأخذ بمشورتك ودخل فيها، ثم بعد حين علمت أن صفقته خسرت ولم يعلم.. فقد تذهب إليه وتقول له متهكما: أبشرك لقد خسرت صفقتك.. فأنت بهذا الخبر تريد أن تقول له بلسان الحال: لقد نصحتك بعدم الدخول في هذه الصفقة ولكنك ركبت رأسك فكانت هذه النتيجة…

ومثل أن تنصح زميلك بالمثابرة والمطالعة وعدم تضييع الوقت لأجل الخروج بنتيجة مشرفة، ولكنه كان يضيع وقته على التافهات، ودخل الإمتحان وهو غير متهيئ، فعندما ترى نتيجته الإخفاق فتذهب فتقول له: أبشرك أنت راسب بالإمتحان، فإنك تريد الازدراء به والاستهجان بنتيجته.. تريد أن تقول له لقد نصحتك كثيرا، ولكنك لا تحب الناصحين.

عود على بدء قلنا: إن في الآية ثلاث نقاط.

النقطة الأولى: المنافقون، جمع مفردها منافق، والنفاق: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر أو الشرك، وهو مأخوذ من النفق، أو النافقاء، وهو (سرداب) أو جحر تحت الأرض يصنعه الضب ليستتر فيه، ويجعل له طريقين، فإذا داهمه العدو من طريق خرج من الطريق الآخر.. وقد استعير هذا المعنى في القرآن الكريم، وأطلق على الإنسان ذي اللسانين وذي الوجهين، الذي يلقاك بالبشر والكلام الجميل ويضمر لك الكره ويقضمك بغيابك، وهو من الأمراض الخلقية الذميمة والخطرة، وقيل هو أخطر من الكفر؛ لأن الكافر واضح، أما المنافق فمن الصعب اكتشافه.. وفي ذمه وردت عدة من الأحاديث، منها عن النبي ’: يجئ يوم القيامة ذو الوجهين دالعاً لسانه في قفاه، وآخر من قدامه يلتهبان نارا حتى يلهبا جسده، ثم يقال: هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين ولسانين يعرف بذلك يوم القيامة[1].

وعنه  ’: إن شر الناس عند الله يوم القيامة ذو الوجهين[2].

وظاهرة النفاق برزت في المدينة؛ لأن المسلمين في مكة كانوا قلة مستضعفين لا غُنم في الإنظمام إليهم، أما في المدينة فأصبحوا أسيادا يقودون الدولة، فصار اتباعهم غُنم، وهناك نظرية أحرى تقول: إن النفاق موجود حتى في العهد المكي، ذلك أن جملة ممن صحبوا النبي ’ كانوا يتوقعون مبعث نبي في هذه الأرض، ويعلمون من إخبارات اليهود في المنطقة أن هذا النبي سوف يبسط سلطانه على جزيرة العرب وما وراءها، فاتبعوه طمعا بمستقبل حاله لا إيمانا بدعوته ودينه([3]). 

وفي بحث النفاق تفاصيل لا يحتملها المقام نؤجلها إلى فرصة أخرى.

النقطة الثانية: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}.

المولى: في لغة العرب له معانٍ كثيرة، قد تصل الى أكثر عشرين معنى، منها السيد، والعبد، والأخ، والناصر، والمحب، والراعي، والقيم… ولكن يجمعها معنى القيام برعاية مصالح المولّى عليه، فمثلا يقال أن الوالد ولي على أولاده الصغار، يعني يرعاهم ويرعى مصالحهم، والوالد ولي البنت البكر في زواجها[4]، يعني أنه ينظر في مصلحتها من هذه الناحية، فإن أعضلها أي منعها من الزواج بالكفؤ مع حاجتها لذلك سقطت ولايته، ولها أن تزوج نفسها بنفسها…

محل الشاهد: أن الآية ذمت المنافقين لأنهم منافقين أولاً، ولأنهم يوالون الكافرين ثانياً، ويتوقعون منهم الخير والعزة الرفعة…

والحق أنه ليس في موالاة الكافرين إلا الذل والهوان والتبعية، قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة:120).

فهم على مر التاريخ يكيدون الإسلام والمسلمين، ولا يريدون بهم إلا السوء، وإليك بعض الأمثلة المعاصرة:

(1) وقف (موشديان) وزير الدفاع الإسرائيلي على حائط المبكى وهتف مع جنوده: (حطوا المشمش ع التفاح دين محمد ولى وراح).

(2) عند احتلال الجيوش الفرنسية لسوريا جاء الجنرال (فروفود) الى قبر صلاح الدين وركله برجله وهو يقول: ها قد عدنا يا صلاح الدين).

(3) وعندما احتلت القوات الفرنسية السودان، سأل قائد القوات الفرنسية عن قائد المقاومة السوداني، فقيل له إنه قُتل، فسأل عن موضع قبره، فلما دل عليه أمر بنبشه وأخذ جمجمته وبعث بها الى الحاكم الفرنسي مع رسالة يقول فيها: (هذه جمجمة قائد المقاومة السودانية اتخذ منها مطفأة لسكائرك).

(4) وعن فضائح الأمريكان في العراق فحدث ولا حرج…

وغير ذلك كثير، ومن هنا يحذر الله تعالى من موالاتهم، ويصف من يوالونهم ويصافونهم بأن قلوبهم مريضة، وأنهم منهم، وأنهم ظالمون، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (المائدة:51–52).

ثم إن أي ولاية من دون الله لا قيمة لها، ولا تنفع وقد تضر، كما قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنْكبوت: 41.

النقطة الثالثة: قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}.

العزيز: هو المنيع، وهو الذي لا يخاف من أحد ولا يرجو أحدا، وهذا المعنى لا ينطبق على أحد مطلقا سوى الله تعالى، ولهذا قالت الآية الكريمة: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}.

وفي نص آخر: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (يونس:65).

وعلى نسق هاتين الآيتين قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} (فاطر:10).

ولأجل ذلك فإن (العزيز) اسم من أسماء الله الحسنى، ولا يمكن لأحد أن يعيش حالة العزة من دون الإرتباط بالله تعالى، فهو العزيز وهو الذي يمنح العزة لمن يشاء، كما قال عز اسمه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون:8)، ففي الخبر عن أبي عبد الله × قال: إن الله عز وجل فوض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا، أما تسمع قول الله عز وجل يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} فالمؤمن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا، ثم قال: إن المؤمن أعز من الجبل إن الجبل يستقل منه بالمعاول والمؤمن لا يستقل من دينه شئ[5].

فقوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} سؤال استنكاري، بمعنى أيتعزّزون بموالاتهم؟!!. كلا فإن العزة صفة الله وخصوصيته، وهو يمنحها للمؤمنين، ولهذا يأبى لهم الخنوع والخضوع والذل والهوان، كما ورد عن أبي عبد الله ×: ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز منا بين اثنتين بين الملة والذلة وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن أن نؤثر طاعة اللئام على مصراع الكرام[6].

 

 

 

 



[1] وسائل الشيعة، ج12ص259.

[2] المصدر والصفحة.

[3])) مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة (المجلد الأول الإمام الحسين في الدمينة) علي الشاوي، ج1ص38.

[4] هذه المسألة خلافية بين الفقهاء، فمنهم من ذهب الى أن الولاية للبنت بشرط كونها بالغة عاقلة رشيدة، ومنهم من جعل الولاية مربوطة بها وبوليها، ومنهم من حصرها بالولي، وينبغي الإلتفات إلى أن هذا كله في البكر، أما الثيب فلا ولاية لأحد عليها…

[5] الكافي للكليني، ج5ص63.

[6] تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص241.