في ظلال الآيات (19)

248

في ظلال الآيات (19)

{وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء:69).

في هذه الآية الكريمة أربعة نقاط، نبينها، ومن خلالها نسلط الضوء على بعض مفرداتها:

النقطة الأولى: ونبين فيها سبب النزول لتتضح الرؤية.

ذكر المفسرون أن سبب نزول هذه الآية هو أن أحد الصحابة واسمه ثوبان، كان شديد الحب لسول الله ’، وذات يوم ساءت حالته الصحية واصفر لونه ونحل جسده، فسأله النبي ’ عن سبب ذلك، فقال: يا رسول الله، إني أحبك كثيرا، وأفكر أحيانا فأتذكر أني مفارقك في الآخرة؛ لأن مقامي ليس بمستوى مقامك، فاصفر لوني ونحل جسدي، فلم يجبه رسول الله ’، وانتظر خبر السماء.

فلما علم الله تعالى صدقه أنزل: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ… } الآية، ثم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: “والذي نفسي بيده لا يؤمنن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجميعن”[1].

ولا يخفى أن الآية جاءت بصيغة الشرط والجزاء، يعني أن لفظ (مَنْ) إسم شرط، والشرط يحتاج الى جواب وجزاء، مثل: من يدرس ينجح، والجزاء في الآية واقع بعد الفاء، في قوله: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ… } الآية.

النقطة الثانية: لاحظ إن الآية عدلت من الحب الذي هو سبب النزول إلى الطاعة، فلم يقل: ومن يحب الله والرسول..، بل قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ…}، وهذا ينبئ عن أن الحب غير كافٍ ما لم يترجم الى طاعة، كما قال الشاعر:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا محال في القياس بديـع

لو كان حبك صادقا لأطعتـه *** إن المحب لمن يحب مطيـع

هذا.. مع الإلتفات إلى أن الطاعة التي منشؤها الحب أرفع من الطاعة التي منشؤها الترغيب أو الترهيب، كما ورد عن أبي عبد الله × أنه قال: (العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلبا للثواب فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله حبا له فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة)[2].

النقطة الثالثة: إن الآية قرنت طاعة الله بطاعة الرسول، لدفع دعوى إمكانية طاعة الله من دون طاعة الرسول، أو من دون الرجوع للرسول ’، كما زعم بعض عندما قال: حسبنا كتاب الله، حين طلب النبي ’ دوات وكتف، وقال: أكتب لكم كتاب لن تضلو بعدي أبدا…[3].  

وقد ذم الله تعالى هذه الظاهرة في الكتاب العزيز، حيث يقول: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (النساء:150).

النقطة الرابعة: قوله تعالى: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}.

وفيه أمور:

الأمر الأول: نحن نقرأ كل يوم سورة الحمد ما لا يقل عن عشرة مرات، ونطلب من الله الهداية الى الصراط حيث نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة:6–7)، والآية محل البحث تبين من هم الذين أنعم الله عليهم، وهم أربعة أقسام: {النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}.

الأمر الثاني: في بيان معنى هذه الأقسام:

(1) (النَّبِيُّونَ): مأخوذ من التنبؤ، أو من النبأ، سمّو بذلك لأنهم ينبؤون عن أخبار السماء.

(2) (وَالصِّدِّيقونَ): جمع صدِّيق: صيغة مبالغة لمن لازم الصدق، وهو المداوم على ما يوجبه التصديق بالحق([4])، كما يقال لمن لازم السكر: سكِّير، وبعبارة أخرى الصدّيق هو الذي يصدق بدعوة النبي، ويبقى إلى نهاية الشوط ثابتا لا يغير ولا يبدل ولا يحدث، >ومن الصدق ما هو في القول ومنه ما هو في الفعل، وصدق الفعل هو مطابقته للقول؛ لأنه حاك عن الاعتقاد..<[5].

وفي الخبر عن النبي ’: (الصديقون ثلاثة: علي بن أبي طالب، وحبيب النجار، ومؤمن آل فرعون)[6].

ومنه يفهم أن الصدّيقين هم الأوصياء المعصومون ^، وقد يوصف الأنبياء بذلك، كما قال تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} يوسف: 46.

وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} (مريم:41).

وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} (مريم:56).

(3) (الشُّهَدَاءِ): وقد فسر بتفسيرين:

الأول: المقتولين في سبيل الله[7].  

الثاني: شهداء الأعمال؛ لأن لفظ الشهيد في القرآن إصطلاح خاص يراد منه هذا المعنى[8]، ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة:143).

وفي الخبر عن الإمام أمير المؤمنين ×: (نحن شهداء الله على خلقه، وحجته في أرضه، ونحن الذين قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}([9]).

ولكن إذا فسرنا الشهداء بهذا المعنى، سوف يكون تكرار لمعنى الصديقين، وأما إذا فسرناه بالمقتولين في سبيل الله فلا يرد الإشكال، فتأمل…

(4) (الصَّالِحونَ)، العاملون بالصلاح، و(هم أهل اللياقة بنعم الله)[10]، المتهيؤون للكرامة الإلهية لفعلهم الصالحات.

و(لعل ذكر هذه المجاميع الأربع، إشارة إلى المراحل الأربع لبناء المجتمع الإنساني السالم المتطور المؤمن.

المرحلة الأولى: مرحلة نهوض الأنبياء بدعوتهم الإلهية.

المرحلة الثانية: مرحلة نشاط الصديقين، الذين تنسجم أقوالهم مع أفعالهم، لنشر الدعوة.

المرحلة الثالثة: مرحلة الكفاح بوجه العناصر المضادة الخبيثة في المجتمع، وفي هذه المرحلة يقدم الشهداء دمهم لإرواء شجرة التوحيد.

المرحلة الرابعة: هي مرحلة ظهور >الصالحين< في مجتمع طاهر ينعم بالقيم والمثل الإنسانية باعتباره نتيجة للمساعي والجهود المبذولة)[11].

قوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)، قال: رفيقا بالمفرد ولم يقل: رفقاء، أي حسن حال كل واحد منهم رفيقاً، منصوب على الحالية، نظير قوله تعالى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} (الحج:5).

روايات ذات صلة

في تفسير القمي: وأما قوله {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}، قال النبيين: رسول الله ’، والصديقين: علي ×، والشهداء: الحسن والحسين ‘، والصالحين الأئمة، وحسن أولئك رفيقا، القائم من آل محمد عليهم السلام([12]).

عن أصبغ بن نباتة الحنظلي قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام يوم افتتح البصرة وركب بغلة رسول الله ’ [ثم] قال: أيها الناس ألا أخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم الله، فقام إليه أبو أيوب الأنصاري فقال: بلى يا أمير المؤمنين حدثنا فإنك كنت تشهد ونغيب، فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله سبعة من ولد عبد المطلب لا ينكر فضلهم إلا كافر ولا يجحد به إلا جاحد، فقام عمار بن ياسر – رحمه الله – فقال، يا أمير المؤمنين سمهم لنا لنعرفهم فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله الرسل وإن أفضل الرسل ’ وإن أفضل كل أمة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي، ألا وإن أفضل الأوصياء وصي محمد عليه وآله السلام، ألا وإن أفضل الخلق بعد الأوصياء الشهداء، ألا وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة، لم ينحل أحد من هذه الأمة جناحان غيره، شيء كرم الله به محمدا ’ وشرفه، والسبطان الحسن والحسين والمهدي عليهم السلام، يجعله الله من شاء منا أهل البيت، ثم تلا هذه الآية {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا} (النساء:69-70)([13]).

و عن أبي جعفر × قال: أعينونا بالورع، فإنه من لقي الله عز وجل منكم بالورع كان له عند الله فرجا، وإن الله عز وجل يقول: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}، فمنا النبي ومنا الصديق والشهداء والصالحون)([14]).



[1] الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج3ص316.

[2] بحار الأنوار، ج67ص236.

[3] الحديث بلفظ البخاري: (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما حضر رسول اله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال: عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا) انظر صحيح البخاري، ج7ص9.

[4])) التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي، ج3ص250.

 [5] الميزان للطباطبائي، ج4ص408.

[6] الخصال للصدوق، ص184، حبيب النجار مؤمن آل ياسين، وحزقيل مؤمن آل فرعون.

[7] التفسير الكاشف للشيخ محمد جواد مغنية، ج2ص372.

[8] الميزان للطباطبائي، ج4ص407.

[9])) ميزان الحكمة للريشهري، ج1ص108.

[10] الميزان للطباطبائي، ج4ص407.

[11] الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج1ص59.

[12])) تفسير القمي، ج1ص134.

[13])) الكافي للكليني، ج1ص45.

[14])) الكافي للكليني، ج2ص78.