في ظلال الآيات (31)

157

في ظلال الآيات (31)

{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى* إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى* إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} (الليل:1-12).

سورة الليل من سور القَسَم، تبتدء بثلاثة أيمان: الليل والنهار والخالق، وسيأتي بيانها، ثم تعرض لمشكلة  يعيشها أغلب الناس، وبعد عرض المشكلة تقدم لنا مثالاً حياً لهذه المشكلة عاصره النبي ’، ورآه الصحابة بأم أعينهم… فهاهنا ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: حول الأيمان.

المبحث الثاني: حول اختلاف السعي.

المبحث الثالث: حول سبب النزول.

وسنعرض لها على التوالي إن شاء الله.

المبحث الأول: حول الأيمان، وقد قلنا أن السورة افتتحت بثلاثة أيمان:

اليمين الأول: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} قسم بالليل إذا غشي النهار كما قال تعالى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} (الرعد:3)، أو يغشي الأرض، ويمد ظلامه عليها بغياب الشمس، والمعنى واحد…

والقسم عادة ما يكون بشيء عظيم، ومنه نفهم أهمية وعظمت هذا المقطع من الزمن ـ أعني الليل ـ ففيه:

1ـ يأخذ الناس قسطاً من الراحة بعد يوم من العمل والكدح، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} (الفرقان:47).

2ـ وفيه يأوي كل حبيب لحبيه ليسكن إليه، كما قال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} (الأَنعام:96)، وكما قال عز اسمه في آية أخرى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} (الروم:21)، وفي آية ثالثة يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} (يونس:67).

3ـ وفيه يهرع العلماء الى كتبهم، مستغلين الهدوء والفراغ ليتزودوا بالعلم والمعرفة… كما قال الشاعر:

بقدرِ الكدِّ تكتسبُ المعالي *** ومن طلب العلا سهر الليالي

ومن رام العلا من غير كد *** أضاع العمر في طلب المحال

تروم العز ثم تنام ليلاً *** يغوص البحر من طلب اللآلي

وعن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه ^، قال: قال رسول الله ’: لا سهر إلا في ثلاث: متهجد بالقرآن، أو في طلب العلم، أو عروس تهدى الى زوجها[1].

4ـ وفيه يأوي العبّاد الى محاريبهم، يناجون ربهم، يبتهلون الى بارئهم، وقد تحدث القرآن الكريم كثيرا عن قيام الليل، ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} (المزمل:1–6)، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات:15-18).

وفي وصف المتقين يقول أمير المؤمنين ×: (أما الليل فصافون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما، ويجأرون إليه في فكاك أعناقهم)[2].

5ـ وفيه أيضاً يستخفي المجرمون واللصوص لتنفيذ مآربهم، مستفيدين من إرخال الليل سدوله، كما قال تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} (الرعد:10).

والملاحظ أن أغلب جرائم السطو والسرقة تقع ليلاً… ومن هنا وردت الاستعاذة من الليل في قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} (الفلق:3)، بناءً على تفسير الغاسق بالليل. 

ولهذه الأسباب وغيرها، نلاحظ أن الله تعالى أقسم بالليل في سبعة مواضع، في الآية محل البحث وست أخر هي:

قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} المدثر: 33.

وقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} التكوير: 17.

وقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} الِانْشقاق: 16-17.

وقوله تعالى:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} الفجر: 4.

وقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} الشمس: 4.

وقوله تعلى: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} الضحى: 2.

اليمين الثاني: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}، بطلوع الشمس، ولا يخفى أن تعاقب الليل والنهار فيه ما فيه من المنافع لكافة المخلوقات وهو مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى، كما قال جل وعلا: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (القصص:73)، كما لا تخفى أهمية النهار حيث يهب الناس جميعاً: العامل لعمله والطالب لمدرسته والتاجر لتجارته والمزارع لأرضه… وهلم جرا، ليبتغوا من فضل الله تعالى كما قالت الآية المزبورة، وكذلك تغادر الطيور أعشاشها والوحوش أوكارها، بحثاً عن الرزق.

وقد جاء القسم بالنهار في القرآن في موردين:

(1) قوله تعالى في سورة الشمس: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} (الشمس:3).

(2) في السورة الحاضرة، {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} (الليل:2).

ومن هذا التفاوت في عدد مرات القسم بين الليل والنهار، نستطيع أن ندرك أهمية الليل، وأن الشرع اعتنى به أكثر من النهار، ويبدو لي أن ذلك ناشئ من أن النهار يشدك إلى الدنيا، والليل يشدك إلى الآخرة…

وهناك بعض الروايات تعطي بُعداً باطنياً لهذه الأيمان، ففي تفسير على بن ابراهيم، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}، قال: الليل في هذا الموضع فلان، غشي أمير المؤمنين في دولته التي جرت له عليه، وأمير المؤمنين عليه السلام يصبر في دولتهم حتى تنقضي، قال: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} قال: النهار هو القائم عليه السلام منا أهل البيت، إذا قام غلب دولته الباطل.. والقرآن ضرب فيه الأمثال للناس وخاطب الله نبيه به ونحن، فليس يعلمه غيرنا[3].  

اليمين الثالث: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}، (ما) اسم موصول بمعنى الذي، والمعنى: قسماً بالذي خلق الذكر والأنثى، وفي تفسير الذكر والأنثى أقوال:

(1) المقصود به آدم وحواء، في إشارة الى عظيم قدرة الله في خلقهم من الطين.

(2) وقيل: بل المقصود به مطلق الرجل والمرأة، وفيه إشارة الى عظيم الخلقة من التزاوج والتناسل والتكاثر…

(3) وقيل: بل مطلق الذكر والأنثى من إنسان وحيوان ونبات، فإن الذكورية والأنثوية، تشمل جميع هذه الأقسام، بل تتعداها الى جميع المخلوقات، كما قد يفهم من قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات:49). 

وعلى سبيل المثال فإن الذكورية والأنثوية واضحة في بعض النباتات، كالنخيل ـ مثلا ـ، وغير واضحة في بعضها، كالبرتقال ـ مثلاـ ولكن عملية التلاقح تتم في النبتة نفسها، التي قد تسمى بالنباتات الخنثية.

 

المبحث الثاني: حول اختلاف السعي

{إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} جواب القسم، والسعي هو المشي السريع دون الركض، والمراد منه هنا الهدف المقصود الذي يسعى له الإنسان، وشتى يعني مختلف.

وفي هذا المقطع إشارة الى المشكلة التي يقع فيها أغلب الناس.. وهي أن الله تعالى خلق الإنسان فكلفه بمهمتين:

الأولى الرئيسة: وهي السعي للفوز بالآخرة والوصول الى الإنسانية الكاملة…

الثانية الثانوية: العيش في هذه الحياة عيشة كريمة والسعي لأخذ النصيب منها بلا إفراط ولا تفريط.

وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (الإسراء:18-20).

وبعد عرض هذه الحقيقة، تتطرق السورة الى حادثة جسدت هذا الاختلاف في السعي، فقالت: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}.

المبحث الثالث: حول سبب النزول

ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات أنها نزلت في رجل من الأنصار كانت له نخلة في دار رجل آخر، وكان يدخل عليه بغير إذن، فشكا ذلك إلى رسول الله ’، فقال رسول الله ’ لصاحب النخلة: بعني نخلتك هذه بنخلة في الجنة.

فقال: لا أفعل.

فقال ’: فبعها بحديقة في الجنة.

فقال: لا افعل، وانصرف، فمضى إليه ابو الدحداح واشتراها منه، وأتى إلى النبي ’ وقال: يا رسول الله خذها واجعل لي في الجنة الحديقة التي قلت لهذا فلم يقبله.

فقال رسول الله ’ لك في الجنة حدائق وحدائق.

فأنزل في ذلك: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}، يعني ابو الدحداح.

واختتمت الآية بعاقبة من همّه جمع المال، وبدل الهدف الرئيسي بالهدف الثانوي، حيث قال تعالى: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}، أي إذا هلك ومات؛ لأنه سيفارق ما أفنى عمره لأجله ولجمعه سواء أكان قليلاً أو كثيراً، وكلما كان المال أكثر كانت المسؤولية أكبر، والحساب أدق.. {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} أي: أن علينا أن نبين لهم..

 

روايات ذات صلة:

 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر ×: قول الله عز وجل: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}، وما أشبه ذلك، فقال: إن لله عز وجل أن يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن يقسموا إلا به([4]).

 

 

 



[1] الخصال للصدوق، 112.

[2] مستدرك سفينة البحار: ج6ص122.

[3] تفسير القمي، ص425.

[4])) الكافي، ج7ص449.