في ظلال الآيات (32)

247

في ظلال الآيات (32)

{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:146).

هذه الآية نزلت بعد واقعة أحد التي كاد أن يقتل فيها رسول الله ’، وقد جاءت بعد قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:144).

وهاهنا ثلاثة مباحث:

الأول: مبحث لغوي في معنى {وَكَأَيِّنْ} ومعنى: {رِبِّيُّونَ}.

الثاني: في مواصفات الربيون.

الثالث: في معنى الصبر واقسامه.

وسنعرض لها على التوالي ان شاء الله.

المبحث الأول: وفيه مطلبان:

المطلب الأول: في معنى: {وَكَأَيِّنْ}، وهي كلمة للتكثير، مثل: (كم)، فتقول مثلاً: كم من نبي ظلمه قومه، أو كم من مسجد خراب لا يصلي فيه أحد.

المطلب الثاني: في معنى: {رِبِّيُّونَ}، مأخوذ من إضافة (رب) الى (واو) الجماعة، يعني ربانيون، لا يشغلهم شيءٌ عن ربهم وخدمته، والرباني: هو الذي يجسد إرادة الرب، وأخلاق الرب في أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته… والمعنى على الإجمال: (((كم من نبي قاتل معه في جهاده في إقامة الحق ونصرة دين الله تعالى من كان منتسباً الى الرب، وتخلّق بأخلاق الله تعالى، وتربى بتربية الرسول الكريم، والنبي العظيم، فصبروا، فلماذا فررتم عن سيد الأنبياء ’ ولم تصبروا)[1].

تحويل الفشل الى نجاح

تعرض القرآن الكريم لهزيمة المسلمين أكثر من مرة، منها: قوله تعالى:

* {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (التوبة:25-26).

* {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (الأحزاب:9-11).

* {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (آل عمران:155).

وغير هذه من النصوص التي تذكر المسلمين بحالات الضعف والوهن التي مروا بها، ومن مجموعها يمكن أن نستفيد أمور:

الأمر الأول: إن الله تعالى أراد أن يؤكد للمسلمين أن النصر الحقيقي لا يأتي بكثرة العدة ولا العدد ولا فيها ضمانة للنصر، كما اغتر المسلمون في حنين بكثرتهم.

الأمر الثاني: إن السقوط والفشل وخسارة جولة لا يعني نهاية المطاف والتسليم للأعداء، بل لابد من النهوض ومحنولة تعويض ما قد فات.

 الأمر الثالث: الإلتزام بأوار القائد وتطبيق توجيهاته بحذافيرها، من أهم عوامل النصر، وبعكسه فإن احتمالات الخسارة واردة، كما حدث في أحد عندما ترك الرماة الجبل، وكان النبي قد أكد عليهم اثبتوا في أماكنكم حتى لو رأيتمونا هزمنا لا تنصرونا.

الأمر الرابع: إن البحث عن المصالح الدنيوية والمظاهر المادية من أهم عوامل السقوك أمام العدو، كما حدث في أحد حيث سارع المسلمون لجمع الغنائم والمعركة لم تنتهي بعد، فباغتهم خالد من خلفهم.

الأمر الخامس: إن الشعور بحضور الله في أي منازلة يعطي للمؤمن قوة وعزما واندفاعا، وذلك هو الضمان الحقيقي للانتصار، والله تعالى يمكن أن ينزل الملائكة ليقلبوا المعادلة في أي منازلة سواء في عهد الرسول أن لا، وكل المطلوب من المؤمنين هو الثبات والوثوق بوعد الله تعالى.

المبحث الثاني: ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الربانيون بثلاث صفات، تدل على جلالة قدرهم:

الصفة الأولى: عدم الوهن في المصيبة، حيث يقول تعالى: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ}، الوهن: كالضعف، ولكن الضعف يستعمل في القوى البدنية، والوهن في القوى المعنوية، بمعنى أن بصائرهم لم تضعف وعقائدهم لم تتزلزل، لماذا؟ لأن ما أصابهم بعين الله وفي سبيل الله، كما قالت الآية: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ}، فعندما يكون سبيل المرء سبيل الله، فإنه لن يصيبه الوهن في عقيدته؛ لأن الطريق أمامه لاحب، فهو يسير على بصيرة من أمره، بخطوات ثابتة على خطى الأنبياء، بالرغم من أن طريقهم طريق ذات الشوكة… فالمصائب التي تصيبهم لا تفصلهم عن عقيدتهم، بل تربيهم وتزيد في تكاملهم، على العكس من ضعفاء البصائر فإنهم يتزلزلون إذا واجهتهم الضغوطات والصعوبات، وتخور قواهم إذا سمعوا بمقتل القائد؛ لأنهم ربطوا أنفسهم بوجوده المادي والشخصي، والحال أنهم يجب أن يربطوا أنفسهم بالله وبالقيم التي حملها القائد، ذلك أن الله تعالى خالد لا يموت والقيم ثابتة لا تزول، وبذلك يكون الانكسار أحياناً سبباً مهماً في تربية الأمة…

ذكر صاحب تفسير الأمثل، في تفسير قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران:140)، أن أحد طلاب الشيخ محمد عبده، يروي عن الشيخ أنه قال: رأيت النبي ’ في ما يرى النائم وهو يقول: لو خيرت بين الهزيمة والنصر [في أحد] لاخترت الهزيمة، لئلا يغتر المسلمون فينسون مسبب الأسباب، ويعتمدون على الأسباب الطبيعية…

وهذا في الحقيقة ملاحظ في حياة الفرد الاجتماعية والشخصية، فعلى المستوى الشخصي ـ غالباً ـ مثلاً: ما إن يحصل الفرد على شهادة علمية حتى يغتر ويتشمخر، وما أن يحصل على الأموال وتربح تجاره فإنه يطغى.. كما قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} (العلق:6-7)، وينسى مسبب الأسباب، وفي مثل هذه الحالات تكون البلاءات منبهات ومربيات، كالفقر والمرض والخسارة وفقد بعض الأحبة… 

الصفة الثانية: {وَمَا ضَعُفُوا}، قلنا قبل قليل أن الضعف هو الضعف البدني، فالربانيون كما أن الضربات المعنوية من تشكيكات الأعداء وإثارة الشبهات وما شاكل لا تزلزل بصائرهم، فكذلك الضربات المادية من الجراحات والآلام والمصائب لا تضعف قواهم، بل يثبتون رغم الجراح، ولأجل تربيتهم على شدة التحمل، جاء في بعض الروايات أن رسول الله ’ عاد الى المدينة بعد غزوة احد، فأخبر أن قريش عادت المناجزة والقتال، فيطلب من الجرحى فقط دون من عادوا سالمين التهيؤ لمواجهتهم وصدهم… ولم نسمع أن أحدا من الجرحى اعترض على ذلك، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على الطاعة والإنقياد التام لأوامره ’، وذلك لا يكون إلا بالثقة التامة بقيادته ’.

الصفة الثالثة: {وَمَا اسْتَكَانُوا}، والإستكانة هنا من المسكنة، والمراد منها الذلة والخضوع، {وَمَا} نافية، تنفي هذه الصفة أيضاً عنهم، فالذل والصغار ليس من صفات الربانيين، لماذا؟ لأننا قلنا فيما سبق أنهم ارتبطوا بالله، وتخلقوا بأخلاق الله تعالى، ومن أخلاقه العزة، ومن أسمائه العزيز، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} (فاطر:10)، والمرتبط بالعزيز عزيز، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (المنافقون:8).

وبالجملة فإن الآية تنفي عن الربامييم ثلاث صفات سلبية: (الوهن والضعف والإستكانة)…

{فَمَا وَهَنُوا}

{وَمَا ضَعُفُوا}

{وَمَا اسْتَكَانُوا}

وبالدلالة الإلتزامية تثبت لهم أضدادها من (الثبات) (والقوة) (والعزة)…

المبحث الثالث: {وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.

أي أن من يحملون هذه الصفات الثلاث محبوبون من لدن الله تعالى؛ لأن هذه الصفات تنتج أناس صابرين، متلاحمين، والله يحب الصابرين…

وبالجملة، فإنه ليس كل من رفع راية الجهاد فجهاده مقدس، بل الجهاد المقدس ينبغي أن يرفع رايته أناس مقدسون، وأمارة ذلك أن الجهاد المقدس عادة ما يقع في ظروف حالكة من الظلم والظلام، وكأنه نور ينبلج ليزيل ذلك الظلام، كحركة ابراهيم التوحيدية في بابل الملحدة، وحركة موسى × لتصحيح الإنحرافات التي وقد فيها اليهود، وحركة المصطفى ’ في الجزيرة المشركة، وهكذا سائر الأنبياء ^ لأنها حركات بصائر ووعي وتصحيح، ورموزها ربانيون، لا يعرفون الذل والهوان.. وكانت حركة الحسين × هي الامتداد الطبيعي لحركات الأنبياء ^، وقياداتها خليقة بالصفات التي طرحتها الآية الكريمة الحاضرة، ومن هنا نسمع في زيارة أبي الفضل العباس × المنقولة عن المعصوم: (أشهد أنك لم تهن ولم تنكل، وأنك مضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بالصالحين ومتبعاً للنبين…)[2].

(لم تهن): من الهوان، وهو الذل والصغار، وهو × لم يهن لأنه من أولياء الله الذين هم بعزته يعتزون، وكيف يكون أبو الفضل × ذليلا، وقائده يقول: (هيهات منا الذلة).

(ولم تنكل) النكول هو الخيانة والنكوص بمعنى عن نصرة الحق خوفا وجبنا، كما قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأَنْفال:48).  

 

    

 



[1] مواهب الرحمن للسبزواري، ج6ص383.

[2] ومن المهم جدا أن نلتفت لبضع كلمات قالها الحسين × في حق أخيه أبي الفضل تنبئ عن عظمة ومكانة الرجل، منها:

·         ليلة العاشر: (اركب بنفسي أنت…).

·         بعد مصارع اصحاب الحسين وطلبه الاذن: (يا أخي أنت أمير عسكري وحامل لوائي، إذا ذهبت يؤول جمعنا الى الشتات).

·         بعد مصرع العباس: (الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي).

·         بعد رجوعه الى المخيم من مصرعه: (واضيعتنا بعدك أبا الفضل).